تقوم الدول باللجوء إلى الحكومة الإلكترونية بهدف تقديم الخدمات الحكومية إلى الأفراد وقطاع الأعمال بكفاءة عالية وفعالية أكبر. يحصل ذلك عبر تفعيل تقنية المعلومات والاتصالات (Information Communication Technology) وربط مختلف وزارات الدولة ومختلف أقسام الأجهزة الحكومية وتحويل أعمالها والعلاقات بينها إلى صيغة إلكترونية من خلال إعادة هندستها بشكل إلكتروني، وخلق تفاعل رقمي بين الأفراد وقطاع الأعمال والوحدات الحكومية.


وهنا فإن من أبرز الفوائد التي تُحققها الحكومة الإلكترونية، هو تمكين المواطن من إنجاز المعاملات الإدارية إلكترونياً، ما يضمن صحتها ودقّتها، بالإضافة إلى تمكينه من الحصول على الخدمات بشكل أكثر شفافية وسرعة. وهو ما يُساهم في توفير الدولة للخدمات بسرعة وجودة عالية وضمن تكاليف مالية مُنخفضة حيث قدَّرت الشركة اللبنانية «Cedar Institute for Economic and Social Affairs»، أن افتقاد الدولة اللبنانية للحكومة الإلكترونية، يُكبد الاقتصاد اللبناني خسائر في الإنتاجية تُقدَّر بحوالي 1.2 مليار دولار أميركي سنوياً. من جهة أخرى يُساهم تطبيق الحكومة الإلكترونية في ردم الفجوة التخطيطية والتنفيذية بين القطاعين العام والخاص وبين هذه القطاعات والمواطن. حيث تصبح آلية العمل الإجرائي أفضل، وإمكانية تبادل البيانات أكبر.

الواقع الإداري في لبنان

يُعاني المواطن اللبناني المقيم والمغترب من مشكلات تتعلق بتدني مستوى الخدمات الحكومية، الأمر الذي يتمثَّل في التأخُّر الحاصل في إنجاز المعاملات والتي قد يرتبط إجراؤها بالقطاع العام أو الخاص أو القطاعين معاً. بالإضافة إلى البيروقراطية في الإنجاز والتعقيد الذي يُصاحب هذا الإجراء. فيما تُعتبر الأسباب واضحة، وتتوزَّع بين الفساد المُستشري نتيجة غياب الرقابة والتنفيذ الاعتباطي غير المسؤول من قِبل الدوائر المعنية. كلُّ ذلك يتعلق بالواقع المتردي للإدارة العامة اللبنانية.
وهنا فإن طرح مشروع الحكومة الإلكترونية في لبنان، والعمل على تفعيل تنفيذه، قد يُساهم في حلِّ الكثير من المشكلات التي أشرنا لها. واليوم يحذو لبنان نحو تفعيل تنفيذ هذا المشروع. فعلى الرغم من غياب العمل الرسمي الدؤوب لتحقيق ذلك، فقد أبرز المسح الأخير للأمم المتحدة حول مؤشر تطور الحكومة الإلكتروينة في العالم، تحسُّن مؤشر الحكومة الإلكترونية في لبنان بعد عام 2014. وبحسب مسح المنظمة الأخير، أظهر مؤشّر تطور الحكومة الإلكترونية (E-Government Development Index) لعام 2016 أنّ لبنان احتلّ المرتبة 73 بين 193 بلداً حول العالم والمرتبة الثامنة بين 19 بلداً عربياً. حيث تحسّنت مرتبة لبنان العالمية بـ 16 مركزاً، بعد أن حلَّ في المرتبة 89 في مسح عام 2014، في حين تقدّمت مرتبته الإقليمية بثلاث مراكز فقط.

الفرص والتحديات الموجودة

بحسب معايير الأمم المتحدة الدولية، فإن أبرز متطلبات تطبيق الحكومة الإلكترونية هي: وجود الرؤية الاستراتيجية لمشروع الحكومة الإلكترونية، تكوين البنية التحتية المعلوماتية، تحقيق التحول التنظيمي، تهيئة الأنظمة والتشريعات وتحقيق الأمن والموثوقية المعلوماتية.
وهنا فإن هذا التغيُّر في النتائج حول لبنان بين عامي 2014 و2016، وتقدمه إيجاباً، يعود للعديد من الأسباب التي قد تُسقط نظرية عدم وجود بيئة لبنانية حاضنة لتنفيذ المشروع. في حين تدل مؤشرات أخرى، على وجود ثغرات تتعلق بالبنية التحتية المعلوماتية وتحقيق التحول التنظيمي بالإضافة الى غياب التشريعات المناسبة، وهو ما يجب العمل على إزالته. حيث أن مؤشّر تطور الحكومة الإلكترونية (E-Government Development Index)، يعتمد على ثلاثة مؤشرات ثانوية (sub-index) وهي:
أولاً، مؤشر الخدمات الإلكترونية ويتضمن المواقع الإلكترونية الوطنية للبلد، بما في ذلك البوابة المركزية الوطنية (national central portal)، وبوابة الخدمات الإلكترونية (e-services portal)، وبوابة المشاركة الإلكترونية (e-participation portal)، وكذلك المواقع الإلكترونية للوزارات ذات الصلة كالتعليم والعمل والخدمات الاجتماعية والصحة والمالية والبيئة.


افتقاد لبنان للحكومة الإلكترونية يُكبد الاقتصاد خسائر تُقدَّر بـ 1.2 مليار دولار أميركي سنوياً

ثانياً، مؤشر الرأس المال البشري (Human Capital Index) ويتضمن نسبة التعلّم لدى البالغين، ونسبة التعليم الابتدائي والثانوي والعالي، والسنوات المتوقعة من التعليم ومتوسط سنوات الدراسة.
ثالثاً، مؤشر البنية التحتية للإنترنت (Internet Infrastructure Index) ويُحسب بالنسبة المئوية. ويتضمن مستخدمي الإنترنت، وعدد خطوط الهاتف الثابت، وعدد المشتركين بخدمة الهاتف الخلوي، وعدد اشتراكات الإنترنت اللاسلكي ذات النطاق العريض (wireless broadband subscriptions) ، وعدد المنشآت ذات النطاق ﺍﻟﻌﺮﻳﺾ ﺍﻟﺜﺎﺑت.
ومن خلال تحليل المؤشرات ونتائج المسح الأخير، نجد أن تحسُّن مؤشرات تطور الحكومة الإلكترونية في لبنان، يعود حصراً إلى ارتفاع مؤشر الرأس المال البشري والزيادة في استخدام الإنترنت وهو ما يتعلق بشكل مباشر أو غير مباشر بمعيار وجود الرؤية الاستراتيجية لمشروع الحكومة الإلكترونية. وذلك يعود للعديد من الأسباب أهمها زيادة وُرش العمل والمؤتمرات العلمية التي ساهمت في التوعية للمشروع وأهميته منذ عام 2014.
لكن تحليل نتائج المؤشرات الأخرى تدل على أن لبنان يحتاج إلى تحسين المتطلبات الأخرى، خصوصاً تلك التي تتعلق بتكوين البنية التحتية المعلوماتية وتحقيق التحول التنظيمي إلى جانب تهيئة الأنظمة والتشريعات القانونية. فعلى صعيد تكوين البنية التحتية المعلوماتية، نجد أن وضع البنى التحتية المعلوماتية لبعض الوزارات والمؤسسات الحكومية يعيق تطبيق المشروع. حيث أن أغلب الصفحات الإلكترونية للوزارات اللبنانية تفتقد لمواصفات الحكومة الإلكترونية من حيث الشكل والتطبيق والتحديث. ويجب العمل على تطوير الخدمات الإلكترونية خصوصاً تلك التي تُساهم في توفير إمكانية إتمام المعاملات الرسمية إلكترونياً وليس فقط إتاحة المعلومات على الموقع الإلكتروني الرسمي حول الإجراءات أو إتاحة إمكانية تنزيل الاستمارات المطلوبة لإنجاز المعاملات. على الصعيد المتعلق بتحقيق التحول التنظيمي، فإن لبنان يتمتع بمركزية في نظامه الإداري، حيث أن كافة الدوائر الرسمية موجودة في العاصمة بيروت. كما أن البيروقراطية تسود العملية الإدارية بكافة تفاصيلها، حيث لم يُطبَّق قانون التوقيع الإلكتروني (Digital signature) والدفع الإكتروني (Electronic Payment) إلّا في ثلاث وزارت فقط. أضف إلى أن لبنان يفتقد حتى الآن لمركز (Master Data) وهو مركز موحَّد يحتوي معلومات المواطنين. ناهيك عن أن نوعية خدمات الإنترنت في لبنان سيئة على الرغم من تحسّنها تدريجياً وبشكل بطيء. كما يجب العمل على خلق ما يُعرف بالتفاعل الرقمي بين الدولة والمواطن تحديداً، مما يُتيح إمكانية تحقيق التواصل التلقائي لطرح الاستفسارات وتقديم الشكاوى وإجراء استطلاعات الرأي والمشاركة في الأفكار والتطوير. وفيما يتعلق بتهيئة الأنظمة والتشريعات القانونية، فإن ما تقدَّم يحتاج إلى وجود إطار قانوني يُوحِّد المعايير ويتيح للدولة قبول وإصدار المستندات إلكترونياً وتبادل المعلومات بين الجهات الرسمية بطريقة تلقائية مما يزيل الحاجة إلى الاستحصال على وثائق مثل إخراج القيد والسجل العدلي وغيرهما من قبل المواطن لاستكمال معاملاته.
إذن، يحتاج المواطن اللبناني إلى تنفيذ مشروع الحكومة الإلكترونية، لما في ذلك من نتائج تتخطى عوامل الوقت والفعالية لتصل إلى جعل العمل الإداري في لبنان يتماشى مع متطلبات العصر الحديث. في حين يحتاج المواطن اللبناني إلى جهود رسمية تأخذ على عاتقها تنفيذ المشروع بجدية. خصوصاً في زمنٍ باتت فيه تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وسيلة مُتاحة لدى كافة الأطراف. فهل سيُبصر مشروع الحكومة الإلكترونية النور قريباً؟

المصادر:
مركز دراسات الحكومة الإلكترونية (egovconcepts.com)
The Electronic Journal of e-Government (EJEG)
United Nations E-Government Survey 2016

*باحث في إدارة المنظومات
والشؤون الاستراتيجية