أول ما يشتكي منه قرّاء سلسلة كتب جورج مارتن، حين يعلقون على مسلسل «لعبة العروش» (Game of Thrones) هو أن المشاهد سيتصوّر أن مارتن كاتبٌ مهووسٌ بالجنس والخلاعة والإباحية، في حين أنّ هوسه الحقيقي، في رواياته، يتمحور حول الطعام والملابس.

أكثر المشاهد حسيّة وتفصيلاً في كتب مارتن هي، بالفعل، تلك التي تصف الطّعام الذي يقدّم على موائد «ويستيروس»، وأطباق الخنزير المشوي ونبيذ جزيرة «آربور» وفطيرة السمك (الأكلة المفضّلة لتيريون لانيستر)؛ اضافة الى الثياب التي ترتديها الشخصيات، وألوانها وأقمشتها وتصاميمها.

أمّا مشاهد الجنس والعري التي يزخر بها المسلسل التلفزيوني فهي ــ في الكتب ـــ قليلة، هشّة، مرتبكة وغير واقعية؛ من الواضح أن من خطّها هو ليس زير نساء ويعرف عن الطعام أكثر مما يعرف عن الحب (رؤية صورة لمارتن تشرح الفكرة بوضوح).
هذا ليس إلّا واحداً من الفوارق الصارخة بين روايات جورج مارتن الخيالية، والمسلسل التلفزيوني الذي أنتجته قناة «اتش بي او» الأميركية. ولا بدّ، هنا، من توطئة مختصرة تشرح التراث الذي انبثقت منه روايات مارتن، وذاك الذي أنتج مسلسل «اتش بي أو»؛ حتى نفهم كيف تمّ تحويل قصصٍ كتبها مارتن، وجدت نجاحاً ضمن جمهورٍ محدود نسبياً، الى منتجٍ تجاري، شعبوي، يلقى اهتمام جماهير غفيرة من ثقافات ودول مختلفة.

لقاء الفانتازيا و»الكايبل»

ليس هناك من شيء «ثوريّ» في العالم الذي بناه جورج مارتن في «أغنية الجليد والنار» (الاسم الأصلي لسلسلة الكتب)، فهو يسير على درب نوعٍ أدبي مكرّس وعمره عقود. بل إنّ روايات «الفانتازيا الملحمية»، وتحديداً التي تقوم على تخيّل عالمٍ موازٍ لعالمنا أو آخر غرائبي بالكامل، قد خرجت ــ منذ الستينيات ــ من نطاق كتب الأطفال وصارت فنّاً أدبياً «محترماً»، يدرّس في الجامعات وصفوف النقد الأدبي، مع صدور روايات جي آر تولكن («سيد الخواتم») (Lord of the Rings) وسي اس لويس («حوليات نارنيا») (The Chronicles of Narnia)، وغيرهما، ومع صعود شعبية هذه الكتابات في أواسط القرن العشرين.
تقول النظرية الأدبية إنّ كتّاباً كتولكن ولويس كانوا يحاولون، تحت ضغط الحربين العالميتين وأهوالهما، تقديم سردية جديدة للجيل الطالع، تنقل إليهم فكرة الصراع بين الخير والشرّ، وفداحة الحرب وكلفتها، والوحدة التي يعانيها الفرد في عالمٍ قاسٍ، ولكن مع تجنّب «الواقع» الأوروبي الكالح والمحطّم (يُقال إن دافع تولكن للكتابة كان تجربته في خنادق الحرب الأولى، حيث شاهد رفاقه يقاتلون ويموتون، وتموت معهم مثاليات شبابه؛ أمّا «حوليات نارنيا»، فهي تبتدئ مع القصف الألماني للندن، وإخراج الأطفال ــ شخصيات القصة ــ من العاصمة الى الريف لحمايتهم من الغارات).
في العقود الأخيرة، توسّع هذا النوع من الكتابة وتشعّب، وصارت هناك عدة سرديات و»عوالم» من الفانتازيا، بعضها يبنى على ما كتبه تولكن والكتاب «المؤسسون»، وبعضها الآخر يستنبط أكواناً جديدة، لها قواعدها وتواريخها وأعراقها الخاصة. صارت هناك روايات فانتازيا تدور في جوّ «قروسطي» (ككتب مارتن) وأخرى في عوالم مستقبلية، أو في أبعاد أخرى.
«الخلطة» الناجحة لجورج مارتن، في «أغنية الجليد والنار»، كانت في مزجه لعوامل الفانتازيا هذه مع طابعٍ سياسي، يتعلّق بصراع السلطة والعائلات، وسردٍ خفيفٍ مسلٍّ وغير معقّد، جعل الكتاب متاحاً لقسمٍ كبير من الجمهور لا يقرأ روايات الفانتازيا عادة. إضافة الى ذلك، نجح مارتن في الترويج لسردٍ يخالف الأعراف المعتادة ويصدم القرّاء، كأن «يقتل» شخصيات رئيسية بشكلٍ فجائي، أو يؤسس لعالم ذي أخلاقيات مقلوبة (الأمثولة المتكررة في كتب مارتن هي أنّ كل من يلتزم بمبادئ «الشرف» و»الواجب» يلاقي أبشع النهايات).
من جهةٍ أخرى، فإنّ المسلسل الأميركي، بدوره، ينتمي الى نوعٍ تلفزيوني حديثٍ نسبياً، هو مسلسلات القنوات الأميركية الخاصة (قنوات «الكايبل»)، التي صنعت شعبية كبيرة (ومالاً كثيراً) لقناة «اتش بي او» ــ منذ أواخر التسعينيات ــ مع أعمال مثل «أوز» و»السوبرانوز» و»الجنس والمدينة» (Sex and the City).
اكتشفت قنوات «الكايبل» أنّ في وسعها تقديم منتجٍ مربحٍ يختلف تماماً عن مسلسلات القنوات العامة، يقوم على مواسم قصيرة (عشر حلقات لا أكثر)، وتصوير سينمائي لا يشبه أعمال التلفزيون المعتادة، بميزانيات كبيرة وقيمة إنتاج عالية واهتمام بالتفاصيل؛ وتكون متحرّرة ــ في المواضيع والسرد ــ من قيود القنوات العامة، التي تُجبَر على التزام معايير «الرقابة العائلية» في اللغة المستخدمة ومشاهد العري والعنف.