تصوروا حكومة من ٢٩ وزيراً مسلماً ووزير مسيحي واحد في لبنان. هذا السيناريو ليس بعيداً عن الواقع. قد يكون العرف الدستوري المعتمد اليوم لا يسمح بتجاهل «ثلث اللبنانيين»، لكن التجربة أثبتت أن الدستور اللبناني قابل للبلّ وشرب مائه.


أي إصلاح ديموقراطي جدّي في البلد قد يسمح لأحزاب «إسلامية» بتبوّؤ أغلبية مقاعد البرلمان وبالتالي منح الثقة لحكومة بهذه التركيبة. ولا ضير في ذلك إذ إنها ديموقراطية خام تسمح للأغلبية بالحكم، ولْتعارض الأقلية و«لتقوم قيامة» البطريرك. طبعاً، قد يسبّب ذلك شعور بتهميش فئة كبيرة من السكان وتهميش المواطنين في بلد غالباً، ما يؤدي إلى عدم استقرار وقد يكون التهميش مبنياً على أسس دينية أو عرقية أو طبقية. لكن في المقابل قد تنجح الدولة في قمع مطالب المهمشين بطرق مختلفة، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال جيش بوليسي يقتل الفقراء السود بلا رادع، ودهاليز قانونية تشرّع استغلال العمال المهاجرين بحجة عدم امتلاكهم الوثائق اللازمة لقبض راتب عادل مقابل عملهم، وجمبازيات انتخابية تسمح لحزبين ونخبة واحدة تتحكم بهما باحتكار الحكم على مدى أكثر من قرن ونصف.
لكن لبنان لا يملك أدوات القمع التي تملكها واشنطن، فـ«تفشّ خلقها» الدولة بكاتب «ستاتوس» فايسبوكي للحفاظ على هيبتها، بينما تلجأ إلى بدعة تسمّى اليوم الميثاقية للحفاظ على كيانٍ شبه ميّتٍ. البارز في هذه الميثاقية أن حرّاسها يعملون لأسابيع لإرضاء إقطاعياتٍ طائفية من «شلعوطين ونص» في حين أنهم لا يحترمون ولا حتى يرون «نصف المجتمع». فلم يرفّ جفن أحد عند الإعلان حكومة من ٢٩ رجلاً وامرأة واحدة، والنساء بدورهن لم ينتفضن. لن ندخل هنا بتفكيك القمع البطريركي ولن نسأل المسؤولين عن هذه التشكيلة إذا كانوا لا يخجلون من مواجهة أمهاتهم. المشكلة هنا لا تقتصر على مجتمع ذكوري بل هي في الفكر الإقصائي. مَن يستسهل تجاهل نصف الشعب، لن يستصعب تهميش، أو حتى تكفير أقلية هنا أو هناك، وبالتالي لا يعوّل عليه ليبني وطناً.


لا تصنع همروجةٌ
رئاسية مهما خلقت ضجيجاً عهداً جديداً

لا تصنع همروجةٌ رئاسية مهما خلقت ضجيجاً عهداً جديداً. يروّج البعض لفكرة أننا في وقت بدل ضائع إلى حين إجراء الانتخابات النيابية في الصيف المقبل. لكن الفكر الإقصائي الذي أنتج هذه الحكومة سينتج قانون الانتخاب، والدورات السابقة تدل على أنه سيسعى إلى "شحادة" الدعم في أقصاء الأرض ليعيد إنتاج سلطته بدلاً من معالجة قضايا المواطنين الساكنين في حيّه. فمنذ فترة، وقبل تمرير التمديد البرلماني، زار مرجع روحي أعلى، ووزير سيادي، وولي عهد زعامة مناطقية، بلدة فنزويلية على أطراف غابة الأمازون في غضون أسابيع من أجل حصد التبرعات والأصوات من جالية مغتربين لا تزيد عن عشرات من العائلات، ولا شك أن هذا المشهد سيتكرر مراراً في الأشهر المقبلة في مدن وقرى عدة حيث يوجد جاليات لبنانية ميسورة. في الوقت نفسه، لم يزر أي من هذه الشخصيات مرة واحدة، ولو للالتقاط الصور، أيّاً من تجمعات اللاجئين النازحين السوريين المنتشرة في البلد، ناهيك عن مخيمات اللجوء الفلسطيني حيث يوجد مئات الآلاف من البشر الموجودين في البلد والتي تقع على عاتق الدولة البنانية، شاءت أم أبت، مسؤولية إعانتهم وتعليمهم ــ لو وجدت دولة في لبنان لكانت فكرت بطرق لتشغيلهم والاستفادة من وجود هذه الطاقة البشرية الهائلة والنهوض بهم وبالاقتصاد الوطني. لكن الفكر الإقصائي والانعزالي لا ينهض ببلد.
بناء الأوطان يقوم بمشاركة المواطنين، جميع المواطنين، لا بالتعامي عنهم. لم يكن الوطن يوماً أسلوب صلاة أو تركيبة جينية أو علماً ونشيداً. الوطن هو علاقة ناجحة بين شعبٍ وأرضٍ. ولن يصبح كيان مثل لبنان وطناً إلّا إذا تغيّرت النظرة إلى ما هي أركان الوطن. أركان الوطن هم الذين يحرسون أمنه وينتجون في أرضه ويربون أجياله الآتية. لذلك، من الأجدى توزير نساء ينشطن في البلد مثل سوجانا رنا وروزي ليمبو بدلاً من ترحيلهن، وخلق فرص العمل لعائلات نزحت بدلاً من استجداء السفارات لمنحهم تأشيرات بالقطّارة و«تخليصنا منهم»، والاستيقاظ من وهم استرجاع أجيال من برازيليين وأرجنتينيين ومكسيكيين بنوا أوطاناً أخرى، وهي أوطان رائعة بالمناسبة ولن يتركها عاقلٌ من أجل صحن تبولة.
لكن لن يتجرّأ أي من القوى السياسية المتوحدة في الحكومة على التبرّؤ من مقدسات الكيان اللبناني التي أثبتت فراغها من أي قيمة. «التعايش الإسلامي المسيحي» ما هو إلّا تلميع لرهاب ديموغرافي، وما جدوى الوقوف في وجه التوطين حين يصبح هتافاً لمطبّعين مع إسرائيل. عروبة لبنان عنوان تسوّل، وانفتاحه على الغرب تبرير لاستعماره. أما أهم إنجازات «لبنان» من تحرير أرض واستقبال أناس في عز محنتهم، فيخجل الكثير من اللبنانيين منها.
لن تكون هناك حكومة من ٢٩ مسلماً ومسيحي واحد في لبنان. فليطمئن الإسلاموفوبيون. لكن إذا ما استمّر نمط التهميش والتخويف والانعزال في عهد لبنان الجديد، وكل المؤشرات تدل إلى ذلك، فهلّلوا لأن العهد الجديد قد يكون العهد الأخير في تاريخ كيان لم يرقَ يوماً إلى وطن.
*كاتب لبناني