فرض الإرهاب نفسه لاعباً و«نجماً» كبيراً، أيضاً، في السنة المنصرمة. رغم تراجعاتهم الجغرافية وخسائرهم البشرية في كل من العراق وسوريا، تمكّن الإرهابيون من تنفيذ عملياتهم الإجرامية، في بلدان عديدة: من الأردن إلى استراليا، مروراً بمعظم أوروبا، وصولاً إلى الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وتركيا ومصر... فضلاً عن أماكن نشاطهم التقليدية الموزعة، بدورها، في أرجاء المعمورة.


لقد أُعلنت حروب عديدة، وأُنشئت أحلاف كثيرة من أجل مواجهة الإرهاب والقضاء عليه. لكن، مع ذلك، لم تجد شعارات مكافحة الإرهاب ترجمة حقيقية لها. هي خضعت، عموماً، لأجندات هذه الدولة أو تلك من ضمن خطط خاصة توجهها مصالح هذه الدول، ولا يوحدها هدف التصدي للإرهاب وتنسيق الخطط والجهد في قتاله. والحال أنّ مصالح القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في النزاعات ظلت متباعدة ومتناقضة، في أكثر من حقل وتحت أكثر من عنوان، فإن فرص الصمود والأذى والمناورة بقيت كبيرة أمام المجموعات الإرهابية على مختلف تسمياتها. ليس هذا فقط، بل إن قوى مؤثرة، دولية وإقليمية، استمرت في محاولاتها لتوظيف الإرهاب ضد خصومها. وقد ترك ذلك نتائج بالغة السوء لجهة تشتيت القوى وتقديم خدمات مجانية للإرهابيين مكنتهم من مضاعفة جرائمهم ومن إطالة معاناة ضحايا هجماتهم وإجرامهم. حتى بلدان القوى التي حاولت استخدام الإرهابيين، لم تنج هي نفسها من أذاهم. تركيا أحد أكبر الأمثلة في هذا الصدد. هي ما زالت، حتى يومنا هذا، تمارس سياسة مزدوجة حيال الإرهابيين. ذلك أوقع مواقفها وعلاقاتها في تخبط لا تُحسد عليه، قياساً على ما كانت تأمل من إحراز نتائج، فيما يتعلق بدور إقليمي محوري لها ما زال يتراجع باستمرار.
رغم كلام كثير قيل بشأن تجفيف منابع الإرهاب، لم تبذل أي جهود مؤثرة وصادقة في هذا الاتجاه. معروف أن مصادر الإرهاب عديدة ومتنوعة جداً. فالإرهاب، في جانب أساسي منه، هو رد فعل أرعن على سياسات استعمارية استهدفت، دائماً شعوباً بأكملها فيما يسمى بالعالم الثالث بشكل خاص. وهي سياسات غربية عموماً، تزعمتها الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية. ولهذه السياسات، أساساً، منطلقها الاقتصادي وصيغها السياسية وأدواتها القائمة، عموماً، على الفرض والإكراه والتدخل. الشعوب العربية دفعت أعظم الأثمان في هذا الصدد حين جرى زرع الكيان الصهيوني في فلسطين: أداة تبديد لوجودها، وتشريد لأكثرية شعبها، وتهديد لمصالح شعوب المنطقة من خلال إقامة بؤرة استعمارية استيطانية عنصرية هي أبشع ما أنتجته النزعات العدوانية في التاريخ المعاصر، وبدعم غير مسبوق من القوى «المتحضرة» في العالم!
من منابع الإرهاب، بعد النهب والعدوان الخارجيين، الاستبداد والديكتاتورية. من منابعه الأساسية أيضاً التطرف والتعصب واستغلال العقائد الدينية لتحقيق أهداف سياسية، ما جعل سياسات بعض الدول، مولِّدة دائمة للإرهاب، بشكل شبه علني وشبه رسمي، سواءً على الصعيد الداخلي، أو على الصعيد الخارجي.
انهيار البدائل السياسية، المستندة إلى برامج شاملة وعامة وجذرية لتعبئة القوى المتضررة ودفعها إلى كفاح طويل من أجل التصدي للسياسات الاستعمارية والاستبداد والتطرف (وهذه الثلاث الأخيرة كانت تتكامل، غالباً، لتعميق الهيمنة الخارجية والتسلط الداخلي والنهب والفساد والقمع)، ترك الساحة شاغرة للإرهاب والإرهابيين. السياسات المذكورة نفسها، الخارجية والداخلية، ساهمت، كما أسلفنا، في إنشاء بعض المجموعات الإرهابية أو في تشجيعها ودعمها. الغرض من ذلك استخدام الإرهابيين في تأبيد الأوضاع القديمة وقطع الطريق على البدائل الثورية، من جهة، وتعزيز موقع أصحابها في الصراعات من أجل الهيمنة والنهب والسيطرة، من جهة ثانية.
تخاض، إذن، المعركة ضد الإرهاب، على قاعدة الفئويات والتنافس والمصالح الخاصة. لن نشهد، في مجرى ذلك، نهاية سريعة للإرهابيين، حتى على المستوى الجغرافي حيث توفر لبعضهم بناء دويلات خاصة كبرت أو صغرت. ثم أن بعض القوى يتشارك مع الإرهابيين في تغذية التطرف، كما أشرنا، من خلال سياسات ومؤسسات مولدة له وللإرهاب، وهاتان راسختان وفاعلتان في البنى الدينية والاجتماعية العائدة لها.
الخبر السيئ، تكراراً، للعام الجديد، أن الانتخابات الأميركية قد دفعت إلى سدة الرئاسة، في أقوى دول العالم وأبعدها تأثيراً في السياسات الدولية، شخصاً يمثل نخبة أكثر أثرياء أميركا جشعاً وعنصرية وتطرفاً. توسّل رئيس أميركا الجديد الخداع والديماغوجية أثناء معظم معركته الانتخابية. لكن، سرعان ما كشف، من خلال فريقه الجديد للحكم، أنه سيجند إمكانيات الإدارة الأميركية العتيدة من أجل تعظيم ثروات كبار مصاصي دماء الأكثرية الساحقة من الشعب الأميركي وشعوب العالم. إنه شخص غير متوازن بالطبع. وهو مغامر وأرعن كما تبدى خلال الكثير من مواقفه، ما أدى إلى إثارة مخاوف أقرب حلفاء أميركا (في أوروبا خصوصاً) قبل خصومها. خدمة الاحتكارات الأميركية الكبرى وتخفيض الرقابة والضرائب على انتهاكاتها وارتكاباتها في الداخل والخارج، هي ما يوجه أولويات سياسته. لن يتورع الرئيس ترامب عن خوض مواجهات محدودة هنا وهناك، أو تشجيع مثل هذه المواجهات، طالما هي تخدم مصالح كبريات الاحتكارات الأميركية التي دعمت وصوله إلى الرئاسة. ما يبدو الآن من تواصل، وحتى تعاون مع القيادة الروسية، هو مؤقت وتكتيكي وتحييدي، للتفرغ لمواجهة صعود الدور الصيني في المجال الاقتصادي. دور بكين بات يهدد نفوذ الاحتكارات الأميركية نفسها، خصوصاً في ظل استمرار قيادة قطاع الدولة العام لمسار الاقتصاد الصيني في حركة تطوره الداخلي وتوسعه الخارجي.
لا شك أنّ التعاون بين ترامب والقادة الصهاينة سيكون أكبر. عنصرية قيادة الدولة العبرية ووظيفتها كذراع محلية لمشاريع الفرض والهيمنة والنهب الاستعمارية، تُرجِّح استعادة تناغم كان مفقوداً، إلى حد كبير، مع إدارة أوباما. الرئيس المنتهية ولايته حاول إدماج الدولة الصهيونية في تركيبة المنطقة سياسياً واقتصادياً، بعد تقليص طموحاتها الجغرافية، بما يسهل عملية الإدماج، من جهة، ويمنح الشعب الفلسطيني نوعاً من الإدارة السياسية والاقتصادية لشؤونه بعيداً عن الهيمنة الإسرائيلية المباشرة.
لم ينته شيء من صراعات العام المنصرم مع انتهائه. الصراعات مستمرة في شروط لن تختلف جذرياً. إدارة ترامب ستعتمد نهجاً أكثر عدوانية في مساعي صقور احتكاراتها لاستعادة زمام المبادرة في الداخل والخارج. منطقة الشرق الأوسط ستبقى الساحة الرئيسية للصراعات الأكثر عنفاً ومجلبة للموت والدمار وللكراهية. مصير العرب، خصوصاً، سيبقى رهن إرادات ومصالح القوى الخارجية. من نافلة القول إن الوضع العربي يمر في أسوأ مراحله. لا يقلل ذلك من أهمية بعض أشكال المقاومة التي بذلت جهوداً وتضحيات كبيرة. المستفيد الأكبر هو العدو الصهيوني الذي مني، مؤخراً، بخسائر سياسية دولية مؤثرة.
يستدعي ذلك مواصلة المعركة ضد الإرهاب ومؤسسيه ومستغليه، وضد مشاريع الهيمنة والنهب والاستبداد. في هذا السياق لا بد من إدخال تعديل جدي وجذري على الأساليب والبرامج كالتخلص من الفئوية والطائفية. كذلك ينبغي على قوى التغيير تفعيل دورها، بما يتيح لها أن تكون حاضرة في مشهد مصيري ما زالت تواصل غيابها شبه الكامل عنه.
لم تكن منطقتنا ولا العالم بخير في الأعوام الماضية. العنصرية والتطرف يحققان نجاحات متزايدة في الكثير من بلدان العالم. يبقى الأمل دائماً في صحوة ونهوض جديدين.
* كاتب وسياسي لبناني