لم تطل الحكاية. ثلاث سنوات كانت كفيلة زمنياً لإنهاء وكر الإرهاب، فانتهت قصة إجرام حبكتها أياد هوليوودية بزعامة فخرية لأبي بكر البغدادي الذي شغل العالم بأسره. هي برهة من الزمن كانت كفيلة لينشر تنظيم «داعش» من خلالها كل حقده وإجرامه.


ومع أن قصة الخلافة المزعومة سقطت في جامع النوري، لكن لا بد من إفشال السيناريو كاملاً في الرقة بعد الموصل وتكون الضربة القاضية، ليقول اللاعبون الحقيقيون في مواجهة الإرهاب (العراق، سوريا، إيران والمقاومة) لتنظيم «داعش» (Game over).
يبدو أن التاسع والعشرين من شهر حزيران/ يونيو سيحفر عميقاً في الذاكرة العراقية والعربية لا بل في ذاكرة العالم أجمع، ففيه من عام 2014، أي قبل ثلاثة أعوام بالتحديد، أعلن زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي، أبو بكر البغدادي، ما يسمى بـ«دولة الخلافة» من على منبر جامع النوري التاريخي الواقع في الجانب الأيمن لمدينة الموصل، التي تمثل مركز محافظة نينوى.
واليوم، سقطت شوكة النكاية الداعشية في الموصل العراقية، وسقط معها كلّ عمليات إدارة التوحش، وبناء الخلافة، لتسقط معها أسطورة الإرهاب الجديد، التي كان العراق الممر الأساسي لها في استراتيجية التنظيم الإرهابي، لكن لم يسقط فكر الإرهاب، وشوكة القتل لا تزال قائمة، وهي موجودة عبر التاريخ.
لا شك أن «داعش» كان يدرك أنه سيخسر الموصل، وهو من خلال تدميره جامع النوري استبق إعلان هزيمته من قبل القوات العراقية، ليشكل وصول هذه القوات إلى مسجد النوري الإعلان عن هزيمة التنظيم الإرهابي، حيث تعمدت القيادة العراقية إعلان النصر بأسلوب محكم زمانياً ومكانياً، لتؤكد سقوط نمر «داعش» الورقي.

وانتهت شوكة التمكين

لقد فقد تنظيم «داعش» شوكة التمكين التي تحدث عنها أبو بكر ناجي في كتابه «إدارة التوحش». هذه الشوكة تحصل بعد شوكة النكاية والانهاك، التي ترمي إلى استنزاف قدرات الجيش والدولة التي يريد التنظيم الإرهابي السيطرة عليها، ثم تأتي بعدها مرحلة «إدارة التوحش» التي قام بها «داعش» على طول فترة سيطرته على المناطق العراقية، ثم مرحلة «شوكة التمكين»، والتي هي قيام الدولة، وإعلان الخلافة، لكن هذه الاستراتيجية سقطت حالياً، وأسقطت حلم الإرهابيين.
ومع اندحار «داعش» من معاقله الأساسية في سوريا والعراق يجب علينا أن لا نغفل أن فكر الإرهاب «الداعشي» لن ينتهي، فهذا الفكر موجود عبر التاريخ، ولكنه تفشى بشكل واسع على يد إرهابيي «داعش»، ولن ينطفئ بمجرد أفول التنظيم الإرهابي أو مقتل زعيمه أبي بكر البغدادي. ففكر «داعش» يُشكل بأكمله من تعاليم الوهابية التكفيرية التي لم تترك أحداً إلا وكفرته، وعقائد الوهابية تدرس وتطبق في المناطق التي يسيطر عليها «داعش»، لذلك وقبل القول بانتهاء «داعش»، ومكافحة الإرهاب لا بد من القضاء على هذا الفكر الإرهابي، ومنع انتشاره وتقويته.

البحث عن مكان آخر

ولا بد من الالتفات إلى أن اندحار «داعش» من العراق وكذلك سوريا، قد يدفعه للبحث عن موطئ قدم ومقر له في دول المنطقة، وعلى رأس هذه الدول اليمن، وأفغانستان، ودول الخليج، وكذلك الأردن، وفلسطين ولبنان، وإن كان الاحتمال ضعيفاً بدخوله إلى لبنان فهو لا يمثل الحالة العراقية التي سيطر فيها «داعش» على الموصل. لكن لا بد من التنبه، وإن كان لبنان جغرافياً وشعبياً وأمنياً بوجود الجيش اللبناني والمقاومة غير مهيأ ليشكل معقلاً لـ«داعش»، كما أن لبنان لا يقاس على استراتيجية التنظيم الإرهابي التي تقسّم وفق ما يشير إليه كتاب إدارة التوحش إلى عدة مقومات مهمة تحدّد ترشيحها لإدارة التوحش وهي:
ـ وجود عمق جغرافي وتضاريس تسمح في كل دولة على حدة بإقامة مناطق فيها تُدار بنظام إدارة التوحش.
ـ ضعف النظام الحاكم وضعف مركزية قواته على أطراف المناطق في نطاق دولته، بل وعلى مناطق داخلية أحياناً خاصة المكتظة.
ـ وجود مد «إسلامي جهادي» مبشر في هذه المناطق وفق تعبيره.
ـ طبيعة الناس في هذه المناطق ومدى تهميش الدولة لهم.
ـ انتشار السلاح بأيدي الناس فيها.
ومن المستبعد أن تنطبق هذه الاستراتيجية على لبنان، لكن الذي يجب التنبه منه هو بحث إرهابيي «داعش» عن مواقع لإقامتهم وسكنهم وعملهم كمجموعات، لذلك لا بد من اليقظة في هذا الإطار. وتنطبق استراتيجية «داعش» حالياً بعد العراق الذي انتصر على التنظيم الإرهابي وقصم ظهر دولة الخلافة، في اليمن وأفغانستان وبعض دول الخليج وعلى رأسها السعودية، حيث من الممكن أن يوسع «داعش» انتشاره وعمله في هذه البقاع الجغرافية، وخاصةً بين السعودية واليمن على أمل وصل رقعته الجغرافية بين البلدين. كما من المتوقع أن يتحوّل «داعش» في سياقه العملياتي إلى مجموعات متناثرة ومتبعثرة تعمل وفق استراتيجية تنظيم القاعدة ورؤية مسؤوله السابق أسامة بن لادن، حيث تنتشر في عدد من البلدان وتشكل مجموعات تخريبية تنفذ مخططات إرهابية كرد انتقامي على من يحارب التنظيم. وستزيد خسارة التنظيم في العراق وسوريا، من تناحره مع جماعات المعارضة السورية وكذلك مع جبهة النصرة، من أجل السيطرة على مناطق جديدة ينقل مسلحيه إليها.
لقد عمل التنظيم الارهابي على عدة أهداف بدأت تسقط بالتوالي، وهي:
1- إنهاك «قوات العدو» المفترض لديه، وتشتيت جهودها والعمل على جعلها لا تستطيع التقاط أنفاسها بعمليات وإن كانت صغيرة الحجم أو الأثر إلا أن انتشارها وتصاعدها سيكون لهما تأثير على المدى الطويل.
2- جذب شباب جدد للعمل العسكري عن طريق القيام كل فترة زمنية مناسبة بعمليات نوعية تلفت أنظار الناس.
3- إخراج المناطق المختارة من سيطرة الأنظمة ومن ثم العمل على إدارة التوحش الذي سيحدث فيها.
وقد فشلت هذه الأهداف عملياً، وإن كان التنظيم فرض سيطرته لمدة ثلاث سنوات لكنها لم تستمر وعدم الاستمرار يعني الفشل، وقد حصد داعش الإرهاب والقتل والتدمير فقط. إذاً، يعتبر يوم التاسع والعشرين من حزيران-يونيو 2017، يوماً مفصلياً، سوف يؤرخ لما بعد «داعش» والذي يتطلب استكمال القتال حتى تحرير كل المناطق من التنظيم الإرهابي وإراحة الناس من وحشيتهم وإجرامهم، كما لا بد من العمل على تجفيف منابع الإرهاب سواء الثقافية أو المالية.
*باحث لبناني