أكّدت أطياف واسعة من القوى والشخصيات الديموقراطية والمنظمات المجتمعية والنقابية العديد من الجوانب السلبية في قانون الانتخابات الذي صدر بعد سنوات طويلة من مماطلة أطراف الحكم. وأهمّ هذه السلبيات:

ـ ترسيخ ميل القوى الحاكمة نحو مواصلة التفتيت الطائفي والمذهبي، بخلاف ما كان قد أقرّه دستور الطائف قبل نحو أربعة عقود لجهة وجوب تجاوز الطائفية في العملية الإنتخابية، مع الإشارة إلى احتمال ارتداء هذا الميل أبعاداً خارجية ترتبط بعملية التفتيت المنهجية التي ترعاها الإدارة الأميركية راهناً في غير بلد عربي.

ـ تفصيل الدوائر الانتخابية، ضمّاً وفرزاً، على قياس التشكيلات السياسية والطائفية اللبنانية المهيمنة، «القديمة» منها والجديدة، على نحو ينسجم مع إعادة تنويع و«تثقيل» الحصص النسبية لكل من أطراف هذا النظام تبعاً للتعديلات التي سجّلت في التوازنات بينها في الحقبة الأخيرة.
ـ هندسة تطبيق الصوت التفضيلي بشكل تمييزي بين دوائر قائمة بذاتها يطبّق فيها هذا الصوت على كامل الدائرة واللوائح المشاركة (8 دوائر)، ودوائر مركّبة (7 دوائر) تتشكّل من عدد من الدوائر الصغرى، حيث يجري تطبيقه على مرشحي اللوائح في كل من هذه الدوائر الصغرى منفردة بدلاً من الدائرة بكاملها.
ـ التفاوت الملحوظ في نسبة «الحاصل» إلى مجموع المقترعين في كل من الدوائر المعتمدة، بما يراوح تبعاً للدائرة بين نحو 7% و20% من مجموع عدد هؤلاء المقترعين، مع ارتباط هذا التفاوت بالحسابات الخاصة والتفصيلية للقوى المهيمنة، «القديمة» منها والجديدة، التي يسعى كل منها إلى تثقيل وزنه النسبي في علاقته بالدولة الطائفية.
وباختصار، إن النسبية التي لطالما كافحت القوى اليسارية والديموقراطية من أجل إقرارها ــ منذ إطلاق البرنامج المرحلي للحركة الوطنية في السبعينيات ــ قد جرى تجويفها من جوهرها المبدئي الإيجابي، وأسبغ على عدد كبير من مندرجاتها طابع طائفي أكثري. ومع ذلك، فإن قراءة تفصيلية وهادئة لحيثيات القانون تشير إلى احتمال وجود عناصر وفرص جزئية كامنة يمكن النفاذ منها للحدّ من حجم الجنوح نحو إعادة إنتاج النظام الطائفي نفسه. ومن ضمن هذه العناصر التي قد لا تخلو من تحديات، يمكن التوقف عند الآتي:
ـ إن اعتماد القانون على شكل من النسبية ــ مع كل عوراته الراهنة ــ هو أمر غير مسبوق في الانتخابات النيابية منذ نشوء الدولة اللبنانية، وهذه ليست مسألة ثانوية من الناحية التاريخية ومن غير الجائز التقليل من أبعادها.
ـ إن القانون يمنع الترشيح الفردي ويفرض على المرشحين عشية بدء العملية الانتخابية الانضمام إلى لوائح مكتملة أو غير مكتملة، ما يحفّز ــ طوعاً أو قسراً ــ مبدأ التجمع أو التحالف الانتخابي مع قوى وفعاليات سياسية متعدّدة.
ـ كذلك فإنه يستحدث من حيث المبدأ وللمرّة الأولى آلية مزدوجة في تشكيل اللوائح، آلية تضامنية بين مرشّحي اللائحة الواحدة من جهة، وآلية تنافسية بين هؤلاء المرشّحين أنفسهم من جهة ثانية، مع العلم أنه خفض عدد الدوائر من 26 إلى 15 دائرة. وهذه العناصر الجديدة تربك أصحاب الكتل النيابية الكبيرة.
ـ كذلك يعقّد القانون ويصعّب عملية التحكّم المسبق بأسماء الفائزين في لوائح السلطة كما هي حال القانون الأكثري، وإن كان بالطبع لا يلغي القدرة على مواصلة ممارسة هذا التحكّم.
وفي جميع الأحوال، إن إقرار القانون قد فتح صفحة جديدة في المواجهة لم تعد ترتبط بحيثيات المفاضلة بين مشاريع الصيغ والقوانين الانتخابية التي جرى تداولها في الحقبة التي سبقت هذا الإقرار. وهذا ما يستدعي من القوى والشخصيات اليسارية والديموقراطية والمدنية تقديم إجابات، ولو أولية، على أسئلة مفصلية، أهمّها الآتي: ما هي المعايير التي يفترض أن تحدّد الموقف من المشاركة في العملية الانتخابية؟ وما هي الأهداف الأساسية من هذه المشاركة ومواصفات القوى «الحاملة» لهذه الأهداف؟ وما هي المسارات التي يفترض تطويرها في حقبة ما بعد الانتخابات النيابية؟
حول المعايير:
تتعدّد المعايير المحدّدة، سلباً وإيجاباً، لقرار المشاركة في العملية الانتخابية في ظل القانون الجديد. ويرى البعض أن ارتباط مستقبل لبنان بما سيؤول إليه الصراع الدائر في المنطقة، يجعل من هذه المشاركة أمراً غير ذي جدوى، بينما يرى البعض الآخر أن ارتداء القانون الانتخابي طابعاً طائفياً ومذهبياً متعاظماً يحمل ضمناً مخاطر ملاقاته لأهداف المشروع الإمبريالي التفتيتي الجاري تنفيذه في المنطقة. وبالرغم من الإقرار بوجود أسس موضوعية معيّنة لهذين الرأيين، غير أن هذين الأخيرين لا يبرّران منطقياً الاستنتاج القائل بضرورة انكفاء القوى اليسارية والديموقراطية عن المشاركة في العملية الانتخابية، والاستعاضة عنها بالمقاطعة أو الورقة البيضاء. فمثل هذا الاستنتاج يلغي تماماً دور العامل اللبناني، ويحول خصوصاً دون تظهير دور القوى اليسارية والديموقراطية اللبنانية في مواجهة هذا المشروع الإمبريالي والقوى الرديفة له داخل لبنان. ثم إن هذا الانكفاء يتنافى بشكل صارخ مع أهمّ الدروس والعبر المستخلصة من النهوض العام في القدرات الكامنة لدى هذه القوى، بحسب ما تشير إليه التطورات الأساسية الآتية:
ـ الحراك الشعبي المستمر والمتراكم عبر موجات متتابعة وبأشكال وصيغ شتّى منذ عام 2011، والذي احتضن عشرات الآلاف (بل حتى مئات الآلاف) من المواطنين المطالبين بالانعتاق من سيطرة النظام الطائفي ورأس المال الكبير، وبتطوير المرافق والخدمات العامة وتحسين شروط العمل والسكن والحماية الاجتماعية والبيئة.
ـ النجاح في إحداث خروقات ديموقراطية ومدنية مهمّة، وأحياناً غير مسبوقة في التاريخ الحديث للبلاد، في الانتخابات البلدية عام 2016 التي انطوت نتائجها على دلالات بالغة الأهمية في الإطارين المديني والريفي، خصوصاً في بيروت وكذلك طرابلس وبعلبك وبشرّي والعشرات من البلدات الأساسية، ولا سيما في الجنوب وإلى حدّ كبير في الإقليم والشوف وغيرها من المناطق.
ـ التزايد في وتيرة المواجهات النقابية الكبرى التي خيضت على المستوى الوطني ــ ومن موقع مستقل عن كافة أطراف السلطة ــ ضد تحالف القوى الطائفية المهيمنة ورأس المال الكبير، والتي سجّلت فيها نجاحات مؤثّرة سواء بصورة مباشرة أو عبر اقتطاع نسبة وازنة من الأصوات، بحسب ما أظهرته خصوصاً نتائج معركة نقابة المهندسين في بيروت، فضلاً عن نتائج المعارك الانتخابية في روابط أساتذة التعليم الأساسي والثانوي.
إن هذه المؤشرات تؤكد بقوة حصول تغيّرات ذات دلالة في المزاج الشعبي وازدياد حيوية شرائح اجتماعية واسعة تعرضت للإقصاء من جانب النظام السياسي والاقتصادي، ولم تجد بالتالي سبيلاً لها إلا في الانخراط في حركة الاعتراض والاحتجاج الشعبي. وقد تعزّز هذا الانخراط في السنوات الأخيرة بفعل تعاظم الاستئثار الطبقي واستفحال الفساد والمحاصصة لدى القوى الحاكمة والتفاقم المريع في الأوضاع المعيشية للأجراء والسكان عموماً. إن هذا المعطى الجديد والبالغ الأهمية يستدعي من دون تردّد مواصلة الاستعداد لتنظيم المواجهة الشعبية بكل الطرق والمجالات المتاحة، بما فيها خصوصاً المعركة الانتخابية النيابية، حتى لو أدّى التطور اللاحق للأوضاع في لبنان أو المنطقة إلى عدم إجراء الانتخابات في موعدها المقرّر (عملاً بالقول المأثور «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً»).

حول أهداف المشاركة والقوى المعنية بتحقيق هذه الأهداف

إن القانون الانتخابي الجديد لا يشي بإمكان تحقيق تغييرات حاسمة في بنية النظام الطائفي. وبالرغم من هذا التقدير الموضوعي، فإن مواصلة المواجهة عبر خوض المعركة الانتخابية تشكّل فرصة لا ينبغي إضاعتها من قبل القوى اليسارية والديموقراطية، في محاولة منها لمواصلة تعديل موازين القوى السياسية والاجتماعية في البلاد انطلاقاً من حالة النهوض النسبي التي تشهدها هذه القوى راهناً، ومن العجز الكلّي للقوى الطبقية والطائفية الحاكمة عن توفير حلول فعلية ناجعة للمعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولا بأس من الاعتراف في هذا الإطار بأن موازين القوى السائدة في الظرف الحالي والمتّسمة بهيمنة التشكيلات الطائفية على «جماهير» طوائفها ـ بالتحالف مع عتات الرأسماليين ـ هي بالذات التي حالت دون التمكّن من فرض قانون انتخابي قائم على النسبية خارج القيد الطائفي في لبنان دائرة واحدة (أو على الأقل في دوائر كبيرة لا يزيد عددها على خمسة أو ستّ دوائر). واستطراداً، فإن تعديل هذه الموازين عبر بناء كتلة شعبية وازنة يشكّل من دون شكّ أحد أهمّ أهداف المشاركة في الانتخابات النيابية، ويجسّد الشرط الأساسي الذي يسمح تحقيقه بإسقاط القانون الانتخابي الطائفي في مرحلة لاحقة والتمهيد الفعلي أمام بناء الدولة الديموقراطية العلمانية، دولة الرعاية الاجتماعية.
إن القوى المدعوة لحمل هذه الأهداف ينبغي أن تُظهر بنحو صريح وشفّاف – في ظل موازين القوى السائدة راهناً – الكثير من التواضع في تقبّل بعضها بعضاً، وفي دفع سقوف توجهاتها الانتخابية ومطالبها الإصلاحية المرحلية نحو قدر مقبول وواقعي من التلاقي والانسجام وربما التنازلات المتبادلة، سواء على المستوى الوطني أو على مستوى كل من الدوائر الانتخابية التي يشملها القانون الجديد. ويتطلب هذا الدفع نحو التلاقي إطلاق مبادرة مزدوجة: العمل «من فوق» على الردم التدريجي للفجوات بين الأحزاب والشخصيات السياسية اليسارية والديموقراطية والحركات والمنظمات المجتمعية المدنية، بما فيها التيارات النقابية؛ والعمل بنحو منسّق «من تحت» ـ أي على مستوى الدوائر الانتخابية - على استنهاض مكوّنات المجتمع المحلي ورموزه عبر تنظيم اللقاءات والندوات وجلسات النقاش الدورية والمنتظمة، تعزيزاً للفرص المتاحة في انتزاع عدد من المقاعد أو الحصول على نسبة وازنة من أصوات المقترعين. إن هذا الدفع لحركة التعاون والتحالفات الانتخابية في الاتجاهين المذكورين يتيح أيضاً من ضمن ما يتيحه ضبط فوضى الترشيحات قدر المستطاع، وتسهيل تبادل الترشيح والأصوات بين القوى السياسية والمدنية المعنية في كل من الدوائر، تبعاً لواقع توزّع الأوزان النسبية فيها وتوزّع الحظوظ في الفوز. وكل مكسب أو خرق يحقّقه هذا الطرف أو ذاك في دائرة أو أخرى، يجب اعتباره مكسباً وخرقاً في مصلحة كل الأطراف المتحالفة أو المتلاقية، ويجب أن يُسهم في توفير منصّة إضافية للمواجهة من داخل المجلس النيابي، إلى جانب استمرار المواجهة الشعبية في الشارع.

مسارات ما بعد حقبة الانتخابات النيابية

إن المعركة الانتخابية تُعَدّ جولة أساسية في المواجهات الشعبية، ولكنها ليست قطعاً نهاية هذه المواجهات. وبقدر ما تنجح القوى اليسارية والديموقراطية والنقابية والمدنية في تنظيم خوضها المنسّق للمعركة الانتخابية تحت شعارات مشتركة وتحالفات مرنة، وربما أيضاً تحت اسم موحّد للوائح في الدوائر كافة، تنجح أيضاً في الإعداد الجدّي والفعّال للمواجهات الشعبية في حقبة ما بعد الانتخابات. فهذه المواجهات ينبغي أن تستمر وتتصاعد في هذه الحقبة، كجزء لا يتجزأ من النضال الشعبي الطويل والشاق الهادف إلى بناء الدولة الديموقراطية العلمانية والتجسيد الحيّ للحقوق والترسيخ الكامل لشروط المواطنة، مع كل ما يتطلبه ذلك من مقاربات وإجابات ينبغي للقوى الديموقراطية تقديمها بشأن حجم ونوع الإصلاحات المطلوبة في حقول القوانين والتشريعات والسياسات العامة والخيارات الضريبية البديلة وفرض السلم المتحرك للأسعار والأجور وخلق فرص العمل والاستثمار في المرفق والبنى التحتية الأساسية، إضافة إلى مجمل جوانب مسألة الحماية الاجتماعية.
(افتتاحية مجلة «النداء»)