عندما يُخلَط حابل الأمة بنابلها، شريفها بذليلها، سيدها بتابعها، كريمها بساقطها، شجاعها برعديدها، من تآمر عليها بمن وقف حائطاً صلباً مانعاً سقوطها، وتضيع اتجاهات البوصلة العربية الكلاسيكية الموروثة، ويُستولد للأمة أعداءٌ جدد وتتسابق الهمم الملَكية العربية للتطبيع مع أعداء قدامى؛ وحين تشيع الفوضى العارمة في الأجيال القادمة وتتساقط الأيديولوجيات الناظمة، ويحل الفراغ التشكيكي والفوضى الفكرية، فحين ذلك لا بدّ من تصحيح المصطلحات والإشارة الجادة إلى سلبيات المشاريع الراهنة والعمل على مشاريع جديدة بعناوين جاذبة جديدة وبشعارات خلاقة.


يجب التأكيد بداءةً أن هذا النقد الموجه للفكر المقاوم وهناته وعثراته وتقاعسه وإشكالياته الحاضرة، إنما ينطلق من الخندق نفسه ومن خلف المتراس المشترك، ومن نفس من يطلب المصير المشترك والرفعة، والانتصار للأمتين العربية والإسلامية، وممن يطالب بمرجعيات أوسع من تلك التي نادت بها على شكل شعارات جامعة كلُّ المؤتمرات القومية الإسلامية المشتركة.
إن الصورة الحالية الواردة من الساحة السورية والعراقية، وتلك الصورة التي صدرتها سابقاً الساحة اللبنانية منذ عام ٢٠٠٧ وحتى الآن تثبت أن البروباغندا الإعلامية واللوجستية النفطية الغربية قد نجحت في شيطنة المقاومة جزئياً بمعظم فروعها ودولها عند قطاعات واسعة من الطائفيين والمذهبيين العرب، واستطاعت أن تفجر الصراع السياسي بين مكونات الأمة ودُفعت في هذه الحروب ذات الصبغة الطائفية أعظم التكاليف الباهظة وأغلى الأثمان.

الصبغة الطائفية والمذهبية

سيبقى التحدي الكبير الذي ستظل قوى المقاومة تواجهه هو الإجابة العملية عن تساؤل مهم: ما هو الرد الأمثل لحالات التشكيك المستمر التي تتعرض له المقاومة بالصبغة الطائفية (من أعدائها)، والصبغة الدينية والمذهبية (من بعض حلفائها)؟!
لعل الساحة العراقية أكثر ساحات المقاومة تعقيداً، وبحاجة لدراسة وتفكيك متأنٍّ للمواقف والأحداث والعقبات التي ما زالت تحيط بفكر المقاومة فيها. ولعل أهم مشكلتين شابتا الشبهات ومواقف المقاومة الناشئة فيها: أُولاهما هذا التجاور في الخنادق والمشاريع مع الغازي الأميركي، بحيث يبدو التناقض بين الخطاب المحرض عليه والواقع الذي يجمع المشاريع والجنود. وثانيتهما أنّ الفكر المقاوم يبدو وكأنه لم يتجاوز بعد عقدة «البعثية العراقية»، ولم يستطع أن يجد لها حلولاً واقعيةً مقبولةً إلا المسايرة في مشروع الاجتثاث والاستئصال مع ما يخلقه ذلك من تبعات سلبية في الفضاء «السنّي» ستظل تفرز وتنزّ من جروح لن تندمل قريباً، وسيظل التساؤل كيف لفكر «مقاوم» واحد أن يستطيع التحالف مع بعث في دولة ويعاديه في دولة أخرى، وإن كان من الاستسهال الفكري الإجابة أن فكر البعث ذاته لم يكن واحداً في الدولتين، هذا استحقاق مهم من استحقاقات العراق المستقبلية ولفصائل المقاومة فيه، خصوصاً بعد تحرير الموصل، وكيف يجب أن تستكمل مهمة المقاومين العراقيين في تحرير العراق من المحتلين والغرباء.
وعلى اعتبار «حماس» جزءاً من المقاومة، فإن تغليبها لفكرها الأيديولوجي وانقلابها على مواقعها المقاومة القديمة ووقوف بعض أفرادها في الخنادق بمواجهة شركاء الأمس لتسيل دماء وضحايا كثر في معارك لا ترحم، انقلابُ «حماس» يحتمل كلاماً كثيراً ليس مكانه هنا، ناقشنا بعضه في مقالات سابقة. لكن اختيار «حماس» يشير إلى عدم الانسجام الموضوعي والمتشابه بين أطراف المقاومة والمصبوغ بصبغة دينية، بحيث إن «حماس» نزعت ثوب المقاومة الرقيق عن جسدها واختارت موقعاً آخر عندما لاح لها بريق نجاح مشروع «الإخوان» في المنطقة.


يجب توخي الحذر من سقوط
المشاريع المقاومة بسبب وهن الشخصيات البديلة


يجب البحث عن حلول إبداعية في كيفية حشد كل هذه الطاقات الواعدة والمتنوعة ثقافياً وعرقياً ومرجعياً، والتفكير بالاستفادة منها للتخلص من تلك الصبغة الطائفية والمذهبية التي تسم ملامح فصائل المقاومة. فالمقاومة مفهوم تحرري فاعل مؤثر يتوافق مع حجم التضحيات الهائل الذي يقدمه على الأرض في الدفاع عن موقع سوريا والعراق واليمن. الإنجازات الرائعة التي حصلت نتيجة حضور أفواج من المقاومة، كانت موجودة في المكان المناسب واللحظة المناسبة، «حيث كان يجب أن تكون».

تكتيك رد الفعل

ما زالت منهجية المقاومة تعاني خللاً تكتيكياً بعد نجاحها في مشروعها الأساسي الذي أنشئت لأجله، وهو تحرير الجنوب اللبناني، ومنذ ذلك الوقت بدأت الاستراتيجية العامة للمقاومة تعاني غموضاً عاماً في مشروعها، وبدأت تتبع منهجية «رد الفعل المقاوم»، ويبدو فيه أن هناك إصراراً لتلقي الضربات الأولى من العدو والبدء برد مفاعيل العدوان وتكريس معادلة للردع المتبادل، رافق ذلك رد فعل شعبي معارض، أصبح يضع لجاماً على ردود المقاومة، لكونها ستؤدي إلى تكاليف باهظة على البيئات المجاورة. فهل يجب الانتقال لرسم استراتيجية هجومية جديدة وتحديد أهدافها، والتدريب على تكتيكات لتحقيقها؟!، فإلى متى سنبقى كعرب أرضاً وشعباً مسرحاً لنزاعات الآخرين؟! ومتى سننطلق لتحقيق استراتيجية المقاومة المهاجمة!

البديل الكاريزماتي

صار واضحاً لكل المتابعين ما لشخصية السيد حسن نصر الله الكاريزماتية من تأثير عالٍ في النهضة القوية لحزب الله منذ أن تسلّم قيادته، وانتشاره في البلاد الإسلامية ودول العالم، نتيجة خطابه العقلاني المتوازن بين المنطق الوطني والمنطق العروبي والإسلامي، بالرغم مما أصاب هالته المؤثرة من تأثيرات سلبية ناجمة عن ضخ البروباغندا النفطية الطائفية. يجب التفكير الجدي في تأثير القادة في محور المقاومة (حضوراً وغياباً)، والعمل على توخي الحذر من سقوط المشاريع بسبب وهن الشخصيات البديلة، وما ينطبق على الأمين العام لحزب الله ينطبق على موقع الرئيس السوري. أما إيران، فاستطاعت أن تجد طريقة مقبولة ممزوجة بين الشورى والديموقراطية الحديثة، بضمانة قيادة الثورة، لاستمرار النهج ذاته، إلا في حال اختلاف توجه الولي ذاته، أو تغير المزاج الشعبي الإيراني كله، وما زلنا نتابع عمائم لأشخاص شعبويين يحاولون تقمص دور السيد حسن نصر الله، لكنهم ما زالوا يفشلون المرة تلو الأخرى، يجب العمل على تأمين كوادر قيادات ذات كفاءة وبعيدة عن الطروحات الطائفية القاتلة أو المناكفة بالمذهبية.

التقصير العام

برغم الانتصارات الحاضرة للمقاومة في كل الميادين، يجب الاعتراف بالتقصير والبحث في أسباب عدم المواكبة أو الاستعداد المثالي لما كان واضح المعالم من استهداف حزب الله والفصائل المقاومة بعد انتصار تموز ٢٠٠٦، عندما أظهرت التقارير الغربية والأميركية أن المخططات الأميركية مع دول الاعتدال العربية ستعمل على شيطنة المقاومة وإنشاء جماعات مذهبية طائفية توظف لمواجهة حزب الله بقصد تحطيمه، ورصدت لذلك مبالغ كبيرة (تقرير سيمور هيرش ٢٠٠٧).
إن ما كان ترفاً سابقاً برفض معظم الأطياف العلمانية والإسلامية من قبل حزب الله للاشتراك بفصائل خاصة (مقاومة) أصبح ضرورة ملحةً، فرضتها ظروف المعارك المحتدمة الجارية، لتقرير مصير المنطقة، وصار اجتراع حلول ضم سريعة بعد تأهيل وتدريب مناسبين أمراً بغاية الأهمية. وكل ذلك يستوجب تغيراً في الخطاب المقاوم واعتماد المشتركات العامة والمصالح الجامعة بمواجهة التهديدات الداهمة على المنطقة بعيداً عن التقوقع وانتهاج بعداً عقائدياً مذهبياً أو طائفياً في الحشد والتجييش، للاستفادة من جموع المنضمين إلى المقاومة العربية والإسلامية القادمين من سوريا والعراق واليمن؟! يجب إزالة كلِّ التحفظات السابقة التي تركت انطباعات مشوشة بصبغات طائفية تسم المقاومة خاصة في لبنان.

أخطاء في خطاب المظلومية العربي

يجب التركيز من جديد على المظلومية العربية في فلسطين والاستفادة من الظروف العالمية المستجدة في مشاريع إنهاء الإرهاب العالمي، وإنهاء الأسباب الموجبة له في العالم العربي والإسلامي، وأهمها المظلومية في فلسطين، يجب وضع كل الثقل المقاوم وراء هذه الرواية والمظلومية.
وهنا يجب أن نبين بوضوح أن هناك خللاً قديماً في الرواية العربية وصورتها المصدَّرة عن المظلومية اليهودية التي وقعت لليهود في أوروبا وخطأ الفهم العربي الذي كان يصر على إنكار «الهولوكوست» جملة وتفصيلاً، وينفي بنحو تام وقطعي المحارق التي تعرض لها اليهود على يد هتلر في الحرب العالمية الثانية. يجب التأكيد في رؤيتنا الجديدة أنه مع اعترافنا بأن رواية مظلومية الهولوكوست اليهودية تحمل مبالغات كبيرة عمل سياسيون ورجال أعمال يهود على تضخيمها ثم استثمارها، فإننا كعرب وكمسلمين وكمقاومين نعتبر أن حرق حتى إنسان واحد في العالم يعد جريمة غير مقبولة دينياً أو إنسانياً، بغضّ النظر عن عرقه أو لونه أو دينه، وبالتالي فهذا وبعد أن يثبت بالأدلة المتوافرة فقد يدفعنا إلى استنكار كل الأساليب الإجرامية التي عاملت بها أوروبا النازية والفاشية كل أبنائها اليهود والبولنديين والمعوقين والمرضى.
إن الخطاب العالي اللهجة والمتوتر نحو معاداة اليهود يُخسرنا تاريخاً طويلاً من التعايش الإنساني بين العرب والمسلمين واليهود، من دون أن يفرق بنحو واضح أن المشكلة الأساسية ظهرت عندما تحول بعض اليهود من الضحية في بلاد أوروبا إلى لعب دور «الجلاد في فلسطين» وبكروت (بلانش) سماح مفتوحة من دول العالم الغربي، تبييضاً لسوء سلوك تلك الدول وممارساتها بحق اليهود، فجرى غضّ الطرف عن كل أعمال الصهاينة وإجرامهم بحق الفلسطينيين والعرب من ناحية استلاب أرض واغتصابها وتهجير مواطنين والاستيطان في بيوتهم، وممارسة كل لوازم هذه السلسلة من جرائم.
بالتالي فإننا نرفض طريقة العالم الحديث بدوله كلها في التعويض لليهود عمّا وقع لهم من مجازر وجرائم إبادة في أوروبا وبراءة الذمة وتبييض السيرة، بزرعهم في فلسطين كجائزة ترضية وبراءة ذمة متجاوزين الحقوق الشرعية للشعب العربي الفلسطيني ومتغاضين عن عملية اقتلاعهم من أرضهم التاريخية وعملية التهويد المستمر في عالم ديموقراطي الطابع يكرّس قيم المواطنة ويعمل على نشر الديموقراطية.
ومن هذه النقطة يجب البدء بإنشاء الخطاب العربي المقاوم بشكله الجديد، وإلا فإننا سنفقد تاريخاً طويلاً من التعايش والتسامح الديني، وجد فيه اليهود ملاجئ وموائل عيش بعد عمليات اضطهاد ديني في أوروبا القديمة، فاتجهوا للأندلس ودول المغرب والمشرق العربي، وسنظل نستخدم لغات شعاراتية قديمة لا تتوافق مع لغة العالم ومصطلحاته.

قناة «المنار» وإشكالية الإعلام

ليس من المعقول أن لا تجد المقاومة بكل مفاصلها حلاً مناسباً لمعضلة اسمها غياب قناة «المنار» عن الفضاء، لم تستطع الدولة العبرية بطائراتها وعدوانها الذي استمر لأكثر من شهر إيقاف بثها إلا بضع دقائق، كيف لقرار واحد من المعسكر الآخر «المعتدل»، صاحب الفكر الليبرالي الحر أن يسقطها من خريطة البث، من دون أن توجد حتى الآن حلول ناجعة لإرجاعها إلى البث الفضائي العربي؟ يجب النظر برؤية أشمل لتبني قنوات إعلامية معبرة عن المقاومة وعدم الاكتفاء بمحطة واحدة أو اثنتين، الخطاب المقاوم بشكله الجديد يجب أن يمتلك الوسائل الكافية والجاهزة لنشره (وبسخاء) في الوطن العربي والإسلامي والعالم.
ما زالت قطاعات كبيرة من شعوب المنطقة التي تشارك المقاومة قيمها ومبادئها لا تستسيغ طريقة الإعلام المقاوم في عدم الإفراج عن صوت مطربة ملتزمة، تغني للمقاومة منذ وقت طويل، أو كشف تمويه عن وجه مندوبة كوبا في الامم المتحدة وهي تلقن المندوب الإسرائيلي درساً في القانون وحقوق الشعوب.

لذا وكخلاصة نهائية، فعلى المشروع المقاوم الجديد أن:
ـ يطرح فكراً مجدداً متطوراً متجاوزاً لكل العقائد السابقة من إيديولوجيات قومية أو وطنية أو مذهبية أو طائفية، ويتجاوز الحساسيات وردود الفعل التي تفرضها البروباغاندا المقابلة، بل يجب أن يعتمد الخطاب ثوابت المصالح العامة والمشتركة للشعوب المتجاورة التي تتشارك الفضاء الجغرافي في العالم العربي والإسلامي، والعمل على نسج شبكة المصالح الداخلية بينها، بغضّ الطرف عن قومياتها وانتماءاتها الدينية أو المذهبية. ويجب الدفاع عن المصالح ضد الغرباء والشاذين عن نسيج المنطقة خارج الفضاء، وهنا لا يمكن إلا أن يُحددَ الخصوم والأعداء الذين يبتزون المنطقة، والذين يغتصبون الحقوق، وبذلك تكون فلسطين قلب المشروع وروحه الدافقة الملهمة.
ـ يعمل على خلق تيارات شعبية وثقافة تربوية وتأطيرها بمشروع محدد الأهداف ومشترك الرؤيا والعمل الجاد لتحقيقه، والبدء العملي في التنظير له بضرورة استعادة فلسطين وإنهاء آخر احتلال في العالم وحل مشكلة آخر شعب يقع تحت احتلال وتحقيق مصالح الفضاء الجغرافي للمنطقة. وهنا يجب أن تكون كل المقدرات في خدمة تحرير قريب مبرمج أو العمل على ضغط دولي لتحقيق حل أشبه بمصير دولة الأبارتيد في جنوب إفريقيا.
ـ نزع الفتيل الطائفي المذهبي ونسف السيناريو المذهبي الكارثي المصدر من الخارج لإنهاك مقدرات الأمة، ويكون ذلك بتقدم المحور المقاوم خطوات كثيرة للأمام من الاستعداد والفهم المتقدم لهذه السيناريوهات المدمرة. وإلا فستجد قوى المقاومة نفسها بشكل متكرر في خنادق لا ترغبها ومعارك عبثية تأكل روحها، وتفتت ما اكتنزه من تضحيات مقدسة في وجدان العرب والمسلمين. ولن تفيد وقتذاك كل الذرائع والحجج في تبرير مواقف الانخراط المتكرر في السيناريو الطائفي المذهبي المدمر.
*كاتب سوري