«أغنية الجليد والنار» (الاسم الأصلي لسلسلة الكتب التي اقتُبِس منها مسلسل «لعبة العروش» ــ Game of Thrones) التي جعلت جورج مارتن شهيراً وثرياً، جاءت بعد مهنة دامت أكثر من ربع قرنٍ في عالم الكتابة، أنتج مارتن خلالها روايات فاشلة ونصف ناجحة، ثمّ عمل في كتابة الحلقات التلفزيونية لبرامج مختلفة، قبل أن يصدر الجزء الأول من عمله في أواسط التسعينيات.


جورج مارتن لم يشهد ــ كمؤسسي أدب الفانتازيا الذين سبقوه ــ حروباً ومآسي حفرت فيه عميقاً، بل هو تهرّب، في شبابه، من الخدمة العسكرية في فييتنام. ولا تنضح كتاباته بحسّ المواجهة المانوية الموجود في قصص جي آر تولكن، ولا الطابع الديني المسيحي الذي يتخلل روايات سي اس لويس (أو حتى فكرة مواجهة «إمبراطورية الشر» في سلسلة جورج لوكاس، «حرب النجوم»، التي تعكس جو الحرب الباردة ودعايتها السياسية).
ينتمي مارتن، بلغة الباحث دايفيد هارفي، إلى الطور «ما بعد الحداثي» في الفنّ والأدب، حيث يجري التخلي عن «السرديات الكبرى» ومساءلة الواقع. وبدلاً من السعي الدائم لتمثّل «الجديد»، والعمل ضمن إيمانٍ بأن العالم يتقدّم (أو يجب أن يتقدم) صوب حالة تختلف عن الموجود، يعتمد الفنّ على منهجية «كولاج»: قص ولصق لنتفٍ من الواقع والسياسة والثقافة والتراث وتقديمها في سياقات وأشكال جديدة.
هذه هي صيغة جورج مارتن في رواياته بعد أن تعلّم، من العمل التلفزيوني، «ما يطلبه الجمهور». بنى عالماً ممتعاً من قصاصات تاريخية واستشراقية وفولكلورية، فيه مدنٌ عظيمة وأديان غريبة وتنانين وحروب. أسلوب الكتب سهل، على طريقة الروايات الشعبية الأميركية، حيث السرد مباشر وبسيط؛ وهو أشبه بمشاهدة التلفزيون من تمرين حقيقي في القراءة. كُتب كلّ فصل من وجهة نظر شخصية مختلفة، ما منع الرتابة والملل على مدى آلاف الصفحات. ولكن ما جعل عمل مارتن ناجحاً كان أيضاً أبرز نقاط ضعفه؛ اذ يكتشف القارئ، تدريجاً، أن القصّة ــ كالمسلسلات الأميركية التي لا تنتهي ــ لا تتطور باتجاه «نهاية كبرى» أو أمثولة عميقة، بل تطول وتتمدد بلا أن تذهب الى مكان.
لهذا السبب، يزداد ترهّل السّرد مع كلّ كتاب جديد. بعد أن كانت الأحداث ــ في الكتابين الأولين ــ متماسكة ودراماتيكية الطابع، تبدأ بعد ذلك بأخذ مسارات ملتوية وبالنحو صوب السخافة (كأن يصير الأمير عبداً، ثم مهرّجاً، ثمّ مصارعاً، في غضون بضعة فصول). كما نجد العديد من الشخصيات والمسارات التي يبدو، بوضوح، أن مارتن قد حشاها في الكتاب حشواً، وهو لم يعد يعرف ماذا يفعل بها.
حكم المنتجين
حين قرّرت قناة «اتش بي او» أن تجعل من روايات مارتن «مسلسلها الكبير القادم»، وهو لم ينتهِ من اصدار السلسلة بعد (صدرت، إلى اليوم، خمسة كتب من أصل سبعة، إضافة إلى كتاب ملحق عن تاريخ «ويستيروس»)، جرت دينامية طريفة بين المنتجين والكاتب أثبتت النظرية الرائجة عن مارتن، وهي أنّه لا يعرف مسبقاً إلى أين يتجه السرد في رواياته؛ بل يقاربها كما يكتب الكثير من الطلاب الأميركيين أوراقهم الجامعية: يتّكل على الله وينطلق في الكتابة، ثم يرى أين تذهب الأمور.
يبدو أن المنتجين قد ذهبوا إلى مارتن، وطلبوا منه ــ بوضوح وصراحة ــ أن يخبرهم بنهاية القصّة، حتى يبرمجوا مسلسلهم على هذا الأساس، أو أن يعترف بأنّه لا يعرف النهاية بعد، حتى يتدبروا أمرهم بأنفسهم ويصمموا ما بقي من حلقات.
للتوضيح، فإن مارتن، في الأصل، كان ينوي إتمام قصته في ثلاثية، فصارت سباعية (كل جزء منها يفوق الألف صفحة). وهو كان يعد قرّاءه بإصدار كتاب في العام المقبل، ثم يتأخر ثلاث سنوات، حتى توقّف عن إعطاء مواعيد للنشر (وصار بعض قرائه يتخوّف، جدياً، من أن يتوفّى مارتن المسنّ قبل أن يُكمل عمله).
في مقابلات له، لمّح مارتن بنفسه إلى أسلوبه العشوائي في بناء الأحداث، وأنّه يخطّط «قوساً عاماً» للقصّة، ثم يقرّر «التفاصيل» أثناء الكتابة، فيجد نفسه يخطّ مئات الصفحات الإضافية، ويبتدع مسارات وشخصيات لم تكن أصلاً في الحسبان.
عند تصوير البرنامج، جنّب المنتجون جمهورهم التلفزيوني الكثير من هذا الحشو. وبعد أن كان المسلسل ــ في مواسمه الأولى ــ يتتبع أحداث الكتب بشكلٍ وفيّ، تخلّى (بعد الموسم الثالث) عن الكثير من شخصيات مارتن «الزائدة»، وخطّ مسار أحداثٍ متحرر ــ باستثناء الخطوط العريضة ــ من الروايات الأصلية.
النجاح الكبير للمسلسل، كنجاح الكتب، يعكس مهارة في تصميم منتجٍ استهلاكي مسلٍّ ومغرٍ، تستسيغه الجماهير العريضة ويلعب على حساسياتها، وهو تحديداً ما يطلبه التلفزيون في عصرنا. ولكنّه، في الوقت ذاته، يخلو من «نظرية» أو منهج؛ بل انه يمكن ــ بسهولة ــ اقتطاع أكثر من نصف النص بلا أن يتأثر هذا «العمل الأدبي» بشيء.