ما زال حزب «العدالة والتنمية» التركي بقيادة زعيمه الأوحد، رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، يصارع من أجل مشروعه الإقليمي. مشروعه هذا هو خليط من النزعة الإمبراطورية (بما في ذلك أشكال من المظهرية في السلوك والبذخ والاعتداد بالذات)، والاستنهاض القومي (بالاستناد إلى التراث الديني والعثمانية وبتجاوز علمانية مصطفى أتاتورك)، وتحقيق نمو اقتصادي بوتائر تعزز الأمن السياسي والاجتماعي لسلطة حزب «العدالة والتنمية» الذي بات القوة الضاربة الأساسية لحركة «الإخوان المسلمين» على مستوى المنطقة ككل في المرحلة الحالية.


بلغت ذروة اندفاعة المشروع المذكور في مطالع «الربيع العربي» حين صادرت حركة «الإخوان المسلمين» معظم هذا الربيع واستولت على السلطة في كل من مصر وتونس، وشاركت في الحكم بقوة في المغرب، بعد أن تفوّقت على الجميع في الاستعداد والتنظيم والمناورات والوصول إلى صناديق الاقتراع.

مع انهيار حكم «الإخوان»
في مصر بدأ العد العكسي لمشروع أردوغان وحزبه

حظي المشروع الإمبراطوري التركي، آنذاك، بدعم أميركي ملحوظ من قبل الرئيس باراك أوباما. إغراء المظهر الديمقراطي في انبثاق سلطات أنقرة، ثم في استمرارية حكم حزب «العدالة والتنمية»، ثم في تتابع مفاجآت «الربيع العربي»، استثمره أردوغان في إبراز أسبقيته في استحداث ما سمّاه «مصالحة ما بين الإسلام والديمقراطية». طوّر أوباما لقاءات إدارته مع الإخوان إلى مستوى الدعم والتحالف الكاملين. كان بذلك أيضاً يواصل زعماً أميركياً تقليدياً بالدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان، كما يواصل سياسات الإدارات السابقة في ممارسة ضغوط ابتزازية على أتباع واشنطن وحلفائها من ملوك ورؤساء أنظمة القمع والتخلف والاستبداد.
عاش أردوغان فترة ذهبية، حتى أواسط عام 2013 حين أسقط تحرك شعبي هائل، والجيش المصري، الرئيس محمد مرسي وسلطة «الإخوان المسلمين» في القاهرة. وكان الرئيس التركي قد عجز عن تحقيق انتصار ذي مغزى في سوريا: لا بالتفاهم في مرحلة التعاون الذي كان متميزاً بينه وبين الرئيس السوري، ولا في مرحلة القطيعة الكاملة. حتى ذلك التاريخ كان مشروعه في حالة مبادرة وهجوم في الداخل والخارج: أثبت في بلده وحزبه أنه الرجل الأقوى بانتظار أن يصبح الأوحد. بموجب تعديل دستوري وفي الممارسة، حجَّم سلطة وصلاحيات جنرالات الجيش «حماة» الجمهورية والعلمانية والصناع الفعليين للسلطة والرؤساء على امتداد عقود. توافر له من الأصوات والدعم والتحالفات ما أغراه بالتسرع والتسريع بالتصرف وكأنه سلطان المنطقة الأوحد...
مع انهيار حكم «الإخوان» في مصر بدأ العد العكسي لمشروع أردوغان وحزبه. الولايات المتحدة التي لا تطيق الانفراد والتفرد سوى لنفسها، واجهت تحديات انعطافية بعد سقوط مرسي وسلطته في أوائل صيف عام 2013. بعد عام من ذلك، سقطت مدينة «الموصل» العراقية وأعلن أبو بكر البغدادي دولة «الخلافة الإسلامية» على مناطق ممتدة ومتصلة في سوريا والعراق. طرأ تغيير ملحوظ في الموقف الأميركي حيال دور «الإخوان»، عززه أيضاً تراجعهم في تونس بعد أن اتَّعظ إخوانها (حركة النهضة) من تجربة أقرانهم في مصر وارتضوا سبيل الاحتكام المبكر إلى صناديق الاقتراع تحت ضغط الشارع وتحقيقاً لمطلب أكثرية القوى السياسية التونسية (أسهم إخوان تونس بذلك في محاصرة العنف في بلدهم، رغم ضغط المتطرفين وعنفهم، وفي إضفاء طابع سلمي على مجمل مراحل التحول التي عرفتها تونس، وكانت فيها رائدة ونموذجية، وهذا ما يحاول الإرهاب التكفيري تقويضه حالياً).
بالتوازي ازدادت أخطاء أردوغان في الداخل: تردّت علاقات تركيا مع المحيط بسبب تراكم الأخطاء والخيبات. بالغ في التفرد والسلطوية وصولاً إلى حدّ إقصاء شريكه الأقرب (الرئيس عبدالله غول) من السلطة والحزب. قدّم الأقارب والأتباع على حساب أصحاب الكفاءة. غطّى الفساد وانخرط شخصياً فيه، وأثار موجة استياء في المجتمع وفي حزبه لم تظهر كل نتائجها بعد. اصطدم بالقضاء بطريقة محرجة وفضائحية. مارس أقصى الشدة والقمع ضد المحتجين في ساحة «تقسيم» ضد قرارات فئوية وجائرة. طارد حليفه السابق (الداعية غولن) وأتباعه في كل الأماكن والمواقع واتهمه بالخيانة وزجّ أنصاره في السجون... وفي خلال ذلك أيضاً تجاوز الصلاحيات والشكليات والحياد... متوتراً ومهدداً الجميع... بانتظار لحظة الحسم: أي الانتخابات.
انعكست في نتائج الانتخابات الأخيرة جملة أخطاء أردوغان في حزبه وفي بلاده والمنطقة. كرست أيضاً انتقال مشروعه من الهجوم إلى الدفاع. هو يصارع الآن لتدارك المزيد من التراجع إذا تعذر التفاهم على تشكيل حكومة بزعامة حزبه، علماً بأن تشكيلها، كما إعادة الانتخابات، مشروط بتقديم تنازلات قد تكون مؤلمة في الحالة الأولى وبمخاطر ومفاجآت غير متوقعة في الحالة الثانية!
بعد خسارة مصر وتونس (نسبياً) والتراجع، النسبي أيضاً، في المغرب، لم يبق في الميدان إلا... قطر: الحليف والشريك بالمراهنة على «الإخوان» وعلى ترميم ما تصدع من دورهم وبنيانهم. التزام قطر الكامل بالمشروع التركي الإخواني هو ما يفسر، مثلاً، شراسة إعلامها في مناهضة حكم الجنرال السيسي رغم كل الضغوط والوساطات. كذلك تواجه الحكومة التركية الحالية مشكلتي ازدياد نفوذ ونجاحات الأحزاب الكردية في سوريا، من جهة، وافتضاح الدور التركي في دعم تنظيم «داعش» وخصوصاً ضد الأكراد، من جهة ثانية. هذا علماً بأن أي تورط عسكري تركي في سوريا، تحت ذريعة منع إقامة كيان كردي هناك، سيؤدي إلى ردود فعل سلبية، ربما تكون شاملة، من قبل الأكراد، بما في ذلك في الداخل التركي نفسه، الأمر الذي سيجر تركيا أيضاً إلى حمأة حرب استنزاف سبقها كثيرون، خصوماً وحلفاء، اليها! إن محاولات أردوغان إنشاء منطقة عازلة كانت ذات طابع هجومي قبل أكثر من سنتين. طابعها الآن دفاعي محض: منعاً لتنامي نفوذ الأكراد وسعياً للمزيد من استخدام التنظيم الإرهابي التكفيري الأول «داعش» في تنفيذ السياسات الخارجية التركية.
أنقرة شبه وحيدة الآن. حوارها مع إيران محكوم بالتنافس والعداء. تقاربها المحدود مع السعودية محفوف بانعدام الثقة والجفاء. أما الإدارة الأميركية فهي الآن، بالضبط، في موقع من يقسم الجبنة في المنطقة بين المتنازعين، فيراعي نسب قوتهم لا حاجاتهم ويستأثر هو بالحصة الأكبر. في ظل السياسات الأميركية الجديدة، التي رفعها أوباما إلى مستوى «العقيدة»، تمارس واشنطن دور «الشريك المضارب» الذي يعنيه الغنم دون الغرم.
يقود ذلك إلى أن الرئيس التركي، «المجروح» والمتفرد والانفعالي، قد يقدم على اتخاذ خطوات يائسة وبالغة الخطورة. هذا ما يشي به، أيضاً، التصعيد الإرهابي الأخير والكبير في سيناء المصرية. الولايات المتحدة، رغم بعض الإرباكات، هي صاحبة المشروع الوحيد الأكثر تأثيراً في المنطقة. هي تحاول أن تدير مشروع محاصصة على مستوى «الشرق الأوسط الكبير» بعد أن حاولته بنجاح ملحوظ على مستوى العراق. وهي محاصصة مذهبية ــ سياسية ستمر بالمزيد من الانقسامات والاقتتال والتفتيت والدمار والتطرف والخسائر الباهظة على كل صعيد. هذا المشروع يجري إنضاج شروطه وعوامله، تدريجياً، ولسنوات طويلة (!) كما يؤكد الأميركيون أنفسهم. وهو سيؤدي، كما تدل كل المقدمات، إلى إحداث تحولات في المنطقة ستطاول خارطة التوازنات والعلاقات والكيانات وفق عملية فرز وضم، شكّل قيام «دولة الخلافة»، على أراضي إحدى أعرق دول وحضارات المنطقة والعالم (ومن ثم تمددها إلى حدود وداخل العديد من دول المنطقة والخارج بفعل الأخطاء والفراغ وسوء وفئوية المخططات أو المقاصد أو الأساليب...!)، شكّل أحد أخطر وأبرز إفرازاتها.
أين المشروع التحرري العربي الشامل المواجه؟ كيف يمكن بلورته وسط هذا الركام الهائل من العجز والأخطاء والخيانات والهمجية؟ ثمّ كيف يمكن تلافي أخطاء المواجهة الحالية، والتي سهّل بعضها المشروع الاستعماري ومخططاته التفتيتية وفتنته المذهبية خصوصاً؟
* كاتب وسياسي لبناني