يتراءى لمن تابع سجالات اللبنانيين على شبكات التواصل الاجتماعي ومحطات التلفزة في الأيام الماضية حول السلسلة والضرائب، كأن الدولة اللبنانية تقوم بوظائفها على أكمل وجه، ولم يبقَ لديها سوى رفع رتب ورواتب موظفيها.


في حين أنه من المعروف في علوم السياسة والمالية والإدارة العامة أن الدول تقوم بفرض الضرائب ليس من أجل تمويل الرواتب فحسب، بل بهدف تأمين عائدات كافية لتكاليف الوظائف التي يتوجب عليها أن تقوم بها وفقاً لدساتيرها.
من منظور العلوم السياسية، يمكننا إيراد إحدى عشرة وظيفة يتوجب على الدولة تأديتها: (1) تطبيق العدالة بهدف تأمين احترام وحماية كافة الحريات وحقوق المواطنين، (2) تأمين الأمن والاستقرار الداخلي والخارجي وحماية كل المقيمين على أراضي الدولة، (3) تقديم كافة الخدمات المتعلقة بالمواطنة مثل: إدارة وحماية وثائق الهوية، وثائق الأحوال الشخصية، حماية العائلة وفقاً للنصوص الدستورية، وبالوثائق التي تسمح للمواطنين بممارسة حريتهم في التنقل والسفر، (4) ضمان وحماية الملكية المادية والمالية والفكرية، (5) تأمين السلام الاجتماعي عبر تنظيم ووضع علاقات وقواعد متوازنة ما بين أرباب العمل والعمال والموظفين. (6) تأمين السكن عند الحاجة أو المساهمة في مواجهة أزمات السكن والاكتظاظ السكاني. (7) الحماية المالية ضد مخاطر البطالة، الشيخوخة، الأمومة، رعاية المواطنين في حالات العجز أو عدم القدرة: الأطفال، ذوي الحاجات الخاصة، المرضى... إلخ. (8) تأمين الحماية الصحية عبر إيجاد نظام طبابة شامل في متناول جميع المواطنين والمقيمين على حد سواء، (9) تأمين فرص التعليم المجاني والإجباري ورعاية التعليم الجامعي والمهني بشكل علمي ومتوازن مع حاجات المجتمع والدولة وسوق العمل. (10) السهر على تطور العلوم والفنون والآداب. ما يتطلب تطوير المؤسسات المكرسة للبحث، وإنشاء معاهد جديدة متقنة. (11) حماية البيئة والتراث الوطني للبلاد والأمة وثقافة الأقليات.
نحن لا ننفي أن الوظائف الثلاث الأولى هي من مختصات دولة الحد الأدنى المرتكزة إلى مفهوم احتكار استعمال قوتها على أراضيها. أما وظيفة حماية الملكية فتنسجم بالكامل مع الفلسفة الليبرالية الديموقراطية (الشيحية نسبة إلى ميشال شيحا) التي تأسست من وحيها الدولة اللبنانية ما بعد الاستقلال. أما الوظائف السبع الباقية الموكلة للدولة، فهي من ميزات ولوازم الدولة الراعية المعتمدة في كل دول الغرب وخاصة فرنسا، التي لطالما ألهمت المشرعين وواضعي الدستور اللبناني.
صحيح أن الدول الأوروبية الغربية كانت قد استحدثت تلك الوظائف السبع في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بهدف الحد من انتشار الشيوعية وكاستراتيجية لنزع ذرائع قادة النقابات العمالية وأعضاء الطبقة العاملة، ولكن أيضاً كاستجابة منها لمنطق تطور الحياة وتطلعاً منها للوحدة والاستقرار والأمن الاجتماعي، الذين هم غاية كل شعب يرغب بحياة الرفاهة اللائقة به.
إذا ما تأملنا في واقع الحياة السياسية اللبنانية ودور الدولة في الاقتصاد والمجتمع نخلص إلى أن الدولة اللبنانية تكاد لا تقوم إلا بوظيفة واحدة هي (تأمين الأمن والاستقرار الداخلي والخارجي) تقوم بها عبر الجيش والأجهزة الأمنية (وبمساعدة استثنائية ولا يستغنى عنها من المقاومة) وكثيراً ما يحصل ذلك بغير رضى عدد من الساسة وقادة أحزاب بارزين. ونضيف إلى ذلك جهود قوى الأمن والمقاومة في مواجهة الإرهاب وشبكات التجسس الصهيونية، مع تسجيل إخفاق هائل في مجال سلامة المرور وهي ثغرة كبيرة جداً.
بالرغم من أنّ الوظيفتين (5) السلام الاجتماعي و(7) الحماية المالية ضد مخاطر البطالة، هما الأكثر الحاحاً، لكون البطالة والفقر هما بمثابة الأرض الخصبة لنمو الأفكار التكفيرية والعدائية والعمالة للصهيونية واللجوء الى المخدرات، إلا أنَّ جهود الدولة اقتصرت على تقديم حلول مرقّعة وارتجالية لسلسلة الرتب والرواتب، ومن دون الاهتمام بإيجاد علاقة متوازنة بين أرباب العمل والموظفين والعمال. أما في ما خص وظيفة الحماية الاجتماعية، فنجد أن الحكومة والمجلس لم يبادرا إلى الشروع بأية إجراءات تخص الحماية من البطالة والشيخوخة والأمومة، وهذا نقص فادح في أهم وظائفها. لا سيما وأن لبنان يسبح وسط بحر هائج من الإرهاب السلفي، من جهة ومن التهديدات الصهيونية من جهة ثانية. هنا تنتصب قضية تأدية الدولة لوظائفها كاملة كأمر ملحّ، أولاها وظيفة تحقيق العدالة والسهر على تطبيقها والتي تتطلب: ضرب أوكار الفساد والهدر، مكافحة الجرائم، مواجهة آفة الثأر للوصول إلى إعادة الثقة بالدولة وبالقضاء، ما من شأنه أن يمنع وجود أية مناطق طرفية خارجة على القانون.
تشير سيَر الوزراء والنواب اللبنانيين إلى أنَّ أغلبهم من أصحاب الشهادات العليا، بعضهم درس في «هارفرد»، ولديهم نجاحات باهرة في عالم الأعمال، بعضهم قضى سنوات عديدة في الغرب، لكنهم على مستوى الإدارة العامة، لم يحققوا أية نجاحات تذكر للصالح العام. تتباهى الطبقة الحاكمة والنُخب السياسية والفكرية اللبنانية والفنانون، بالثقافة اللبنانية وبتمايز لبنان في الشرق، لكنهم يتغاضون عن الواقع المرير الذي يعاني منه لبنان في مجالات عدة: كالبيئة والنقل العام وسلامة المرور، حيث لا مجال للمقارنة بين ما عليه بلاد الأرز الخالد وما هو موجود في الدول المحيطة، سواء العدوة منها أو الصديقة. انظروا إلى نظام النقل المشترك في تل أبيب، وإلى تلك القطارات الحديثة التي تربط إيلات بكريات شمونة، وإلى الأنهار التي تبدو كالمرآة وإلى شواطئ حيفا النظيفة. تمعنوا في مترو أنفاق طهران الذي يفوق مترو باريس ومونتريال جمالاً وتنظيماً ونظافة، تأملوا في الكهرباء كيف تصل إلى أحياء حلب بعد ساعات من تحريرها، التفتوا إلى إعادة بناء السكك الحديدية تحت القصف وهجمات قطعان التكفيريين بين حماة وحمص!
أيها اللبناني كفاك تعجرفاً وأنت تشتمّ روائح المكبات من الجهتين، من الكوستابرافا وبرج حمود، من محيط سوليدير المدللة المعفية من الضرائب، الهادمة للجسور بين طبقات اللبنانيين ومناطقهم.
أيها اللبناني الفكاهي الساخر والمتحرّق على أوضاع بلادك المزرية، كفَّ عن حصر سخريتك براتب مدير عام إدارة مصلحة سكك الحديد المعطَّلة. والتفت قليلاً إلى قطار الساسة الخرِب. واعلم أن تلك السكك والمقطورات البالية، الصدئة، المتهالكة، المرمية في أحراج رياق، ما هي إلا رمز لتخلفنا عن لعب دورنا الحقيقي، كمواطنين يتقنون محاسبة ممثليهم، وكرمز لتلكؤ الدولة عن القيام بوظائفها في التشريع والتنفيذ والإصلاح.
أيها اللبناني المعترض والملدوغ من ساستك ألف مرة، أما آن لك أن تستيقظ؟!
*كاتب وأكاديمي لبناني