ليست إعادة كتابة التاريخ غير السحيق عادة عربيّة. غالباً ما يرافق الولوج في عهد جديد كمٌّ هائل من الكتب والأشعار والأغاني خصوصاً من قبل مَن يريد أن يجمّل تاريخَه، أو أن يمحو تاريخَه، أو مَن يريد ان يختلق لنفسه تاريخاً مزوّراً. الكلّ في الحقبة النازيّة أصبح مغلوباً على أمره بعد وصول الجيش الأحمر إلى برلين. كادت تكون شهادة غورنغ في نورمبرغ (شهادة المعتوه رودلف هس لا يُعوّل عليها) الوحيدة التي تضمّنت اعترافاً صريحاً بالمشاركة الفعّالة في العصبة النازيّة الحاكمة. فون ربنترب (وزير خارجيّة هتلر) أقسم أن كان له أصدقاء من اليهود (لم ينقذه ذلك من المقصلة).


أما فنّان ومهندس هتلر المُفضّل، ومدير تصنيعه الحربي، ألبرت سبير، فقد أرفق تحمّله للمسؤوليّة باختلاق بطولة زائفة (يُراجع كتاب جيتا سيريني، «ألبرت سبير: معركته مع الحقيقة» لتبيّن تناقضات أقوال وأكاذيب سبير، لكن كتاب يواكيم فست: «سبير: الحكم النهائي»، كان أكثر قطعاً في فضحه). أين ذهب الـ100,000 ألماني (أو خمس أضعاف هذا الرقم بحسب تقديرات أخرى) الذين تطوّعوا وشاركوا بأيديهم - بحسب تعداد المؤرّخ، دانيال غولدهاغن، في كتابه «جلاّدو هتلر الطوعيّون») في جرائم النازيّة والقتل المباشر؟ تبخّروا بمجرّد أن أُعلن خبر انتحار هتلر.

معظم مَن كتب
في عصر الثورة الناصريّة كان قد كتب كتابات موالية للملك فاروق

ونحن في لبنان خبرنا عمليّة تنقيح السير الذاتيّة أكثر من غيرنا. الطبقة السياسيّة في النضال من أجل الاستقلال الصوري عن فرنسا، كانت هي نفسها الطبقة السياسيّة في عهد الاحتلال الفرنسي (لا تزال السرديّة اللبنانيّة والشعبيّة تفضّل وصف «الانتداب» لعلّ ذلك يقرّب الشعب الزاهي نحو الرجل الأبيض)، هذا كأن تقوم طبقة سلطة رام الله بعد تحرير فلسطين بإعلان المسؤوليّة عن التحرير. والتلوّن بين عهديْن هو سمة المرحلة الحاليّة في لبنان، حيث أصبح كل مَن كان مُشاركاً في سلطة المخابرات السوريّة في لبنان مناضلاً ضد تلك المخابرات، كما أن كلّ من عارض مقاومة العدوّ الإسرائيلي (خصوصاً في جريدة «النهار») صاح بعد التحرير: الكلّ في لبنان قاومَ، خصوصاً أنطوان لحد وبشير الجميّل وأبو أرز. لكن التلوّن والانتهازيّة سمتان من سمات البطولة في مسخ وطن يُعتبر فيه وليد جنبلاط مستشرفٌ. إن الأدب السياسي بعد 2005 لن يعمّر: ستعاد كتابة المرحلة من جديد بعد أن يتحرّر الوطن من مال آل سعود ونفوذهم.
لكن أدب النفاق والتلوّن برز في التاريخ السياسي المصري المعاصر. تحوّل طبقة الكتّاب والمثقّفين بسرعة هائلة بين عصريْن: العصر الملكي والعصر الناصري الذي تلاه (ثم العصور اللاحقة). يمكن القول إن معظم مَن كتب في عصر الثورة الناصريّة كان قد كتب من قبل في العهد الملكي، كتابات موالية للملك فاروق ومُبجّلة لذاته الملكيّة: وهذا لا يسري فقط على الأخويْن مصطفى وعلي أمين (طبعاً) بل على هيكل أيضاً الذي كتب مُبجّلاً في مناسبة عيد الميلاد الملكي (راجع كتاب محمد حماد، «الرئيس والأستاذ: دراما العلاقة بين الكاتب والسلطان»). والذين عملوا وازدهروا في الحقبة الناصريّة حوّلوا أنفسهم إلى ضحايا القمع والاضطهاد في الحقبة الساداتيّة. ولا يمثّل هذا النوع من الأدب الكاذب أكثر من الكاتب أنيس منصور.
وقد تكون كتب منصور من أكثر الكتب العربيّة مبيعاً، وكانت مقالاته تملأ الصحافة المصريّة والسعوديّة حتى موته. وهو من صنّاع المرحلة الساداتيّة (ومصطلح «الساداتيّة» من اجتراح اليساري التطبيعي (في ما بعد)، لطفي الخولي) ومن مهندسي الحملة الدعائيّة الهائلة ضد الناصريّة واليساريّة والاشتراكيّة التي أطلقها السادات تمهيداً للمجاهرة بتحالفه مع أميركا ومع العدوّ الإسرائيلي. وكشف الإعلامي مجدي العفيفي أن منصور أودعه أسراره قبل وفاته، واعترف له بأنه كان رسول سلام سرّي بين العدوّ الإسرائيلي والسادات (كأن السادات كان يحتاج إلى رسول سلام مع العدوّ، لكن منصور استمتع بالتطبيع مع العدوّ وزها بمقابلة قادة وجنرالات العدوّ لأن في ذلك كسر كل قواعد المرحلة الناصريّة التي أثقلت على السادات). وقد أنتج منصور كمّاً هائلاً من الكتب في خانة «الأدب الكاذب»، أي الأدب الذي لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة، أو الذي يسمح فيه كاتبه باختلاق حقائق وتزوير تاريخ ونسب أقوال لمَن لم يتفوّه بها. وأدب منصور ترافق مع كتابات مصطفى أمين وموسى صبري وغيرهم.
يمكن بسهولة متناهية وضع كتاب في تفنيد بعض أكاذيب وتلافيق أنيس منصور في كتبه العديدة في حياته، وفي مقالاته الصحافيّة: يستطيع منصور بسهولة أن يستشهد بـ«دراسة للبيت الأبيض»، ولا يكون لها وجود، للتدليل على وجهة نظره، أو هو يسيء استعمال مرجع في غير مكانه: راجع ما ذكره مثلاً عن دراسة البيت الأبيض عن الخلاعة في كتابه «عبد الناصر: المفترى عليه، والمفتري علينا». وأهميّة دراسة وتفنيد ودحض أقاويل ومزاعم أنيس منصور تكمن في أهميّة الدور السياسي الذي لعبه في تاريخنا المعاصر: لو ذكرنا أسماء المرحلة العربيّة التي لا نزال نعاني منها منذ 1973 لقلنا إن هذه الأسماء تحتلّها: أنور السادات وياسر عرفات وكمال أدهم وفهد بن عبد العزيز وخالد الحسن وأشرف مروان وأنيس منصور وابن باز ومحمود عبّاس ومحمد متولّي شعراوي وجلال كشك وسليم اللوزي. كل هؤلاء رسموا معالم المرحلة السياسيّة التي وسمت الحقبة السعوديّة. كما أن الدخول في عصر كامب ديفيد لم يكن ممكناً إلا بعد أن دجّن أنور السادات وصحبه من الدعائيّين الشعب المصري لفصله عن القضيّة الفلسطينيّة وعن العروبة تمهيداً للحلف بين دولة مصر ودولة العدوّ الإسرائيلي.
وقد بدأ منصور في تضمين كتبه أكاذيب مبكّراً: كتب في «حول العالم في 200 يوم» (صدر في أوّل طبعة عام 1963 عندما كان السود في واشنطن في مرتبة لا ترتفع كثيراً عن مرتبة العبيد قانوناً)، عن زنوج واشنطن ما يلي: «معظم سكان واشنطن من الزنوج... إنهم أكثر من 80% من السكّان (في مكان آخر من الكتاب يقول إنهم نصف سكّان واشنطن، لكن ما علينا)، فواشنطن العاصمة يحكمها رئيس الجمهوريّة شخصيّاً... ولا يوجد فيها أي تفرقة عنصريّة... وكلّهم كانوا يرتدون بلاطي أحسن وأفهم من البالطو المناسب لي (ص. 616)». لا تقرأ الكتاب إلا وتُشكّك في صحّة ما ورد في الكتاب، وحتى في ما إذا كان زار البلدان التي يصفها.
ولا يمكن لوم منصور في كتابه عن السادات «من أوراق السادات» لأن الكتاب (مثل كتاب بوق آخر) للسادات، موسى صبري، «السادات: الحقيقة والأسطورة». لأن الأكاذيب فيه منسوبة للسادات، لكن الراوي الصادق، ولو كان من القرّاء الذين لم يلتقوا السادات في حياتهم، كان يمكن له السخرية من تصوير السادات لعلاقته مع عبد الناصر، وكان يناديه «جمال» في روايته، أو من دوره في الحكم في المرحلة الناصريّة (يبقى كتاب محمد عبد السلام الزيّات «السادات: القناع والحقيقة» من أفضل ما كُتب عن السادات من رجل عرفه عن كثب). وفي كتاب منصور عن الناصريّة، وفي كتبه الأخرى وفي مقالاته يختلق منصور لنفسه دوراً بطوليّاً لا يستحقّه. صحيح أن منصور أوقف مرّة واحدة عن الكتابة في عهد عبد الناصر لكنه عُرف واشتهر وبرز وكتب في عهد عبد الناصر، لا بل إن كتابه «حول العالم في 200 يوم» نال جائزة رئيس الجمهورية من عبد الناصر نفسه. وعمل منصور في الإذاعة وفي التلفزيون وكل ذلك في عهد عبد الناصر. لكن الحقائق لا تعني له الكثير: هو الذي يروي في الكتاب المذكور عن نزار قبّاني (الذي كان من أشدّ المعجبين بجمال عبد الناصر) أنه كتب قصيدة «هوامش على دفتر النكسة» ضد عبد الناصر شخصيّاً (عارض عبد الناصر قرار مخابراته بمنع قبّاني بسبب القصيدة). لكن منصور يبهر القارئ بمبالغاته وأكاذيبه التي لا تحتاج عنده لبراهين وأدلّة، مثل قوله إن صلاح نصر كان يتسلّى أمام الفنانات بعبد الناصر ويجعله ينقّل مكان نومه في الليلة الواحدة، أو هو يجعل من عبد الناصر مهووساً بمنصور بسبب نقده له، ناسياً أن الأرشيف لا يزال يحفل بمدائح عن عبد الناصر كتبها له منصور الذي تصنّع الاشتراكيّة والثورة في العهد الناصري، كما اعتنق الرأسماليّة والتطبيع والانفتاح في عهد أنور السادات. وشخصيّة عبد الناصر التي يرسمها منصور لا تتفق مع كل ما نُشر عن عبد الناصر من مريديه وخصومه على حدّ سواء.
ويروي مثلاً منصور في كتابه «عبد الناصر» (ص. 187) أن جيمي كارتر وزوجته ومستشاره لشؤون الأمن القومي زبغنيو برجنسكي، رووا في مذكراتهم أن الوفد المرافق للسادات في كامب ديفيد «حاولوا اغتياله». لكن تعود لكتاب برجنسكي ولمراجع أخرى لتكتشف شيئاً آخر تماماً. كل ما في الأمر أن السادات فوّض أسامة الباز بأن يتولّى مع الجانب الإسرائيلي وبحضور جيمي كارتر المفاوضات ذات مساء. واحتدّ الخلاف بين باز وبين المفاوض الإسرائيلي إذ كان مطلوباً أن يتخلّى المفاوض المصري عن حق العودة للشعب الفلسطيني اللاجئ. ورفض الباز ذلك، لكن كارتر قاطعه وقال له: إن السادات لا يوافقك على ذلك، فاعترض الباز على حق الأميركي بأن يمثّل وجهة النظر المصريّة أكثر منه، فخرج من الاجتماع مُحتجّاً وعرض الأمر على السادات الذي وافق على ان يخلد إلى النوم كي لا يقع مباشرة تحت الضغط الأميركي (لكنه عاد في اليوم التالي ووافق على كل ما طُلب منه من تنازلات إسرائيليّة). عندها، يقول برجنسكي، وفي تلك الليلة، ساورت مخاوف كارتر في أن يقوم بعض أعضاء الوفد المصري (ذوي الصلة بمنظمّة التحرير، بحسب روايته) بإيذاء السادات.
لكن منصور ليس وحيداً: هناك جيل كامل من الكتّاب المصريّين (توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ولويس عوض وغيرهم) ممن كتب وازدهر في عصر عبد الناصر، ليعود ويزعم انه كان يعاني من الاضطهاد في عهد عبد الناصر (ولا يريد كل هؤلاء ان نلاحظ انهم كلّهم كتبوا في مديح عبد الناصر في زمنه، وحتى بعد وفاته).
وأدب الأكاذيب يصل إلى ذروته في الإنتاج الأدبي الغربي العالمي ضد الشيوعيّة. كمٌّ هائلٌ من الإنتاج الأميركي المصدر لذمّ العقيدة الشيوعيّة ولضخّ الأكاذيب عنها. معظم ما قرأه العالم ان «الغولاغ» يتضمّن خيالاً هوليووديّاً مريضاً. سجن للأشغال الشاقّة يصبح في المخيّلة الأميركيّة المصدر صنواً للمعتقلات النازيّة وأفران الغاز. لا، وكلّ مَن مات ميتة طبيعيّة في سجون الاتحاد السوفياتي يصبح «ضحيّة للشيوعيّة». وبهذا المعيار غير العلمي، يمكن تعداد عشرات الآلاف من ضحايا الرأسماليّة كل عام في الولايات المتحدة الأميركيّة التي تحتوي على أكبر نسبة مساجين في العالم، حتى لو أخذنا نسب السكّان في عين الاعتبار. ومن غير المعلوم بسبب التحريض الأميركي ضد النظام الشيوعي في روسيا أن عقوبة الإعدام ألغيت بعد الثورة البلشفيّة مباشرةً وإن حدثت استثناءات (مثل حالة تلك التي حاولت اغتيال لينين، مثلاً). وبقيت عقوبة الإعدام في الاتحاد السوفياتي تتراوح بين الإلغاء والعودة، بناء على المرحلة، خصوصاً في عهد ستالين الذي مارس نظام القتل بسخاء معروف. لكن حتى في حالة ستالين، الأدب الأميركي عنه والدراسات الأكاديميّة تفتقر إلى أدلّة ومعايير عمليّة.
قد لا يعلم بعض القرّاء أن الكتاب المُعتمد عن الشيوعيّة في أميركا ظلّ لسنوات كتاب «دراسة عن الشيوعيّة» لمؤلّفه جي. إدغار هوفر (مدير مكتب التحقيات الفدرالي لعقود طويلة) والذي كان يستسهل اختلاق الأقوال وعزوها للينين. (يكشف هوفر في كتابه المذكور أن لينين تخلّى عن الإيمان بالله - يا للهول - في سنوات الشباب، ص. 58). وقامت الولايات المتحدة بنشر كتب دعائيّة كاذبة ومُغرضة ضد الشيوعيّة بكل لغات الأرض. هل يظنّ واحدكم (أو واحدتكنّ) أن الحديث العادي عن «الغولاغ» في الأحاديث العربيّة كان نتيجة معاناة في «الغولاغ»، أم أن حسّ جريدة «النهار» كان يتألّم من أخبار التعذيب؟ أم ان الإشارات إلى «ربيع براغ» كانت محض صدفة؟ كانت في بيروت دور نشر تتخصّص بنشر الدعاية عن الشيوعيّة (جريدة «النهار» في الستينيات كانت نشرة يوميّة ضد الشيوعيّة، وكانت جريدة «الدنيا» - على ما أذكر - تتخصّص في ضخ الدعاية ضد الشيوعيّة، مثلها مثل جريدة «الحياة»، الأمس واليوم).
ولم يخفت التحريض الأميركي ضد الشيوعيّة بعد اندثار الاتحاد السوفياتي، لا بل ان فتحَ الأرشيف السوفياتي أدّى إلى إطلاق حملات وفود أكاديميّة وصحافيّة وحكوميّة أميركيّة للتنقيب عن دلائل وقرائن ضد الشيوعيّة وإن كانت النتائج مخيّبة. المؤرّخ الرجعي، ريتشارد بايبس (الذي عمل مستشاراً لرونالد ريغان وهو والد الكاتب الليكودي، دانيال بايبس) ألّف كتاباً عن لينين معتمداً فيه على وثائق جديدة من الأرشيف السوفياتي المفتوح («لينين غير المعروف») زاعماً أن الوثائق الجديدة تدين لينين، لكن ليس فيها من جديد.
ولا يبرز جهد الأكاذيب الغربيّة كما يبرز في تعداد ضحايا الشيوعيّة. الكتاب الفرنسي الشهير، «الكتاب الأسود عن الشيوعيّة» (هل رصدت له الحكومة الأميركيّة مبلغاً لترجمته إلى العربيّة أم ليس بعد، خصوصاً أن الصحافة العربيّة هامت به وأفردت له صفحات طوال عند صدوره؟) صدر في أواخر التسعينيات وهو تضمّن تأسيساً للمقولة الدعائية الأميركيّة ان الشيوعيّة ليست قرينة النازيّة فقط، لكنها أسوأ منها (نشرت مجلّة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» مقالة بعنوان «من قتل أكثر: هتلر أم ستالين» عام 2011)، ويخلص فيها الكاتب تيموثي سنايدر إلى تحميل روسيا المسؤوليّة حتى عن قتل المدنيّين من قبل الجيش النازي.
والمؤلّف الأساسي لـ«الكتاب الأسود» أصرّ على الوصول إلى رقم 100 مليون ضحيّة للشيوعيّة في القرن العشرين، معتمداً على وسائل لا تتميّز عن الوسائل العلميّة التي تعتمدها ليلى عبد اللطيف في الوصول إلى توقّعاتها (تنصّل مؤلّفان للكتاب في ما بعد من رقم الـ100 مليون، وقبلا برقم يتراوح بين 65 و93 مليوناً). وفي هذا الحساب، تصبح الشيوعيّة أسوأ من النازيّة، التي لا يحمّلونها من المسؤوليّة عن الضحايا إلّا 25 مليون للنازيّة فقط (مع أن ضحايا الاتحاد السوفياتي في الحرب العالميّة الثانيّة وصل إلى عشرين مليون، لكن لا يُستبعد ان يحسب التعداد ضحايا الجوع على أنهم ضحايا لينين وستالين). والمزج بين الإيديولوجيّتين الشيوعيّة والنازيّة تقليد أميركي دعائي عريق، مع ان ليس هناك ما يجمع بين العقيدتيْن. على العكس، كان الشيوعيّون في ألمانيا وخارجها من أوّل الذين حذّروا من مخاطر النازيّة، ولم يكن النازيّون الألمان يكنّون عداءً أقوى من العداء للشيوعيّة (ربما باستثناء معاداة اليهود، مع ان النازيّين جمعوا بين العدائيْن، كما فعل الملك فيصل).
والأرقام ليست أشياء عنيدة في أدب الغرب المعادي للشيوعيّة. خذ (وخذي) مثلاً رقم الـ20 مليون ضحيّة لستالين. كيف توصّل الخبراء إلى هذا الرقم السهل؟ بسيطة. من مقالة في «نيويورك تايمز» في شباط عام 1989 بناء على تقدير (من دون مصدر أو حساب أو منهجيّة) للمؤرّخ السوفياتي، روي ميدفيديف (الذي كانت كتاباته ذات المنحى اليساري تستهوي اليساريّين المعادين للستالينيّة في بلادنا). لكن ألسكندر سولجنستين (ولم تكن عقيدة الأخير بعيدة عن الفاشيّة)، وهو اختير من قبل الحكومة الأميركيّة كممثّل للدعاية ضد الشيوعيّة على مرّ العقود والذي حاز جائرة نوبل للآداب مكافأة له على سياساته، ذهب أبعد من ميدفيدف وحسم الأمر: إن عدد ضحايا ستالين بلغ 60 مليوناً (وهذا الرقم يفوق تقديرات جماعة «الكتاب الأسود» ولا حساب لكيفيّة الوصول إليه). وقد دفعت المنافسة في حرب الأرقام الخبير الأميركي جيري هوف (الذي كنّا ندرس كتاباته في «الدراسات السوفياتيّة» البائدة)، إلى لعبة حسابيّة بسيطة احتسب فيها عدد ضحايا أوّل أربع سنوات من عهد ستالين، 1،5 مليون بسبب حالات موت إضافيّة، والعدد هذا أكبر من عدد ضحايا «التطهير (الستاليني) الكبير» في الثلاثينيات.
وقد أفنى الكاتب الأميركي اليساري، ألكسندر كوبرن، صفحات طوال في دحض مزاعم المؤرّخ المعروف، روبرت كونكوست، الذي كرّس حياته لدراسة ستالين والدعوة ضد الشيوعيّة من منبره في «مؤسّسة هوفر» الملحقة بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا. كونكوست زعم ان ضحايا ستالين بلغوا 20 مليوناً بحلول 1939. المليون لا يعني شيئاً عند كونكوست، كما كان كوبرن يقول. المؤرّخان ميرل فينسود وجيري هوف (غير اليساريّيْن، واحد علّم في جامعة هارفرد والثاني في جامعة ديوك) كتبا ردّاً على الأرقام هذه بأن مجمل ضحايا «التطهير الكبير» لم تتعدّ مئات الآلاف وليس الملايين (هذا من دون التقليل من هذه الأرقام، لكن هل يجب التذكير ان أميركا مسؤولة عن قتل أكثر من ثلاثة ملايين في حروب جنوب شرقي آسيا، وأنها مسؤولة عن قتل ما يراوح بين نصف مليون إلى اكثر من مليون على الأقل في العراق: هذه أربعة ملايين في حربيْن فقط لأميركا).
والتفاصيل هي الأساس في المزاعم: مسألة المجاعة في أوكرانيا مثلاً في الثلاثينيات. لم تكن المجاعة عمليّة قتل جماعي على الطريقة الهتلريّة كما تصوّرها الدعاية المعادية للشيوعيّة بقدر ما كانت عمليّة سوء إدارة وتخطيط من قبل الحكومة كما ان الاتحاد كان يشهد في تلك الفترة حروباً أهليّة وخارجيّة. لم يقبل المحيط الأوروبي الغربي بـ«الثورة الشيوعيّة» وظلّ يحاربها لعقود طويلة لم تنتهِ إلا بانهيار الاتحاد السوفياتي. لم تستكن البيئة الأوروبيّة بالنسبة لوجود إمبراطوريّة شيوعيّة في وسطها، وزاد من حدّة عدائها التأجيج الأميركي.
متى يُكتب «الكتاب الأسود عن جرائم الرأسماليّة والغرب الاستعماري حول العالم». ولو كُتب هذا الكتاب، لن يجد دار نشر عربيّة (باستثناء «الآداب» في بيروت) كي تنشره مُترجماً. لكن الأدب الكاذب ضد الفكر اليساري والناصري يستمرّ في التدفق كي يرافق الحروب الأميركيّة ــ الغربيّة حول العالم.
تحتاج محاكمة الحقبة الشيوعيّة (متى تحاكم الحقبة الرأسماليّة الجارية؟) إلى أدب سياسي عربي جديد غير خاضع أو مرتهن للدعاية الأميركيّة الصفيقة. كما ان الحقبة الناصريّة تحتاج في تقييمها لتخليصها من أدب أنيس منصور وغيره من الساداتيّين. وفرضيّة «الكتاب الأسود» المذكور أعلاه تجمع اعتباطاً بين أنظمة مختلفة ومتصارعة فقط لأنها اعتنقت عقائد أسمتها «شيوعيّة»، حتى عندما لم يكن يجمعها رابط ما بالشيوعيّة. وعليه، هل يمكن تسجيل النجاح الاقتصادي والتفوّق العلمي الهائل للصين في خانة «الكتاب الأبيض» للشيوعيّة العالميّة؟
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)