يسود في المجتمعات الإسلامية المعاصرة لغط حول موضوع سبي النساء مع تنامي الممارسات الداعشية. فمن مُنكر لهذه الممارسة باعتبار أنّ الإسلام جاء «لتحرير العبيد»، ومن صامت حتى لا يقع في محظور إنكار ما هو تشريع إسلاميّ بيّن وواضح، ومن مؤيد صراحة للممارسة باعتبارها نصّاً قرآنياً وسُنّة نبوية لا جدال فيها. فما هي حقيقة تشريع السبيّ في الإسلام؟

تُجمع المذاهب الإسلامية، من دون استثناء، على تعريف السبيّ على الشكل التالي: السبي هم نساء وصبيان الكفّار إذا ظفر المسلمون بهم أحياء.

فهم يُستعبدون بعد قتل رجالهم أو أسرهم، ويُعاملون معاملة الغنائم والأموال، كأن يُعرضوا للبيع أو للمبادلة. فالسبية ملك لسيدها ويجوز للسيد ممارسة الجنس مع السبية أو السبايا التي وقعت في سهمه من الغنائم برضاها أو عدم رضاها ودون الحاجة إلى أي عقد زواج أو ما شابه باعتبارها ملكاً شخصياً. ومع أنّ ما ورد قد يثير دهشة الكثيرين في هذا العصر إلاّ أنّ التشريع الإسلامي من وجهة نظر الفقهاء هو تشريع صالح لكلّ زمان ومكان، والقاعدة التي قام عليها السبي هي قاعدة متينة يدعمها نص قرآني شديد الوضوح وسُنّة نبوية لا لبس فيها وممارسات صحابة وأئمة وتابعين مارسوا السبي والإسترقاق واقتناء العبيد والجواري وبيع وشراء الإماء.
من هذا المنطلق ينبغي تفهّم ابتعاد فقهاء المسلمين عن التصويب على السبيّ بحدّ ذاته، باعتباره جائز شرعاً، بل الإكتفاء بالتصويب على من يقوم بفعل السبي كونه غير مؤهل. وفقاً لمذاهب أهل السنّة والجماعة لا يجوز القيام بعمليات الفتوحات وما يستتبعها من قتل لرجال الكفّار وسبي نسائهم وصبيانهم إلاّ لخليفة شرعيّ تُجمع عليه الأمة، وهو بالتأكيد ليس أبو بكر البغدادي. بينما تذهب مذاهب الشيعة في أغلبها إلى إنكار السبيّ والفتوحات في غيبة الإمام المعصوم، وتشترط ظهوره وعودته كي تكسب هذه الممارسة شرعيّتها.
يذهب معظم المسلمون إلى أنّ الإسلام لم يستحدث سبي النساء بل أبقى على عادة كانت شائعة بين الشعوب في تلك المرحلة من التاريخ على «أمل القضاء عليها تدريجياً». وأنّ الإسلام قونن تلك الممارسة وجعل لها قواعد شرعية وأحكاماً قضائية واضحة. لكن، وعلى الرغم من مرور 14 قرناً من الزمان، لم يتجرأ فقيه واحد على مفهوم الرّق، بل ما زال هذا الموضوع حيّاً في التشريعات الإسلامية ما دام حكماً إلهياً و»حلال محمد حلال إلى يوم القيامة». لكن ممّا لا شكّ فيه أن اختفاء هذه الممارسة في العقود الأخيرة يعود للضغوط الدوليّة التي مورست على أنظمة العالم الإسلامي بعد إعلان رئيس الولايات المتحدة الأميركية ابراهام لنكولن إلغاء الرّق ومحاربته في كافة أنحاء العالم إثر حرب الشمال والجنوب في أميركا.
يقف المسلم البسيط اليوم مذهولاً أمام مشهد بيع نساء الإيزيديات، كما يرعبه فصل الأطفال عن أمهاتهن أو استباحة المتزوجات منهن، من دون أن يعرف أنّ نصوصه المقدّسة قد أباحت هذه الممارسات. فالسبي يفسخ عقد الزواج تلقائياً، وبالتالي فإنّ استغلال الأسيرة جنسياً موضوع «شرعيّ» ولا يتنافى مع التشريعات الفقهية. ولا يقتصر الأمر على مذهب من المذاهب، بل هو عابر للمدارس الفقهية على اختلافها. فما تقوم به «داعش» لا يتنافى مع «مُلك اليمين»، وقد مارسه صفوة المسلمين وأكابرهم في صدر الإسلام وفي العصور التي تلته حيث كانت أسواق السبايا من الجواري والإماء والعبيد جزءاً مهماً من الدورة الإقتصادية للدوّل الإسلامية ودليلاً على توّسع فتوحاتها وانتصاراتها. فلا يكفي اليوم استنكار الممارسة الداعشية، بل نحتاج لشيء أكثر جذريّة يتناول بعض الأسس التي قام عليها التشريع، ليس فقط لمجاراة العصر، بل من أجل صراع البقاء. فهذه المفاهيم لن تُعجّل إلاّ بزوالنا جميعاً من حركة التاريخ.