I) تمهيد


اجتمعت اللجنة التنفيذيّة لـ «الجبهة العربيّة التقدّميّة» في تونس، خلال الفترة مِنْ 23 تمّوز/يوليو 2017 وحتَّى 24 تمّوز/يوليو 2017. وقد تناولت، خلال اجتماعها هذا، بالنقاش المعمّق، المواضيع المدرجة على جدول أعمالها، وخلصت في النهاية إلى التوافق على التقرير السياسيّ التالي:
إنَّ السمة الأساسيّة للوضع الدوليّ في المرحلة الحاليّة هي الانتقال من أحاديّة القطبيّة إلى القطبيّة المتعدِّدة، وهو ما جرى تظهيره في خضمّ الصراع الدائر في سوريا (وعليها) طوال السنوات السبع الماضية.

أمَّا في ما يتعلَّق بالوضع العربيّ، فإنَّ السمة الأساسيّة له هي المراوحة المزمنة في حالة التبعيّة؛ حيث أنَّ البلدان العربيّة لم تتمكن بعد – مع الأسف – مِنْ إنجاز مهامّ التحرّر الوطنيّ. وللحقيقة والدقّة، فأنَّ بعضها كان قد بدأ، خلال العقود الماضية، السير في طريق التحرّر الوطنيّ؛ لكنَّه ما لبث أنْ سقط (أو أُسقِطَ) في هوّة التبعيّة، مِنْ جديد، وخسر كلّ المكاسب والإنجازات التي حقَّقها.
وبالتالي، فإنَّ مناخات الإحباط واليأس التي نتجت عن هذه الانتكاسات، قد انعكست بصورة سلبيّة عميقة على دور حركة التحرّر العربيّة وعلى وجودها، وأدَّت إلى ارتباك بوصلة العمل الوطنيّ والقوميّ. الأمر الذي يتطلَّب منّا، الآن، العمل بشكلٍ حثيث ومثابر مِنْ أجل إعادة إحياء هذه الحركة، وإعادة الاعتبار والأهميّة الضروريين لبرنامج التحرّر الوطنيّ.

II) مستجدّات الأوضاع السياسيّة

حفلت الفترة الماضية، التي تلت اجتماع اللجنة التنفيذية في 14/5/2017، بتطورات كبيرة في الساحة العربية، أهمّها:

■ أوّلاً: حلف «الشرق الأوسط الجديد»

شكلّت زيارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى كلّ من السعودية ودولة الكيان الصهيونيّ، وترأسه لما سُمّي «القمة الأميركية – العربية – الإسلامية»، بداية مرحلة جديدة، هي في الحقيقة المرحلة الأخيرة، من عملية إقامة حلف «الشرق الأوسط الجديد»، أو كما يسميه البعض «ناتو الشرق الأوسط» الذي يضمّ «إسرائيل» والسعودية ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة والبحرين.. في مرحلته الأولى. على أن تنضمّ إليه لاحقاً تركيا وقطر ودول «إسلامية – سنية» أخرى، عربية وإقليمية.
هذا يذكرنا بمشروعات الأحلاف التي أقامتها أو طرحتها الولايات المتحدة الأميركية في خمسينيّات القرن الماضي وستينيّاته: حلف بغداد (السنتو)، والحلف الإسلامي، ومشروع أيزنهاور لملء الفراغ. وكانت الإمبرياليّة الأميركيّة، في ترويجها لتلك الأحلاف، تتذرع بـ«مواجهة الخطر الشيوعيّ»، أما أهدافها الحقيقية فكانت تتلخص بالآتي:
أــ إحكام السيطرة الأميركيّة على الأمة العربية كلّها وعلى المنطقة المحيطة بها (الشرق الأوسط وإفريقيا)؛
ب ــ تصفية القضية الفلسطينية بالكامل؛
ج ــ جعل إسرائيل القوة القائدة والمهيمنة في المنطقة، وتمكينها من مدّ نفوذها على الأمة العربية.. سياسياً واقتصادياً وثقافياً؛
دــ تكريس حالة التخلف والتمزق والتبعية في الأمة العربية ونهب ثرواتها، ومنعها من تحقيق أهدافها في التحرر والتقدم والوحدة.
لقد تصدت الجماهير العربية – آنذاك – بقيادة جمال عبد الناصر وقوى التحرر والتقدم العربية، لتلك المشروعات الاستعماريّة، وأعاقت تنفيذها ثمّ أسقطتها. وهذه هي المهمة التاريخية التي يجب أن تضطلع بها، الآن، جميع القوى المناهضة للاستعمار والصهيونية والرجعيّة، في مواجهة هذا الحلف الجديد المزمع إنشاؤه.
إن القراءة المتأنية والمدققة لخطابات دونالد ترامب في السعودية، أمام المشاركين في «القمة الأميركية – العربية – الإسلامية»، ولما قاله في القدس المحتلّة أمام قادة العدوّ الصهيونيّ، ولخطابات بنيامين نتنياهو كذلك، والملك سلمان بن عبد العزيز، لا تترك أيَّ مجالٍ للشكّ في حقيقة هذا الحلف الخبيث وحقيقة أهدافه المعادية للأمّة العربيّة.
وفي هذا السياق نفسه، يمكن تلخيص المرتكزات الأساسية للسياسة الأميركية في المنطقة، الآن، بالآتي:
ــ تعزيز الدعم الأميركيّ لـ«إسرائيل»، وزيادة الاعتماد عليها في تنفيذ السياسة الأميركية في منطقتنا، خصوصاً في ما يتعلَّق بإقامة «حلف الشرق الأوسط»؛
ــ الاعتماد على السعودية كمرتكز «عربي – إسلامي» لإقامة هذا الحلف، وتنحية الدور المخصَّص فيه لقطر و«الإخوان المسلمين» إلى موقع ثانوي؛
ــ جلب مصر، بما لها من وزن عربي وإسلامي، إلى هذا الحلف، لكي تشكل أحد أهمّ ركائزه؛
ــ تصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء الصراع العربيّ «الإسرائيليّ» واجتثاث امتداداته وآثاره.
في ظلّ ما تقدم، لا بدّ من التوقف عند مسائل أربع برزت خلال الفترة الماضية، في سياق الإعداد لإقامة الحلف المذكور، وهي: اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية؛ القضية الفلسطينية و«السلام» العربي – «الإسرائيليّ»؛ احتمالات الحرب على لبنان؛ الصراع السعودي – القطري.

1ـ اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية:

بعد سقوط حكم «الإخوان المسلمين» في مصر، على إثر انتفاضة حزيران/يونيو2013، أعطت القيادة المصرية الجديدة إشاراتٍ متناقضةً بشأن مسار سياستها الخارجية؛ فكان بعضها يوحي بتحولاتٍ إيجابيةٍ يمكن لها، لو صدقت، أنْ تعيد مصر إلى موقعها ودورها الطبيعيين على الصعيدين الإقليمي والدولي. ومنها، على سبيل المثال، الانفتاح على روسيا والصين. الأمر الذي أوحى بإمكانية خروج مصر من دائرة التبعية للولايات المتحدة الأميركية. ومنها، أيضاً، موقف مصر المختلف عن مواقف السعودية ودول الخليج الأخرى وتركيا والولايات المتحدة في ما يتعلق بالأزمة السورية. وهذا بالإضافة إلى الخلاف مع السعودية في موضوع العدوان على اليمن وبشأن جزيرتي تيران وصنافير. وثمة أمثلة أخرى عديدة لا مجال للاسترسال في ذكرها الآن.
لكن، في هذه الفترة، نفسها، تعرضت مصر لضغوط وتهديدات شتى من الولايات المتحدة الأميركية و«إسرائيل» وحلفائهما العرب. نذكر منها، على سبيل المثال، ما يلي:
ــ دعم المنظمات الإرهابية في مصر. وقد بلغ هذا الأمر ذروته في عمليّات تفجير الكنائس في القاهرة والاسكندرية وطنطا وغيرها؛
ــ تسريع العمل بسدّ النهضة، وهو مشروع أميركي – «إسرائيليّ» قديم يجري تنفيذه الآن بتمويل سعودي وقطري؛
ــ زيادة الضغط الاقتصاديّ على مصر، وحجب إمدادات النفط السعودي عنها؛
ــ التلويح بإمكانية ضمّ تركيا إلى حلف الشرق الأوسط الجديد كبديل عن مصر.
ورغم ذلك كلّه، فقد كانت أمام مصر فرصة ثمينة لمواجهة هذه التهديدات والضغوط، والتغلّب عليها؛ فظروف الصراع الدولي والإقليمي الراهن أفضل بكثير من تلك التي كانت قائمة في خمسينيّات القرن الماضي. غير أن القيادة المصرية آثرت الخضوع، كما ظهر في الآونة الأخيرة، بدلاً من التصدّي والمواجهة. وهو ما سيرتب على مصر، وعلى الأمة العربية، تداعياتٍ خطيرةً… في الحاضر والمستقبل.
أما أبرز مؤشرات هذا الخضوع فهي:
اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وبين السعودية، التي تنازلت مصر بموجبها عن جزيرتي تيران وصنافير. الأمر الذي سوف تكون له نتائج خطيرة على الأمن القومي العربي عموماً، وعلى الأمن القومي المصري بالدرجة الأولى.
ونفصل ذلك على النحو الآتي:
ــ إن هذا التنازل ينزع السيادة المصرية عن مضيق تيران، ويحوله من مياه إقليمية مصرية إلى مياه دولية غير خاضعة لشروط السيادة المصريّة. وهذا ما سيوفّر الظرف الملائم لـ«إسرائيل»، لكي تباشر تنفيذ مشروعها المتعلّق بإقامة قناة موازية (ومنافسة) لقناة السويس، تمتدّ من إيلات إلى شاطئ المتوسط؛
ــ إن التنازل عن جزء من الأراضي المصرية يشكل سابقة خطيرة تمهد للتنازل عن أراضٍ مصريّة أخرى؛ بالتحديد في سيناء، من أجل توطين قسم من الشعب الفلسطيني هناك. الأمر الذي يمثل جانباً مِنْ ما دُعي بـ«الصفقة الكبرى» لتصفية القضية الفلسطينية وإقامة حلف «الشرق الأوسط الجديد»؛
ــ هذا التنازل يشكّل تحدياً غير مسبوق للشعب المصريّ، وتجاهلاً فظاً لإرادته، وخرقاً فاضحاً للدستور، وتجاوزاً غير مشروع لأحكام القضاء الذي قضى ببطلان هذه الاتفاقية.

2ــ القضية الفلسطينية و«السلام» العربي ــ الإسرائيلي

منذ نكبة العام 1948، كانت القضية الفلسطينية هي دائماً العقبة الكأداء التي حالت دون قيام علاقات معلنة بين الأنظمة الرجعية التابعة للغرب الاستعماري وبين الكيان الصهيوني. ولكن، بالمقابل، يجدر التنويه هنا، أنَّه، في ظلّ قيادة عبد الناصر للأمّة العربيّة، جرى التمسّك بالعداء للإمبرياليّة والصهيونيّة والرجعيّة، وبضرورة استعادة الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة. وحتى عندما وقعت نكسة العام 1967، فإنَّها لم تجعل عبد الناصر ينحو إلى التراجع والاستسلام؛ بل، على النقيض مِنْ ذلك، جرى التأكيد، في الإعلان الصادر عن قمّة الخرطوم التي عُقِدَتْ بعد حوالي ثلاثة أشهر مِنْ تلك النكسة، على أنَّه لا صلح مع العدوّ الصهيونيّ ولا تفاوض ولا اعتراف به.


تطالب «الجبهة» بإتاحة الفرصة لليمنيين لإدارة الحوار الضروريّ بين مختلف مكوِّناتهم


بعد غياب جمال عبد الناصر، وبعد التحولات الكارثيّة التي أحدثها أنور السادات، بدأت بوادر التنازلات تترى لدى بعض قادة منظمة التحرير الفلسطينية، ونتج عنها تغيير ميثاق المنظمة والاعتراف بدولة الكيان الصهيوني. ثم تُوِّج هذا المسار المنحرف بتوقيع اتفاقية «أوسلو» في العام 1993، وما نتج عنها بعد ذلك. ثم جاءت حركة «حماس» لتحذو حذو السلطة الفلسطينية بإعلان وثيقتها الجديدة، التي تنازلت فيها عن الثوابت الوطنية الفلسطينية. وليس صدفة أنَّ إعلان هذه الوثيقة جاء قبيل زيارة دونالد ترامب إلى كل من السعودية ودولة الكيان الصهيوني.
كانت المعادلة المطروحة من النظام الرسمي العربي، في السابق، تقول: «إن حل القضية الفلسطينية هو المدخل إلى السلام بين العرب وبين إسرائيل». ثم جاء رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو ليدفع باتجاه تحقيق خطوة نوعية جديدة على طريق تصفية القضية الفلسطينية. وذلك عندما طرح معادلة تقول «إن السلام مع العرب هو الذي يؤدي إلى حل القضية الفلسطينية».
لا شك في أن فلسطين، بالمقاومة المتصاعدة لأجيالها الجديدة، تشكل العقبة الأساسية أمام قيام حلف «الشرق الأوسط الجديد»، هذا، المزمع إنشاؤه.
إن المؤمرات التي تحاك ضد شعب فلسطين ومقاومته الباسلة من الأنظمة العربية التابعة لأميركا، وأعمال القمع الشرسة التي ينفذها العدو الصهيوني، إنما تهدف إلى طمس القضية وإخماد جذوة المقاومة، من أجل إزالة هذه العقبة الكأداء مِنْ طريق «الحلف»، ومِنْ ثمَّ إعلانه رسمياً في القمة العربية المقبلة المقرر عقدها في الرياض في أواخر شهر آذار/مارس من العام 2018.
على الرغم من هذا فإن الساحة الفلسطينية اليوم تتمخض عن حركة وطنية جديدة، تعبر عنها انتفاضة السكاكين، وظاهرة الشهيد باسل الأعرج، وإضراب الأسرى في المعتقلات الصهيونية، وسوى ذلك.
وبهذه المناسبة، فإن «الجبهة العربية التقدمية» بينما هي تحيّي بطولات الشعب الفلسطيني في مواجهة غطرسة الاحتلال الصهيونيّ وإجرامه، لَتفتخر بالدور الذي تقوم به «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» كطليعة كفاحيّة لحركة المقاومة الوطنية الفلسطينية الجديدة.

3ــ الحرب على لبنان

خلال الأشهر الثلاثة الماضية ازدادت احتمالات قيام العدوّ الصهيوني بشن عدوان واسع جديد على لبنان، وكذلك على سوريا في منطقة القنيطرة ومحيطها، بتشجيع ودعم من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة السعودية. وقد تعززت هذه الاحتمالات بمعلومات من مصادر عدة... الأمر الذي دفع أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، إلى الرد، في خطب وتصريحات عدة، مهدداً العدو بخوض حرب مفتوحة ضدّه. بل إن الصواريخ البالستية التي أطلقتها إيران على مواقع لداعش في دير الزور كانت في الحقيقة، هي أيضاً، رسالة تحذير وتهديد بالغة الوضوح لـ«إسرائيل».
إن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة وحلفائها مِنْ هذه الحرب، التي لا تزال احتمالاتها قائمة، هو توجيه ضربة معنوية وعسكرية كبيرة للمقاومة بشكل عام، ومحاصرة المقاومة الفلسطينية بشكلٍ خاصّ وخنقها. وبالتالي تمهيد الطريق لإقامة حلف «الشرق الأوسط الجديد».
وإنَّ الارتباك والتردّد الحاصلين في جبهة العدو الأميركي – الصهيوني – الرجعي – العربي، حيال الشروع بهذه الضربة، سببهما عدم الاطمئنان إلى أنَّ نتائجها ستكون كما يروم هذا الحلف العدوانيّ ويتمنَّى؛ إذ إن عدم نجاحها سوف تكون له تداعيات مزلزلة داخل الكيان الصهيوني، وداخل البلدان العربية المتواطئة حكوماتها مع الولايات المتحدة و«إسرائيل».

4ــ الأزمة الخليجية

لم يكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينهي زيارته إلى الرياض وتل أبيب والقدس حتى بدأت تظهر بوادر التوتر في العلاقات بين السعودية وبين دولة قطر. وقد تطور الأمر إلى قيام السعودية ومصر ودولتي الإمارات والبحرين بقطع كلّ أشكال العلاقة مع دولة قطر، وتوجيه إنذار لها يشتمل على ثلاثة عشر بنداً لم تقبله قطر.
سبب الأزمة، كما أعلنت حكومات السعودية ومصر والإمارات والبحرين، هو دعم قطر للإرهاب وتمويل المنظمات الإرهابية. من جهتها ردت قطر على هذا الاتهام، بلسان وزيري خارجيتها السابق والحالي، بأن نصيبها في تمويل الإرهاب كان أقل بكثير من نصيب الآخرين؛ أي السعودية ودولة الإمارات. وأن مساهمتها في هذا التمويل جاءت تنفيذاً لقرارات اتخذتها غرف العمليات القائمة في الأردن وتركيا، التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية.
إذاً، ما هو السبب الحقيقي لهذه الأزمة؟
يشكل «الإخوان المسلمون» - كما هو معروف – أساس العلاقة التركية القطرية. لذلك فإن الخلاف السعودي – المصري مع تركيا بشأن موقع كل منها في «حلف الشرق الأوسط» الجديد هو السبب الحقيقي لـ«الأزمة الخليجية». وكذلك فإن اعتماد الولايات المتحدة الأميركية على «الإسلام» الوهابي كغطاء لـ«حلف الشرق الأوسط» الجديد، بدلاً من «الإسلام الإخواني»، هو الذي يعطي التفسير الصحيح لهذه الأزمة.

■ ثانياً: في الميدان السوري

في الميدان السوري حصلت متغيرات استراتيجية كبرى تنبئ بإمكانية انتهاء الأزمة خلال بضعة أشهر لمصلحة سوريا ولمصلحة الحلف الروسي – السوري – الإيراني ولمصلحة المقاومة أيضاً. أهمّها:
أــ وصول طلائع الجيش السوري إلى الحدود العراقية لملاقاة قوات الحشد الشعبي العراقية، التي سيطرت على مساحة واسعة من الحدود المشتركة بين البلدين وحققت الاتصال البري لدول محور المقاومة.. من إيران إلى لبنان مروراً بالعراق وسوريا. بذلك، تمّ إحباط مشروع الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الهادف لإيجاد منطقة عازلة بين سوريا والعراق تكون تحت سيطرة الولايات المتحدة والقوى التابعة لها في سوريا؛
ب ــ تقدم الجيش السوري على الجبهة الشمالية (ريف حلب الشرقي)، باتجاه العراق، من أجل منع قيام كيان انفصالي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأميركية؛
ج ــ على الجبهة الجنوبية، باتجاه الحدود السورية – الفلسطينية، والسورية – الأردنية، تمكن الجيش والقوات الرديفة من صد عدد من الهجمات الكبيرة التي جرى التخطيط لها في غرفة «الموك». وقد كان الهدف من هذه الهجمات إقامة «حزام أمني» أو منطقة عازلة لصالح «إسرائيل». ويمكن القول إنه تم القضاء على حلم إقامة هذه المنطقة العازلة التي تسعى إليها «إسرائيل» بالدرجة الأولى من أجل إقامة كيان تابع لها، شبيه بدولة سعد حداد السابقة في جنوب لبنان؛
د ــ لأسباب كثيرة لا مجال للغوص فيها الآن، فإنَّ صراعات القوى الإقليمية التابعة لأميركا (السعودية، قطر وتركيا)، تنعكس على المجموعات المسلحة التابعة لهذه الدول، ما يزيد من حالة الانقسام والتناحر بين هذه المجموعات ويضعفها في مواجهة الجيش السوري وحلفائه.
تعرف الولايات المتحدة الأميركية (وحلفاؤها) أنه لم يعد بإمكانها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإسقاط سوريا والدولة السورية؛ ولذلك فأنّها أصبحت تركّز على العمل مِنْ أجل عرقلة سير الأزمة نحو نهايتها خلال الأشهر المقبلة، لكي يتسنى لها إخراج حلف «الشرق الأوسط الجديد» قبل أن تستعيد سوريا عافيتها وتتمكن من التصدي لإقامة هذا الحلف.

■ ثالثاً: الوضع في منطقة المغرب العربيّ

لم تؤدِّ الانتخابات البرلمانيّة التي جرت في المغرب والجزائر إلى انتقال ديمقراطيّ حقيقيّ يقطع مع المرحلة السابقة. ولذلك، فقد برزت، بالخصوص، ظاهرة عزوف الشباب في ذينك البلدين عن المشاركة في الانتخابات.
ومِنْ ناحية أخرى، فقد أدَّى تفاقم الآزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والماليّة في البلدان المغاربيّة إلى انطلاق موجة من الاحتجاجات الشعبيّة.. خصوصاً في شمال المغرب، بعد مقتل الشهيد محسن فكري في تشرين الأوَّل/أكتوبر 2016. واستمرّ الحراك الشعبيّ في منطقة الحسيمة لثمانية شهور. وقد اختارت الدولة المغربيّة مقاربة الأزمة بالأسلوب الأمنيّ، ما ساهم في المزيد من التأزيم وتصاعد الاحتجاجات والمواجهات بين المحتجّين وبين القوّات الأمنيّة.

حصلت في الميدان السوري متغيرات كبرى تنبئ بإمكانية انتهاء الأزمة

وفي موريتانيا يدور نقاشٌ حادّ بشأن الاستفتاء المزمع إجراؤه لإقرار عددٍ من التعديلات الدستوريّة. الأمر الذي تتخوّف القوى الديمقراطيّة الموريتانيّة مِنْ تداعياته السلبيّة مستقبلاً على المشهد السياسيّ هناك. ويجري ذلك وسط مقاطعة بعض القوى الوطنيّة الديمقراطيّة للاستفتاء، وامتناعها قبل ذلك عن المشاركة في الحوار الوطنيّ الشامل الذي أسفر عن تلك التعديلات الدستوريّة.
أمّا بخصوص ليبيا، فمن المعروف أنَّها تشهد حرباً أهليّة طاحنة، منذ انهيار الدولة بمؤسَّساتها المختلفة في أواخر العام 2011 وحتَّى الآن. وقد أدَّى ذلك إلى تمكين الإسلام السياسيّ من التغلغل في مفاصل الدولة. حيث عمل جاهداً على إحلال المليشيات المسلَّحة التابعة له محلّ مؤسَّستي الجيش والشرطة، ما أفضى إلى انفلات أمنيّ دفع المواطن الليبيّ (ويدفع) ثمنه باهظاً مِنْ حياته ومِنْ قوته. كما أنَّ هذا التمكين كان الثغرة التي تسلَّل منها التطرّف والإرهاب وسيطرا على مدنٍ بأكملها.
ومع ذلك، لم يتحرّك ما يُسمَّى «المجتمع الدوليّ» إلا عندما أصبحت خطورة الوضع الليبيّ تقرع أبوابه، وخصوصاً عندما تدفَّق مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين عبر ليبيا إلى القارّة الأوروبّيّة، وعند قيام تنظيم «داعش» في ليبيا بالتخطيط وتنفيذ عمليّات إرهابيّة في أوروبّا انطلاقاً من الأراضي الليبيّة.
الأمر الذي أفضى إلى اتّفاق الصخيرات في منتصف كانون الأوّل/ديسمبر من العام 2015.. ذلك الاتّفاق الذي رحَّب به العالم متوقِّعاً أنَّه سيكون نهاية الأزمة الليبيّة، إلا أنَّه بعد مرور 19 شهراً على إبرام ذلك الاتّفاق الذي وُصِفَ بالتاريخيّ، لم تَلُح في الأفق أيّة ملامح لنهاية النفق المظلم الذي دخلته ليبيا، بل إنَّ الوضع قد ازداد سوءاً، مع الأسف.
III) برنامج عمل مرحليّ
في ضوء ما تقدم، تحدد «الجبهة العربية التقدمية» برنامج عملها للمرحلة المقبلة على النحو الآتي:

■ أولاً: في مواجهة مشروع حلف «الشرق الأوسط الجديد»

أ ــ قرَّرت الجبهة العربيّة التقدّميّة الدعوة إلى عقد ملتقى يضمّ كلَّ القوى والفعاليّات العربيّة المناهضة لمشروع حلف الشرق الأوسط الجديد والعمل مِنْ أجل اسقاطه؛
ب ــ القيام بحملات توعية وتعبئة شعبية، بوساطة الإعلام والنشاطات المتنوعة، من أجل توعية الرأي العام العربي (وخصوصاً الشباب) بحقيقة هذا الحلف الاستعماريّ وأبعاده الخطيرة، وتعبئة الجماهير العربية، خصوصاً في الدول العربية المشاركة فيه، من أجل مواجهته وإسقاطه.

■ ثانياً: في مواجهة المؤامرات الجديدة على القضية الفلسطينية

أ ــ التأكيد على رفض «الجبهة العربية التقدمية» لكل أشكال التفاوض مع العدو، ولكل التنازلات التي تقدمها «السلطة» وبعض الأطراف الأخرى؛
ب ــ دعم المقاومة المتصاعدة للشعب الفلسطيني وحركته الوطنية الواعدة، ومساندة «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» والتنويه بدورها المتميز في المقاومة وفي الحركة الوطنية الفلسطينية الجديدة؛
ج ــ تفعيل العمل في مجال مقاومة التطبيع ومقاطعة الشركات الداعمة للكيان الصهيوني؛
د ــ التنويه بالدور الذي تقوم به المقاومة اللبنانية في دعم المقاومة الفلسطينية، والدفاع عنها في مواجهة عمليات التشويه الإعلامي التي يديرها العدو الصهيوني وتنفذها وسائل إعلام تابعة للرجعيات العربية.

■ ثالثاً: بشأن الأزمة السورية

أ ــ تؤكد «الجبهة العربية التقدمية»، مجدَّداً، وقوفها إلى جانب سوريا في مواجهة قوى العدوان متعددة الجنسيات، وفي مواجهة المنظمات الإرهابية؛
ب ــ تثمن «الجبهة العربيّة التقدّميّة»، عالياً، الإنجازات الاستراتيجية الهامة التي حققها الجيش العربي السوري في الآونة الأخيرة؛
ج ــ تدعو «الجبهة العربيّة التقدّميّة» إلى دعم الحلّ السياسيّ القائم على وحدة سوريا.. دولةً ومجتمعاً وأرضاً ومؤسّسات.

■ رابعاً: بشأن الأزمة الليبية

تدعو الجبهة العربيّة التقدّميّة إلى دعم الحلّ الليبيّ – الليبيّ، القائم على الوسائل السلميّة المتمثّلة بالحوار ومشاركة جميع الفرقاء الليبيين في العمل مِنْ أجل تجاوز أسباب فشل المبادرات الأمميّة والإقليميّة السابقة التي طُرِحَتْ لحلّ الأزمة الليبيّة. وبما يضمن وحدة ليبيا أرضاً وشعباً ومؤسّساتٍ ويحفظ سيادتها واستقلالها.

خامساً: بشأن الحرب السعوديّة على اليمن

يواصل «التحالف» السعوديّ شنَّ اعتداءاته الوحشيّة على اليمن، وقتل شعبه، وتدمير بنيته التحتيّة وتراثه العمرانيّ المميّز ومعالمه الأثريّة الموغلة في القدم. الأمر الذي أدَّى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانيّة هناك، على نحوٍ كارثيّ، وسط استمرار الحصار والقصف، ما أثَّر بشكلٍ خطير على الأوضاع البيئيّة والصحيّة؛ حيث انتشرت الأوبئة وتفشّت المجاعة، وبات حوالي سبعة ملايين من المدنيين الأبرياء مهدَّدين بالموت، في مشهدٍ يمثِّل ذروة الاستخفاف بالإنسان وحياته وحقوقه. بيد أنَّ هذا كلّه يُقابل بالصمت المريب والامتناع المخزي عن الإدانة والرفض من أغلب دول العالم، وخصوصاً من الدول الغربيّة.
وتطالب «الجبهة العربيّة التقدّميّة» بوقف العدوان على الشعب اليمنيّ، وإفساح المجال للبعثات الإغاثيّة، كي تقوم بدورها المطلوب لإنقاذ أرواح الأبرياء. كما تطالب «الجبهة» بإتاحة الفرصة لليمنيين لإدارة الحوار الضروريّ بين مختلف مكوِّناتهم السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، مِنْ أجل إيجاد السبل الملائمة للحفاظ على وحدة بلدهم.. أرضاً وشعباً، وصيانة استقلالهم وقرارهم السياديّ، وبناء نظامٍ ديمقراطيٍّ وطنيّ يستجيب لتطلّعاتهم المشروعة في الحريّة والتقدّم الاجتماعيّ والتحرّر الوطنيّ.