الانعطافة التي طرأت على مسار أستانا بعد ضمّ المنطقة الجنوبية إليه (درعا والقنيطرة وريف السويداء) عقب الاتفاق الروسي ـ الأميركي في هامبورغ لم تنهِ مفاعيله تماماً، ولكنها أضفت عليه أبعاداً جديدة، عبر إخراج التسوية بشقّها العسكري من رعاية دول الإقليم حصراً (تركيا، إيران، بالإضافة إلى روسيا).


دخولٌ على حساب تركيا وإيران

معاودة إدخال الولايات المتحدة إلى التسوية عبر رعايتها مع روسيا اتفاق الجنوب أبقَت على تواصل شكلي بين مسارات أستانا الأربعة (مناطق خفض التصعيد في كلٍّ من ادلب وشمال حمص والغوطة والجنوب)، بحيث يبدو الاتفاق على خفض التصعيد في المنطقة الجنوبية وكأنه استكمال للمسار الذي أُُقِرَّ في أستانا بين الروس والأتراك والإيرانيين. لكن في الحقيقة الأمر أعقد من ذلك، فدخول الولايات المتحدة على خطّ التسوية في شقّها العسكري تزامَن مع ازدياد وتيرة التصعيد بينها وبين الضامنين الآخرين في أستانا، حيث من جهة تشهد الجبهة الجنوبية الشرقية عند مثلَّث الحدود السورية ـ العراقية ـ الأردنية اشتباكاً متصاعداً بين قوّات المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة والقوات السورية والإيرانية. ومن جهة أخرى، يتسع الخلاف بينها وبين حليفتها تركيا الضامن الآخر في أستانا إلى جانب إيران حول مشاركة الأكراد في معركة الرقّة، ويُترجم هذا الخلاف أحياناً في الميدان عبر التصعيد الذي تقوم به تركيا على جبهات أخرى تسيطر عليها قوّات سوريا الديمقراطية (عفرين مثلاً). في الحالتين ثمّة معادلة جديدة تتشكّل، ولكنها ليست خارج الحسابات الروسية التي تريد انخراطاً أميركياً في التسوية يمكن التحكُّم به ومنعه من إحداث تعديلات كبيرة في السياق الذي أطلقته عملية أستانا. هذا الانخراط سيكون في الجنوب على حساب إيران التي تنشط قوّاتها هناك إلى جانب القوات السورية وحزب الله، وهو ما يمكن اعتباره تراجعاً تكتيكياً لمصلحة الولايات المتحدة، غير أنه تراجع محكوم بمسار لا تقوده هذه الأخيرة ولا تستطيع تعديله - في حال أرادت ذلك - إلا بالاتفاق مع روسيا، الحليفة لإيران والشريكة الأساسية معها في إطلاق مسار أستانا.

استراتيجية ضمّ أميركا إلى التسوية

كلُّ ذلك يحصل في لحظة سياسية يُعاد فيها تشكيل التحالفات التي تقود الشقّ العسكري من التسوية، بحيث لا تبقى في يد قوى الإقليم وحدها، بل تتّسع لتشمل القوى الدولية الكبرى التي يحرص الروس على وجودها في المسار العسكري، حفاظاً على التوازن ومنعاً لأيِّ إخلال بالمعادلات الميدانية التي استقرَّت منذ التدخّل الروسي سواءً عبر الحسم العسكري أو ربطه لاحقاً بالتسوية بعد إضعاف قوى المعارضة وجرِّها إليها. وما يحصل الآن في الجنوب هو محاولة من الروس لتقييد الأميركيين باتفاقات وتفاهمات ميدانية تحدّ من تدخّلهم وتقيّد اندفاعتهم في عهد ترامب للإمساك بمثلّث الحدود السورية ـ الأردنية ـ العراقية، عبر ضمِّهم إلى مسار أستانا بعد توسيعه ليشملهم إلى جانب الأردن، ولو على حساب إيران وتركيا. الرؤية الروسية تنطلق من تقدير مفاده أنّ استيعاب الأميركيين داخل التسوية أفضل من بقائهم خارجها، لأنّ البقاء في الخارج سيصعّب لجم الاندفاعة العسكرية التي تجدّدت مع إمساك الإدارة الجديدة بالملفّ السوري، عبر دعم الأكراد وقوّات المعارضة في الجنوب والجنوب الشرقي تحت حجّة محاربة «داعش» والانتهاء من نفوذه في الرقّة والبادية السورية، وصولاً إلى الحدود مع العراق. هذه الفاعلية كانت قد تراجعت في أواخر حكم أوباما، وتراجعها سمح للروس بملء الفراغ الناشئ عن انسحاب الولايات المتحدة الجزئي من المعركة، فأُطلق مسار أستانا، وضُمَّت إليه كلّ القوى العسكرية الفاعلة في المعارضة باستثناء المنتمين إلى «داعش» و«النصرة»، ثمّ جرى ربطه لاحقاً بمسار جنيف على قاعدة استثمار الهدن المتلاحقة التي أُُقرَّت فيه لمعاودة تحريك التسوية السياسية من جديد.

خاتمة

حالياً، سيستمرّ تحريك التسوية ولكن على قاعدة توسيع قاعدتها العسكرية بعد ضمّ الولايات المتحدة إليها من خلال اتفاق الجنوب، بحيث تشمل كلّ القوى الدولية والإقليمية الفاعلة عسكرياً، والمسؤولة عن تحريك الجبهات بهذا الاتجاه أو ذاك في مرحلة ما بعد «داعش». المساحة التي كان يسيطر عليها التنظيم تحتاج إلى قوّة عسكرية كبيرة لضبطها وإدارتِها ميدانياً وسياسياً و... إلخ، وهو ما تعيه روسيا وتحاول عبر توريط الولايات المتحدة في التسوية منع انفرادها بإدارة هذا الجزء الكبير من سوريا عبر إيكاله بعد السيطرة عليه عسكرياً إلى حلفائها الأكراد أو العرب. انخراطُها الفاعل في التسوية ضمن مسار مستقلّ نسبياً عن أستانا سيضع حدوداً لتحالفاتها مع الأطراف التي تتجهّز لإدارة المناطق التي يخسرها التنظيم تباعاً. وفي حال سيطرت مع حلفائها على تلك الأراضي ستُضطّر بموجب التفاهمات الموقّعة مع روسيا في هامبورغ وعمّان إلى العودة إلى المسار الذي أطلق يدها في الجنوب، بعد توسيعه مجدداً ليشمل الأراضي التي تمت استعادتها من «داعش». هكذا، تتوسّع التسوية، عبر ضمّ الولايات المتحدة وحلفائها إلى مسارها العسكري، وتبقى بعد توسيعها ضمن إطار يمكن التحكّم فيه لدى تحرير باقي الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم، بحيث تصبح هي الأخرى خاضعة للتوافق الإقليمي والدولي على إدارة مرحلة ما بعد «داعش».
* كاتب سوري