في البداية، ينبغي لي الإشارة إلى أنّ كل التحقيقات أثبتت أنّ المال المترتّب عن الضرائب المفروضة التي أقرّت مع سلسلة الرتب، تفوق المبالغ المقترح تقديمها للموظفين في القطاع العام. وبالتالي فإن هذه السلسلة هي بشكل أو بآخر، قانون زيادات ضريبية مغلّف بحفنة درجات ألغت شرعيّاً وإلى غير رجعة حقوق الموظفين الحقيقية. ولا سيّما أن الضرائب ستطاول كل الفئات العاملة في البلد، وليس فقط موظفي القطاع العام المستفيدين حصريّاً من الدرجات المجتزئة للحقوق.


السؤال هو: أين يَكمن الضّغط المالي على هؤلاء الموظّفين؟ ولماذا تريد الدولة دعمهم؟ وهل هي اختارت الطريق السليم لذلك؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة أريد تقسيم مصاريف الموظفين اللبنانيين الأساسيّة في أبواب عدّة، وسأفصّل بنودها كلّ على حدة:
١- السكن. ٢- التربية وتعليم الأولاد. ٣- الاستشفاء. ٤- ضرائب جمّة. ٥- أخرى.
أوّلاً، إن السكن هو معضلة رئيسيّة في المدن أكثر منه في المناطق القرويّة حيث الجميع متملّك. وبالتالي يمكن القول إنّ هذه المشكلة تطاول بالحد الأقصى ٧٥٪ من موظّفي الدولة، في ظلّ التمركز الإداري المتنامي. فماذا لو قرّرت دولتنا دعم السّكن للموظفين؟ ماذا لو قرّرت رفع الغطاء عن حيتان المال والمصارف المتحاصصين مع أفراد يتوَلّون السلطة، بل باتوا هم أنفسهم بها؟ وكم حذّر عقلاء في هذا العالم من سيادة المصارف وأهلها؟ لماذا نُهبَت الصلاحيات من مصرف الإسكان وأُنشئت شركات تأمين خاصّة تهدف كلّها إلى سرقة الناس وهناء عيشهم؟ وكيف ومن شرّع لهؤلاء أن يفرضوا أكثر من ٣٠٠ ألف شهرياً كتأمين، على موظفين يستفيدوا من تأمين الدولة؟ لماذا قروض الإسكان الباهظة تعود بفوائدها على البنوك الخاصة وتلقي الفتات للدولة بعد انتهاء نصف مدّة القرض؟ متى ستنتهي تلك المهزلة؟ لماذا لم تبنِ الدولة نفسها مشاريع سكنيّة لائقة لموظفيها على اختلاف درجاتهم في المدن كما هي الحال في كل الدول الرؤوفة بمواطنيها؟ لماذا لا تحدّد الدولة أسعار الشقق في المناطق كافّة؟ ولماذا لا تحدّ من التفلّت في أسعار العقارات؟

ثانياً، إنّ كلّ عائلاتنا تنوح أمام أعباء الأقساط المدرسية والجامعية. لا أحد مستثنى. ماذا لو فكرت دولتنا الكريمة بإلغاء مؤسّسات التعليم الخاصّ في لبنان تدريجاً؟ أليست هي الدولة والقرار لها؟ لقد تجاوزت أرباح المدارس الخاصّة في لبنان المليار ليرة سنوياً. يعني ذلك ما يفوق أهم القطاعات إنتاجاً في الدولة. ماذا لو اقترحت دولتنا على موظّفيها ممّن لديه ثلاثة أولاد أن يحفظ العشرة آلاف دولار أقساطاً مدرسية سنويّاً بجيبه؟ هل الزيادة التي تدفعها اليوم تفوق ذلك للعسكري أو لأستاذ الابتدائي؟ لماذا عليها أن تدفع له معاشاً ثم عليها دعمه بالمنح المدرسيّة التي تصبّ في جيوب أفراد جشعين؟ لماذا لا تدعم مباشرةً بتلك الأموال المدرسة والجامعة الرسمية؟ لماذا لا تفرض على كل موظّفي الدولة تدريس أولادهم في قطاع التّعليم العام بعد تطويره بأموالها المهدورة؟ لماذا تدفع الدولة عن كل طالب جامعي ابن قاضٍ أو أستاذ جامعي سنوياً آلاف الدولارات ولا توفّر له ولغيره كافة الاختصاصات في جامعتها الوطنية وسكناً لائقاً ومجمّعات على مستوى ما يذهب إليه بهذا المال؟ لماذا تهدر أموالها هناك برضى منها وترفض أن تستثمرها هنا خدمة للجميع؟ إن أحد أهمّ أسباب الانقسام الاجتماعي الحاصل اليوم يمكن تجاوزه من خلال تربية مدنية وطنية واحدة جامعة للجميع، لماذا لا تبادر دولتنا إليها، فتضرب عصفورين، مادياً واجتماعياً، بحجر واحد؟ أم أنّ أهل الحكم يقبضون ثمن تقسيمنا مكافأةً لهم مؤسّساتهم التّعليمية الخاصّة المدرارة؟

ثالثاً، كلّنا كموظفين معنيّون بالقطاع الصحي. ولا يجب أن يكون على درجات بين فئات الموظفين، بل يجب أن يكون درجة أولى للجميع. لماذا أنا الأستاذ الجامعي أتطبب درجة أولى، بينما شهيد الوطن وعائلته درجة ثانية وثالثة؟ إنّه حقّ إنساني ويجب أن يتوافر للجميع بمساواة. كلّ المستشفيات الخاصّة تصرّح بأنّها لا تبغي الربح، فهل هي حقّاً كذلك؟ لماذا عملية أقلّ من صغيرة وسخيفة اليوم، ولا تستدعي بقاء المريض ثلاث أو أربع ساعات في المستشفى، علينا أن ندفع مقابلها ألفي دولار سلفاً على مداخل المشافي كلّها؟ كيف تقبل الدولة أن تهدر أموالها يوميّاً في المستشفيات الخاصة لمصلحة جيوب حيتان المال وتتقشّف عند أقلّ ميزانية للمشافي الحكومية؟ ولماذا لا تطوّرها؟ وصلت تكاليف العملية لأحد الزملاء إلى ثلاثين ألف دولار في أحد المشافي. كلّنا تعلّمنا ودرسنا وأقدّر تعب الأطباء، لكنّ ساعتين من العمل تستقضي أن تدفع الدولة مبلغاً بهذا الحجم؟ هناك شذوذ عن منطق ما. هل أصبحت غرف عملياتنا مناجم ماس؟ أين رقابة الدولة ولماذا لا تحدّد تعريفات واحدة لكلّ حالة في كلّ المشافي؟ أليس ذلك تشريعاً لسرقة كلّنا لكلّنا، وترتيب مصاريف باهظة يمكنها توفيرها علينا بدل زيادة الراتب؟
ومتى تحدثنا عن القطاع الصحّي وجب التطرّق إلى القطاع الغذائي. إن نظامنا الغذائي التّقليدي هو الأسلم عالمياً. ماذا تفعل الدولة للحفاظ عليه وعلى أمننا الغذائي بينما هو متوافر بأسعار متدنّية للجميع؟ أين ثقافة التغذية الصحّية في المدارس؟ في المنتجعات؟ لماذا تملأ أكياس الشيبس والبسكويت المصنّع دكاكين المدارس ويغيب عنها التفاح والجزر وعصير الليمون الطازج مثلاً؟ مع العلم أنها أرخص وأوفر وأسلم. لماذا نرى أطنان الليمون الرخيص تذهب إلى مطامر النفايات وتزيدنا وسخاً، بينما أطنان المواد المسرطنة المصنّعة إلى خلايا أجيالنا؟ لماذا حقولنا جرداء لا تستثمر زراعيّاً ونستورد الحبوب المعدّلة جينيّاً لا نعرف ماذا استأصلوا منها وماذا عدّلوا لأجسامنا بها؟ لماذا نستورد الأطعمة المجلّدة المصنوعة خصّيصاً للعمل على إضعاف البنية الجسديّة لأجيالنا بالوثائق والأدلّة العلميّة وفوق ذلك بأسعار باهظة؟ هذا الموضوع مثل التربوي ليس فقط مالياً، ولكنّي أردت الإشارة إليه من الناحية المالية هنا. فالمنتج المحلّي هو الأوفر والأسلم، ما يحافظ على صحّة المواطنين ويخفّف تكاليف العلاج على الدولة على المدى البعيد.
رابعاً، نحن الشعب الوحيد الذي يدفع ضرائب مقابل «لا خدمات» في البنى التحتيّة العامّة. كلّ موظّف في الدولة يترتّب عليه ضريبة دخل ليست بالقليلة. لماذا بدل زيادة الراتب لا تخفف الدولة على الموظّف الأعباء الضريبيّة الإضافية المفروضة سنويّاً عليه مثل ميكانيك السيارات، أسعار المحروقات، فاتورة الموبايل، اشتراك المولّدات الكهربائيّة، الرسوم البلديّة، رسوم المياه المقطوعة، توفير مياه شرب نظيفة... كل ذلك يمكن الدولة تجاوزه بسهولة فيما لو أوقفت ملفّاً واحداً فاسداً في مرافقها.
خامساً، إنّ دولتنا أبعد ما تكون عن العناية بفرح أبنائها. لماذا؟ لأنّها لا تعنى بالإنتاج. كلّ عائلة تحتاج للخروج يوماً بالأسبوع إن عند الأهل أو للتسلية. وكلّنا يعلم أن ذلك بات شاقّاً على العائلات غير الميسورة. لماذا إذا تناولت عائلة الغذاء في مطعم عليها التنازل عن مئات الآلاف؟ لماذا يا دولتنا الكريمة؟ لماذا ضاقت مدننا أمام الحدائق العامّة؟ أليس جزءاً من سياسة القمع والإذلال؟ لماذا جرى السّطو على الشواطئ العامّة؟ في وسط بيروت كلّه لا يوجد مقعد للاستراحة، عن عبث؟ خواءٌ غير متوافر في وسط أيّ مدينة أخرى في هذا العالم. بدل زيادة رواتبهم ليرفّهوا ولو بالحدّ الأدنى عن أنفسهم، ابني حدائق عامّة يلتقي فيها الجميع ويتواصلون معاً أيتها الدولة.

وبعد، إنّ نظامنا قائم على الاستهلاك. الدولة تعطينا المال وتقول لنا اشتروا. ستزيد من قدرتنا الشّرائية عبر السّلسلة شرط أن نشتري، أن نستهلك ما يستورده مصمّمو هذا النظام وشركاتهم. لا هي ستُتعب نفسها في الإنتاج ولن تشرك أبناءها بدورة الحياة هذه. هكذا يميتون الأمم التي لا تطالب شعوبها بالحياة.
بين أن نبقى تحت رحمة المصارف والمؤسّسات الخاصّة وأخطرهم البنك الدّولي وسلسلة رتب تزيد من استهلاكنا وفقرنا وسرعة سقوطنا، وبين أن نقرّر أن ندخل صراع الأمم الحيّة المنتجة الواثقة بنفسها وبدخل محدود كريم كافٍ، القرار ليس للدولة وحدها، هو قرار الشّعب. شعبنا الذي قرأت عنه ليلة أمس، أنه نزق في لحظة تقتضي الصّبر، وصامت كالحجارة في لحظات تقتضي الرّفض. أيّها الشّعب لا تقبل بسلسلة تعبّد منحدر انزلاقك إلى هاوية الأمم المستهلكة.

*أستاذة في الجامعة اللبنانية