لم تتعب القوى اللبنانية المناوئة للمقاومة من استغلال أي مرحلة أو حدث يمر على البلاد إلا وتوجّه نيرانها عليها. كثافة النيران هذه تشتد وتخفّ حسب الإنجاز أو رؤية هذه القوى لأي مرحلة، ليس لأنها خارقة التخطيط وماهرة، بل لأن المقاومة بالنسبة إلى الإدارات الأميركية المتعاقبة تشكّل الطبق الدسم الدائم على سُفرة ملفات المنطقة.


لم يُسمح للمقاومة من قبل هذه الجهات اللبنانية أن تحتفل بإنجاز تقدمه للبنان دون أي «حرتقة». فمن تحرير الجنوب، إلى توجيه أصابع الاتهام بعمليات الاغتيال التي هزت البلاد، إلى مسار حرب تموز، وصولاً إلى الحرب السورية، لم يسلم حزب الله من سهام بعض لبنانيي الجنسية/ أجانب الهوى.
اليوم، في المرحلة الجديدة التي يمرّ بها لبنان من بوابته الشرقية، علا الصوت أكثر. فتحرير جزء من الجرود ودحر تنظيم جاثم على صدر البلاد، إنجاز بأصل القرار والتكتيك والسرعة والنتيجة. وهذا لا نقاش فيه. حتى رأس البيت في المقلب الآخر كان له اعتراف بذلك... ولو خجلاً وبشفاه مرتجفة.
فبالرغم من محاولة تقزيم الإنجاز من قبل رئيس الوزراء سعد الحريري، إلا أنه يدرك ضمناً أن ما حصل كبير جداً.
المعادلة الذهبية التي يتوقف تشكيل أي حكومة من الحكومات المتعاقبة لأكثر من عشر سنوات عليها، ظلت حبراً على ورق. مجرد بيان يُشرّع وجود المقاومة أمام المحافل الدولية، ولا يخلي مسؤوليتها من كل الاتهامات والظلم والتجني الذي تتعرض له داخلياً من قبل الفريق نفسه.
منذ أيام، قد يكون الرئيس سعد الحريري أول رئيس حكومة ينفذ «شيئاً ما» من بنود بيان حكومته. بل قد يكون الأول بين رؤساء الحكومات على مدى أكثر من عشر سنوات ممن يطبق القول بالفعل، من بنود بيان ينسخ من حكومة لأخرى.
فالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله قدّم في خطابه الأخير قالب تحرير عرسال لكل لبنان واللبنانيين. لم ينسَ أحداً من الشكر، من المقاومين إلى الرؤساء والشخصيات وحتى ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي. لم ينسَ من كبُر تأثيره أو صغر.
حالة «إجماع» على صوابية هذه المعركة، افتقدها حزب الله منذ تحرير الجنوب عام 2000، رغم بعض التشويش الذي تعرضت له المعركة من قبل بعض أيتام المدحورين من هذه الجرود (هم أنفسهم انتقدوا الجيش قبل أيام من بدء المعركة، مطالبين إياه بالتحقيق بوفاة موقوفين اعتقلوا بعد أن فجّر انتحاريون أنفسهم بعناصر الجيش أثناء دهمهم لمخيمات كانت الحديقة الترفيهية لبعض ساكني الجرود).
الدعوة التي قُدّمت من قبل نصرالله للدولة تشكّل فرصة سانحة لـ«إنجاز» ما من بيان الحكومة، وتثبيته بالدم والتكاتف.
فنحن لم نستطع أن ننجز أي خطوة على صعيد الإنماء ومحاربة الفساد والعدالة الاجتماعية... وكل الأسطر التي تصطف في بنود خريطة الحكومة لاختلاف الأولويات. لننفذ بالفعل لا بالقول هذه المعادلة الذهبية انطلاقاً من الإجماع الحاصل، فعندما يضع نصرالله مقاتليه بتصرف الجيش اللبناني قبل الساعة الصفر من بدء المرحلة الجديدة من معركة التحرير النهائي للجرود، فإنه يكون قد فتح باب تشريع هذه المعادلة. هذا ليس باستدراج، بل تموضع الظهر بالظهر إلى جانب الجيش، وما أفصح عنه من مساعدة للجيش من قبل المقاومة في خلال احتلال عرسال عام 2014 ما هو إلا تقديم نموذج حيّ للشعب والمؤسسة السياسة التي تطمر رأسها بالتراب وترفض الاعتراف علانية بهذا «التكامل».
إذاً، أمام التخبط الذي وصل برئيس الحكومة على غير صعيد، أمامه فرصة قد تساعده رغم كل التشويش الحاصل والذي يحرجه على أكثر من جهة. وهو بالمناسبة تشويش لم يقدّم يوماً خدمة له، بل زاد عُقد جوانب كثيرة من مسار حياته السياسية، وأخذه إلى طرق لم يفكر في سلوكها. أمامه فرصة أن يذكر في نهاية ولايته أنه «أنجز شيئاً ما» مما كان قد تعهد به إبان تسلمه لزمام الحكم، لكن إن حصلت لن يقولها خجلاً هذه المرة، بل سيقولها بالفم الملآن، أنّ هناك جيشاً ومقاومة وتضامناً شعبياً حموا لبنان وحموا حكمه من أي عمليات كانت تهدد بها هذه الجماعات، أو أي ارتدادات أمنية قد تقضي على ما بقي من أعمدة في هذا الكيان.
* صحافي لبناني