في المسألة اليونانية، «الليبراليون العرب» (وهو تعبير زائف بالطبع، اذ انه لا يحيل الى ايديولوجيا أو عقيدة ذات محتوى محدد بقدر ما يشير الى تماهٍ فردي وسياسي مع الغرب\ القوة، كيفما كان وكيفما تحوّل) أثبتوا، كعهدنا بهم، انّهم يتبنون رؤيا «السيد» أكثر من السيّد نفسه. في تقريعهم لليونان، كشف هؤلاء انهم ليسوا «نيوليبراليين» على طريقة اقتصاديي جامعة شيكاغو في الثمانينيات، أو أترابهم في صندوق النقد اليوم، بل هم ليبراليون على طريقة القرن التاسع عشر، الصافية والمثالية والبدائية، حيث كلّ الاقتصاد هو «اقتصاد جزئي»، يتبع نفس القواعد، سواء على مستوى فرد وذمته المالية، أو دكّان، أو دولة.


يستفظع هؤلاء أن تطالب اليونان باعفائها من قسطٍ من دينها العام، أو أن ترفض سداده؛ فيشبهون البلد برجلٍ مسرف، استدان بلا حسابٍ واستهلك وبذّر، ثم، حين حان وقت الدفع، تهرّب من السداد واشتكى، بقلة مسؤولية، من عبء الدين الذي رتّبه على نفسه. المسألة هنا تأخذ بعداً «أخلاقياً» معاكساً لخطاب اليسار، فبدلاً من أن يتمحور سؤال الصحّ والخطأ حول المعاناة الانسانية للمجتمع اليوناني، ومستقبل ابنائه المظلم، تصير «الفضيحة» في خرق قواعد المحاسبة وعدم دفع الدين وفوائده كما يجب (كأنهم سلّفوا اليونان من جيوبهم، وكأنه من الممكن النظر الى مجموعة حكومات ومصارف، من جهة، والشعب اليوناني بأسره، من جهة أخرى، على انهما طرفان متساويان في علاقة تعاقدية).
أشدّ المصرفيين الالمان لؤماً وقسوة يخجل من عقد هكذا مقارنات، ليس فقط لأنّه من التسطيح مقاربة المستقبل الاقتصادي لأمة بمنطق المسؤولية المالية لفرد أو لشركة، ولا لأنّ الحكومات الغربية كانت مستعدّة لدفع أضعاف قيمة الدين اليوناني لدعم مصارف وشركات مالية (خاصة) تعثّرت خلال الأزمة المالية؛ بل لأنّ عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ونظامه الأوروبي الجديد، افتُتحا عبر قرارٍ باعفاء المانيا، عام 1953، من ديونها السيادية تجاه الحلفاء.
لا حاجة هنا لتبيان بطلان الصورة النمطية التي يروجها بعض الاوروبيين، بفوقية ومن منطلق تبريري، عن اليونانيين، وهم ــــ كما تقول الاحصاءات ــــ يعملون بالمعدّل أكثر من أترابهم الأوروبيين، وينالون أجوراً أقل، واجازات أقصر؛ وأكثرهم لم يكن لهم خيارٌ بشأن سياسات الاستدانة التي اعتمدتها حكوماتهم السابقة، ولم يستفيدوا منها، ولم ينهلوا من الفساد البيروقراطي. ولكن «الليبراليين» يريدون أن يقنعوا هؤلاء الناس أنّ «واجبهم»، هم تحديداً، يتمثّل في العمل والكدّ لأجيال لتسديد الديون مع الفوائد.
اليونان، ايضاً، نفّذت أكثر الاصلاحات التي طالب بها الأوروبيون، وهم صرفوا مئات آلاف الموظفين، وتحقق دولتهم فائضاً أوّلياً كبيراً في الموازنة (أي أن ايراداتها أكبر من مصاريفها التشغيلية). غير انّهم اكتشفوا أنّ وضعهم، ببساطة، لن يستقيم وهم يدفعون فوائد على دينٍ تقارب قيمته ضعفي الناتج الوطني. البرامج التي وضعتها الترويكا الأوروبية، منذ عام 2010، لدفع الديون أدّت الى انهيارٍ حقيقي في الاقتصاد اليوناني، فالمال الذي تجمعه الحكومة من الضرائب يذهب الى الخارج ليضاف الى أرصدة الدائنين، والفائض الأولي يتحول الى عجز، يعمّق هوة الدّين، ولا امكانية للاستثمار أو خلق الوظائف أو الانفاق الاجتماعي في المدى المنظور. لذا، كان الخيار بالنسبة لليونانيين على النحو التالي: امّا أن نشهر افلاسنا اليوم، ونتحمّل الكلفة التاريخية، أو نستمرّ على مسار الاستنزاف نفسه لسنوات اضافية، تمتصّ ما تبقى من حيوية في الاقتصاد، ثمّ نصل الى النتيجة نفسها ــــ الافلاس ــــ بعد عقد من اليوم.
هذه مسألة طرقها توماس بيكيتي وغيره عن تحويل الدين العام الى وسيلة لنقل الثروة من دافعي الضرائب الى مستثمرين كبار، يضاعفون ثرواتهم بأمان، على مدى أجيال، عبر الفوائد التي يدفعها مواطنون لم يكونوا قد ولدوا بعد حين قررت حكومة ما أن تستدين باسمهم. الّا أنّه من الغريب أن يراقب اللبنانيون ما يجري، ويعلّقوا على أحداث اليونان، بلا أن يلاحظوا التطابق التام بين الحالة اليونانية وحالتهم.
الدين اللبناني العام يوازي، كنسبة من حجم الاقتصاد، دين اليونان؛ وكلفته على النمو والتشغيل والموازنة العامة لا تقلّ عن كلفة الدين اليوناني (التي «لا يمكن احتمالها») الّا أنّ الكثيرين يتعاملون مع هذا الواقع، الذي دام لأكثر من عقدين، كأنه غير موجود، أو أنّه «قدر» علينا قبوله بلا نقاش.
لبنان، أكثر من اليونان، يمثّل النموذج المثالي للدين «اللااخلاقي» الذي اشتكى منه بيكيتي: راكمته حكومة استفردت بالقرار الوطني، ذهب جلّه الى جيوب الفاسدين وأصحاب الأرصدة، وحوّل كامل وظيفة الدولة الى «آلة استخراجية»، تفرض الضرائب الباهظة على الفقراء والمستهلكين وتعيد توزيعها على الطبقات العليا.
لم يشهد التاريخ حالة «اعادة اعمار» كالتي شهدها لبنان، يدخلها البلد وديونه قليلة، ودولته صغيرة نسبياً وكفؤة نسبياً، ولديه مقومات يمكن البناء عليها، أبرزها نظام تعليمي صلب؛ فيخرج بعد عقدين بديون تقارب المئة مليار دولار، ولا «اعمارٌ» مقابل هذه الأكلاف، وقد تمّ تحطيم وافساد كلّ ما كان جيّداً في البلد.
بدلاً من مراقبة النزاع اليوناني ــــ الأوروبي، حريّ بنا أن نتعلّم منه. نحن، ايضاً، لن نتمكّن يوماً من سداد ديننا. و»ادارته» لا تعني أكثر من استنزاف العمال والعائلات اللبنانية لتكريس موقع الطغمة المالية وأرباحها، حتى تحصل أزمة اقتصادية، أو ارتفاع في معدلات الفوائد، ونجد نفسنا في موقع اليونان اليوم، وهذه ليست الا مسألة وقت (وفي حالتنا فانّ هذه الدينامية قد تعني، بلا مبالغة، اطلاق الحرب الأهلية القادمة).
كتبت، في مقال سابق، أن التوقّف عن الدفع هو الحلّ الوحيد، اقتصاديا وسياسيا واخلاقيا، أمام اللبنانيين لكسر دورة النهب والبدء ببناء بلدٍ حقيقي. هذا السيناريو، على الأرجح، لا يمكن تحقيقه من دون انقلاب عسكري. لكنّ المسألة تستحق.