تبدو الولايات المتحدة في ظلّ صراع المؤسّسات المحتدم على خلفية الموقف من رئاسة ترامب وكأنها تفقد «الُّلحمة السياسية» التي كانت تميّز أداءها أثناء الصراع مع الخصوم. فالانقسام داخل المؤسّسات لم يعد يقتصر على الموقف من روسيا، بل انتقل إلى الملفّات الداخلية، وأصبح يهدّد بتعطيل العمل ليس بالمراسيم التنفيذية التي يصدرها الرئيس فحسب، وإنما بمجمل التشريعات المسؤولة عن تنظيم حياة الناس، وهو ما يمكن اعتباره سابقة في التاريخ الأميركي الحديث.


الموقف من روسيا أحدث انقساماً كبيراً داخل المؤسّسات ولكنه لم يعطِّل العمل بالتشريعات والمراسيم التنفيذية لأنه خلاف على نهج محدَّد في السياسة الخارجية لترامب، بينما الخلاف حول السياسة الداخلية ومجابهة الديمقراطيين والنخبة محاولات الرجل تغيير النهج الذي اتُبع في عهد أوباما (وأهمّها طبعاً التراجع عن قانون الرعاية الصحية) أفضى إلى شلل كامل في عمل المؤسّسات، بحث أصبحت مداراً لانقسامات متعدّدة لا تقتصر على الخلاف التقليدي بين الحزبين حول السياسات، بل تتعدّاها إلى انقسامات داخل الحزب الواحد نفسه.

معضلة التراجع عن «أوباما كير»

بالنسبة إلى الشريحة الاجتماعية التي يمثّلها الديموقراطيون يُعتبر التراجع عن قانون الرعاية الصحية الذي اُقِرَّ في عهد أوباما نكسة كبيرة لجهود تعميم الصحة شبه المجانية على الفئات الفقيرة والمتوسِّطة في المجتمع، ولذلك صوّت هؤلاء الذين يمثّلون -نظرياً على الأقلّ- جلّ هذه الفئات أو ينحازون إلى سياسات الإدارة السابقة تجاهها بلا على استبداله، وهو ما كان متوقعاً إلى حدّ كبير. لكن إنفاذ مشروع الاستبدال كان يحتاج إلى أغلبية طفيفة (51 عضواً) حتى يتمّ تجاوز الاعتراض الديمقراطي عليه، وهنا حصلت المفاجأة، حيث صوّت ثلاثة أعضاء من الحزب الجمهوري إلى جانب الديمقراطيين (جون ماكين، سوزان كولينز، ليزا موركوفسكي)، فسقطت مسوّدة المشروع الجديد، وظلّ العمل بالقانون الحالي ساري المفعول إلى حين معالجة الانقسام داخل الحزب الجمهوري، وهو ما تعهَّد به ترامب أثناء تعليقه على إخفاق التصويت. في الحالات السابقة التي أُُلغيت فيها مراسيم تنفيذية لترامب سواءً بخصوص قوانين الهجرة أو اتفاقات التجارة الحرّة كان يحصل ذلك جزئياً، وغالباً بأمر قضائي تصدره محكمة في ولاية يتولّاها قاضٍ ليبرالي أو ديمقراطي مناهض لنزعة الرئيس المحافظة، لكن لم يحصل قبل التصويت على إلغاء الاستبدال في الكونغرس أن يتمّ تعطيل العمل بمشروع قانون فيدرالي حُشدت له كلّ جهود الإدارة، وكان بالإضافة إلى ذلك من ضمن الوعود الانتخابية للرئيس الجديد قبل انتخابه. ليس هذا فحسب، بل إنّ أعضاءً في الكونغرس من الحزب الجمهوري لم يكونوا مقتنعين بمشروع استبدال القانون، وفضّلوا الوقوف ضدّ حزبهم ورئيسهم على التصويت لمصلحة سياسة يرون أنها لا تمثّل مصالح غالبية الأميركيين، بما في ذلك شرائح من الحزب الجمهوري نفسه. الأهمّ من انتقال الانقسام إلى داخل الحزب الجمهوري هنا هو اقتناع أعضاء نافذين داخله بعدم تمثيل هذه الوجهة التي تعتبر أساسية في رؤية ترامب للسياسة الداخلية لكلّ الشرائح الجمهورية. وهو ما يمكن اعتباره عنصراً جديداً في الصراع القائم بين ترامب والمؤسّسة، حيث لم يكن ثمّة دور للمصالح الاجتماعية فيه، وكان يقتصر على الموقف من السياسة الخارجية وبعض السياسات الداخلية التي لا تؤثّر في مجمل رؤية الإدارة لمشروعها السياسي. لكن مع هذا الانشقاق الجزئي داخل الحزب على خلفية الموقف من إلغاء قانون الرعاية الصحية ضَعُف موقف ترامب كثيراً، وأُضيف إلى صراعه مع المؤسّسة والنُّخب عاملٌ لم يكن موجوداً أثناء تولّيه الرئاسة، وهو تأليب فئات من داخل القواعد الجمهورية عليه بعد التصويت، بحجّة حرمانهم من الرعاية الصحية التي وفّرتها إدارة أوباما لكُثُرٍ من الأميركيين، بما في ذلك الجمهوريون أنفسهم.

ترجيح كفّة المؤسّسة

الضُعف الذي حلّ بالرئيس انعكس على مجمل الصراع الذي يخوضه مع المؤسّسة والجهات النافذة داخلها، وخصوصاً في ملفّ العلاقة مع روسيا. فبعد إقالة فلين -المقّرب منه جداً- من منصبه كمستشار للأمن القومي واتهام صهره جارد كوشنير بالاتصال مع الروس، وإقالته هو لجيمس كومي، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي على خلفية اطلاعه بالتحقيق في صلات الإدارة مع الروس، بدا أنّ الصراع الذي يُخاض بالنقاط يتجّه إلى ترجيح كفّة المؤسسة، بدليل أنها فرضت عليه التوقيع على قانون العقوبات الذي أقرّه الكونغرس بأغلبية مطلقة ضدّ روسيا وإيران وكوريا الشمالية. بعد التوقيع أبدى اعتراضه على القانون، معتبراً أنه يمسّ بصلاحيات الرئيس، ويمنعه من جعل القانون متوافقاً مع سياسة الإدارة، وهو بالضبط ما قصده أعضاء الكونغرس حين أضافوا فقرة إليه تمنع الرئيس من إلغائه أو إعادته إلى الكونغرس لدراسته مجدداً إذا رأى فيه تدخلاً في السياسة التي يودّ الرئيس اتباعها مع دولة معينة. إذعانه بهذه الطريقة للمصالح التي تقف خلف مواصلة سياسة العداء لروسيا لا يعني أنه قد هُزم أمام المؤسّسة، ولكنه بالتأكيد لم يعد قادراً على قيادة سياسة مجابهة كاملة معها، بدليل انتقال الانقسام بشأن السياسة الداخلية إلى داخل حزبه، وعدم قدرته بسبب هذا الانقسام على الانتهاء من ملفّات كان يعوِّل عليها داخلياً لتحصين جبهته الحزبية والشعبية في مواجهة سياسات المؤسّسة ومصالح نخبها الطائلة.
* كاتب سوري