ينتشر وسط مجتمعات الوفرة الأوروبية والأميركية الشمالية اقتناع متزايد بعدم استدامة أساليبنا في الحياة. لكن في الوقت نفسه يتضح أكثر فأكثر أن الطبقة العليا للمجتمع العالمي غير مستعدة للتخلي عن امتيازاتها بمحض إرادتها. إن عقوداً من الخطابة حول «التنمية المستدامة» قد تعطي صورة زائفة بأن ثمة اتفاقاً عاماً على هذا المفهوم، لكن ما يجري الآن هو أنّ الرسائل المتضاربة في داخل هذا المفهوم مجبرة - بشكل عنيد - على الظهور الى السطح.


هنالك استقطاب عادت ملامحه تتبيّن من جديد، بين الرؤى المتعددة للتنمية من جهة، وبين مسائل البقاء على قيد الحياة من جهة أخرى... بل إن حديثنا عن «التنمية المستدامة» هو نفسه غير مستدام.
في ديسمبر/ كانون الأول 2007 منحت جائزة نوبل لفيلم ناقد للنظام أنتجه نائب الرئيس الأميركي الأسبق، يتناول كارثة المناخ الوشيكة، وفي الوقت نفسه أطلقت جمعية أرباب العمل السويدية حملة مكلفة من أجل دفعنا إلى أن نستهلك أكثر. وفي كل مكان من موقع «تيمبرو» الاقتصادي الليبرالي نجد الرسالة الماثلة، وهي أن زيادة الاستهلاك هي التي ستنقذ العالم. وأينما ولينا وجوهنا نطالع الحجة نفسها: بحق الرب لا تتوقفوا عن شراء بضائع الصين! فشراء بضائعهم هو فرصتهم للتنمية ودفع المال من أجل بيئة أنظف!
كثيرون منا يقفون أمام هذه الحجة صامتين. إذاً، فالعيش في مجتمع الوفرة هو تضامن مع فقراء العالم! لكن لماذا يبدو لي – وعلى نحو مخيف – أن هذا النمط من الأفكار قد مرّ عليّ من قبل؟ ألا يذكّرنا بالمنطق العجيب الذي جاء به روديار كيبلينغ حول «عبء الرجل الأبيض»؟ الاستعمار بوصفه عملاً خيرياً! بل ألا يذكرنا حتى بردّ فعل المزارعين البيض في الجنوب الأميركي عندما طُرح اقتراح إلغاء الرق؟: «إلى أين سيولي العبيد وجوههم من دون أسيادهم؟».
كان الأنثروبولوجي الفرنسي موريس غودليي، قد أشار إلى أن المجتمعات كانت في كل العصور ميالة إلى إظهار أن التبادل غير المتكافئ، والاستغلال، هما توزيع عادل للخدمات. فالعبيد ينبغي أن يكونوا شاكرين لمالكيهم، وأقنان العصور الوسطى ينبغي أن يكونوا شاكرين لإقطاعييهم، ورعية حكام «الأنكا» ينبغي أن يكونوا شاكرين لإمبراطورهم المؤلَّه... وأولئك الذين يولّدون الوفرة ينبغي أن يكونوا شاكرين من أجل الفتات الذي يأتيهم إلى بيوتهم. ألهذا ترانا نتحدث اليوم عن «مُعطي العمل» و«آخذي العمل»؟ (1) ألهذا كانت رسالتنا إلى البلدان الفقيرة في الجنوب، هي أن عليهم أن يكونوا شاكرين لأنّ بإمكانهم أن يبيعوا، بثمن بخس، للشمال الرأسمالي ساعات عملهم ومواردَ طبيعتهم؟

«تنميتنا» حِمْل على الآخرين

بالتأكيد نحن ندرك جميعاً في أعماقنا أن المجتمع الصناعي المسيّر بالوقود الأحفوري يقترب من نهاية الطريق. وما العمليات العسكرية في الشرق الأوسط وأزمة المناخ سوى وجهين لهذه العملة. إن مشكلة الاستمرار في استيراد طاقة رخيصة والاستمرار في تصدير الانتروبيا (عشوائية مادية بعدة أشكال كانبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكاربون مثلاً - المترجم) تصبح غير مستدامة على نحو متزايد. ولكننا من السهل أن ننسى أن خبرتنا التاريخية في «الطاقة الرخيصة» مقيدة محلياً، سواء من حيث المكان ومن حيث الزمن. فلم تكن الطاقة الأحفورية بالنسبة إلينا «رخيصة» إلا من خلال الدول المحورية في المجتمع الدولي. ففي بيرو أو موزمبيق لم يكن النفط «رخيصاً» يوماً – ببساطة، لم تمتلك الغالبية من الشعب هناك هذه الإمكانية. إن تصوراتنا عن التقدم والتنمية تظهر حالات اللامساواة الشاملةِ في عالم اليوم كما لو أنها مراحل زمنية مختلفة. وهذا هو ما يجعلنا نبتسم سخريةً لفكرة أن السويديين يمكن أن يطلب منهم استخدام الحطب للوقود والحيوانات للجر، رغم أن هذا هو الواقع الذي يجد قسم كبير من سكان العالم أنفسهم فيه حالياً. فنحن ننظر إلى التقنية المشتغلة بالطاقة النفطية على أنها «الآن» وليس على أنها «هنا».
إن البيئة الجيدة التي تتباهى بها السويد اليوم لم تصبح ممكنة إلا بفضل قرن من الاستيراد المكثف للوقود الأحفوري. فهذه هي الطريقة التي تمكنا بها من أن نخفف عن غاباتنا ضغط الضرورات القديمة (أن نأخذ منها الحطب لبيوتنا والعلف لمواشينا والأعمدة لأسيجة حقولنا)، فيما تزودت أراضينا الزراعية بمواد مغذية وتحسينات أخرى مشتقة جميعها من النفط. ولهذا لدينا الآن في السويد أراضٍ زراعية أخصب، وغابات أكثر بـ60 في المئة، مما كان موجوداً قبل مئة عام، بينما أصبح تصدير منتجات الغابات أحد أهم مصادر اقتصادنا. لكن هل هذه هي وصفة «التنمية» التي نريد اليوم اقتراحها على ما يُسمى «الدول النامية»، التي نحثها على اتباع خطانا؟ وفي هذه الحالة، من أين سيأتي هؤلاء بالنفط اللازم؟
لبضعة قرون عاشت الأقسام الصناعية من العالم على الوقود الأحفوري، وبذلك استطاعت أن تطور نظرية اقتصادية تزعم أننا تحررنا من شرط خصوبة سطح الأرض. وكان معنى هذا رفض ما يدعى بالفيزيوقراطية التي كانت خلال القرن الثامن عشر قد اعتبرت الكوكب هو عامل الإنتاج الوحيد الذي يولّد قيمة صافية. لقد عشنا، نحن الأوروبيين، منذ الثورة الصناعية على أشعة شمس العصور الماضية، مخزونةً في القشرة الأرضية. والآن ندرك أن عمر الوقود الأحفوري لن يكون أكثر من صفحة مطوية من التاريخ، ولكننا نفكر الآن بما يُسمى الوقودَ الحيوي (كالإيثانول مثلاً) بديلاً من النفط. بمعنى أننا ننطلق من فكرة أن التكنولوجيا، التي كانت حتى الآن تُشغَّل بطاقةٍ ركزتها أشعة الشمس من ملايين السنين، ستظل في حوزتنا مستقبلاً وبنفس الكمية السنوية من الأشعة الشمسية التي كان أجدادنا المزارعون (ولا يزال معاصرونا في الجنوب) يحصلون عليها. ولكن عندها سنكتشف أن استهلاك الوقود، مترجماً إلى الوقود الحيوي، في السويد وحدها مثلاً، سيتطلب أكثر من ضعف الأراضي الزراعية الموجودة في البلاد، أو ما يعادل تقريباً كل الحاصل السنوي لتحطيب الغابات في السويد. ومع ذلك يعد هذا البلد - لحسن حظه - من بين البلدان الصناعية الأكثر ملاءمة من حيث توافر الأراضي الزراعية المنتجة عضوياً. فهل آن الأوان لأن ينفض الاقتصاديون الغبار عن الفيزيوقراطيا؟
أحدث الحلول الجذابة لهذا المأزق هو ما يقال عن جلب وقودنا الحيوي من البرازيل، وموزمبيق وبلدان كبيرة فقيرة أخرى في الجنوب. هذا على الرغم من أننا نسمع بأن إنتاج الايثانول يمكن أن يكون مصدراً لنفس حجم غازات الاحتباس الحراري الناتجة من استخدام الوقود الأحفوري، وأنه على المدى البعيد يؤدي إلى إبطال مفعول مزيد من الغابات المطيرة المدارية وإلى تقليل التنوع الحيوي، وأنه - على الأرجح - يمكن أن يغذي في الهكتار الواحد «وحدات قدرة حصانية» أقل من علف الأحصنة العادي، كذلك فإنه – وهو الأشد خطورة من كل ذلك – يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيادة سوء التغذية بين فقراء الجنوب. نحن مضطرون إلى أن ندقق في «غزارتنا التكنولوجية» – أي البنية التحتية التكنولوجية التي كنا قد راكمناها في بضعة قرون والتي هي اليوم تنافس الغزارة الحيوية، البشرية وغير البشرية، على مجال العيش في كوكبنا المحدود. والآن سيُزرَع قصب السكر، لا لإعاشة الجياع، بل لتشغيل سياراتنا «الجيب» الحكومية. ولكن على سكان الأرياف في موزمبيق أن يكونوا شاكرين لنا لمصادرتنا أراضيهم الرخيصة وساعات عملهم الرخيصة ولدعوتنا لهم إلى سلوك طريق «التنمية».

هل تقنيتنا هي عبودية الآخرين؟

متى بدأنا نعتقد أن تدفق المال، وليس تدفق الطاقة، هو الذي ينشئ مجتمعاتنا؟ متى صارت الأموال هي طاقتنا المختَلَقة؟ كان الناس، لآلاف السنين، لديهم إدراكات حَدْسية بأن كل شيء معتمد إلى أبعد الحدود على تيارات الطاقة الصادرة إلينا من الشمس، وبالتالي فقد عُبِدت الشمس في مجتمعات الصيد والزراعة في ما قبل العصور الحديثة. لكن حين ارتقت التجارة الخارجية، بعد عصر النهضة، إلى أن تصبح النشاط المركزي في عدة إمبراطوريات أوروبية غربية، أصبح تدفق المال بمثابة مانح الحياة. وحتى عندما تواصل الجدل لعدة مئات من السنين حول ما إذا كان أساس «القيمة» الاقتصادية هو الذهب، أو الأرض الزراعية، أو العمل، أو الطاقة، أو الرغبة في الدفع، فقد كان الوصول إلى الأموال الكثيرة هو، عملياً، الأمر الحاسم للتمكن من امتلاك السلطة، والتقدم، وما دعوناه «بالتنمية». ورغم أن عودة الأزمات المالية في أجزاء مختلفة من العالم كانت تذكرنا، مرة بعد مرة، بأنه ليست هنالك قيمة جوهرية للنقود المعدنية، ولا الورقية، ولا البطاقات البلاستيكية ولا الأرقام التي على شاشة الحاسوب، فإن هذه الأشياء ظلت مستمرة في التحكم بحياتنا.


متى بدأنا نعتقد أن تدفق المال هو الذي ينشئ مجتمعاتنا؟



وفي الحقيقة كانت النقود، ومنذ البداية الأولى، هي التي جعلت التقنية الحديثة ممكنة. لو كان عبيد أفريقيا في حقول القطن في المستعمرات البريطانية قد حصلوا على الأجور نفسها التي في إنكلترا، لما كانت قد حدثت ثورة صناعية. فكلّ القضية في مكننة إنتاج الأقمشة القطنية لتصديرها بكميات كبيرة، تقوم على أن مشغّلي الورش يمكنهم أن يكسبوا من التصدير أكثر مما يدفعونه لاستيراد القطن الخام. وحتى في يومنا هذا فإن وجود التقنية الحديثة يقوم على الفروق في تسعير العمل والأرض في أجزاء مختلفة من النظام العالمي. والمفروض أن يبدو هذا وكأن التقنية قد تحل محل العبودية، ولكنها في حقيقة الأمر قد أزاحت، وعلى امتداد واسع، العمل المنخفض الأجور والخطير على الصحة إلى الأجزاء الفقيرة من العالم. في الولايات المتحدة وأوروبا استبدلت الطبقة الوسطى الخدم بالمكانس الكهربائية ومكائن الغسيل، ولكن بالتأكيد ليس كثيرون من يسألون أنفسهم فيما إذا كان العاملون لدى صنّاع مكائن الغسيل الصينية، اليوم، يعيشون بالفعل أفضل من الخدم الأوروبيين في الثلاثينيات. إن التقنية ليست نمواً لغزارة مادية، خرج لنا من جنة المخترعات. التقنية متعلقة في الأساس بماهية الإمكانيات الاقتصادية لفئات مختلفة من البشر، و– بالتالي – متعلقة بإعادة توزيع وقت الإنسان ومجالات الطبيعة في المجتمع العالمي.
كثير جداً من الناس يريدون بكل سرور أن يعتقدوا بأن هانس روسلينغ (طبيب وناشط في مجال الصحة العالمية ومؤسس الفرع السويدي لمنظمة أطباء بلا حدود، توفي في شباط/ فبراير 2017- المترجم) يعطينا صورة كاملة عندما يقول بأن التنمية في العالم تسير في الطريق الصحيح. إن شروحاته التعليمية والفاعلة مقنعة حقاً. فهو عادةً يضع أمامنا سبع دمى، حيث كل دمية تمثل ملياراً من سكان الأرض، ويبين أنه فقط اثنتان من هذه «الدمى» لديهما المقدرة على شراء نَعْل، فيما تقدر أربع منها على شراء دراجة هوائية (أو دراجة نارية صغيرة)، ودمية واحدة لها القدرة على شراء سيارة أو بطاقة سفر بالطائرة. ثم يقول إن هذه الدمى السبع تقف في الطابور للحصول على أشياء أكثر، وإن عليها أن تتحرك في الطابور إلى أمام دون أن تخرب كوكبنا. لكني أجدني أفكر بأنه لو كانت المعرفة لا تتألف سوى من إحصاءات عن المستوى المعيشي لما كانت بنا حاجة ماسة إلى علم الاجتماع. إن التناقضات الهيكلية، وعلاقات القوة، والتدفقات المالية في المجتمع العالمي من الصعب توضيحها بالاستعانة بدمى أو رسوم بيانية.
ومع ذلك لنقم بمحاولة. من بين تلك الدمى السبع هناك اثنتان بلا نقود بالمرة، وأربع دمى لديها أكياس نقود صغيرة، وواحدة تمتلك كيساً كبيراً من النقود. الدميتان اللتان تمتلكان نعلاً تفتقران – تقريباً - إلى أية بصمة أركيولوجية، والأربع اللائي يمتلكن دراجات هوائية لديهن بصمات صغيرة نوعاً ما، لكن الدمية السابعة لديها بصمة كبيرة جداً. وهنا حان الوقت للإشارة الى أن الدمية السابعة ما كانت لتقدر على شراء سيارتها وبطاقات طيرانها (أي تقنيتها وإفراطها الاستهلاكي) لو لم تكن الدمى الأربع الأخرى ضعيفة الأجور، أي تمتلك أكياس نقود بالغة الصغر. فأجورها الصغيرة هي التي تجعل التقنية والسلع الاستهلاكية «رخيصة» جداً بالنسبة إلى الدمية الأغنى. وبكلمة أخرى، إن الفروق الكبيرة في قوة الشراء هي التي تجعل التقنية ممكنة. فالدمى ترتبط بعلاقات مع بعضها. وهذا يدعى علم المجتمع. بل وحتى التقنية هي ظاهرة مجتمعية. وفي النهاية يجب أن نسأل أنفسنا كيف يغدو ممكناً أن نحافظ على هذه الفروق الكبيرة بين تلك «الدمى» التي تمتلك نقوداً قليلة وتلك التي تملك كثيراً منها. بلى، الجواب هو أن إحدى هذه الدمى عندها بنوك تُخْرج باستمرار أكياس نقود جديدة. ولكن صورة هانس روسلينغ عن العالم لا تستوعب هياكل المجتمع ولا التدفقات المالية. وبدلاً من أن نضلل أنفسنا بأن هذه الدمى السبع تقف في الطابور في طريقها إلى «تنمية» أعلى، ينبغي أن نتأمل في ماهية هذه «التنمية»، وما الذي تعنيه ليس فقط من حيث إفقار كوكبنا وإنما أيضاً من حيث العلاقات بين الأجزاء المختلفة من الانسانية.
إن تصوراتنا عن وعود التقنية المستقبلية تخذلنا اليوم. فما يديم دوران مكائننا هو – بالدرجة الأولى - قوة الشراء وأسعار السوق العالمي. لقد خبرنا هذا بمرارة في المناطق التي شهدت انحسار التصنيع في الاتحاد السوفياتي السابق، حيث اضطر الناس إلى العودة إلى حيوانات الجر لعدم قدرتهم على شراء الأجزاء الاحتياطية والوقود لجراراتهم الزراعية. فأي مستقبل سنلاقيه نحن الأوروبيين؟ وهل سينقذنا «الاستهلاك المستدام» و«الإنتاج المستدام»؟ وبكلمة أخرى، هل الأخلاقيات، والتقنية، هما ما علينا أن نؤمن به؟ بلا شك لا ينبغي أن نعلق آمالاً عالية جداً على أي منهما. فالمواءمات الحتمية في التاريخ نادراً ما كانت طوعية. وحين تنفجر الفقاعة المالية العالمية في النهاية فلا بد أن تلقى صورتنا الحديثة عن العالم المصير نفسه. إن الفقاعة المالية تحافظ عليها – بالدرجة الأولى - فقاعة ثقافية تكافح بشكل عاصف من أجل تجنّب الإفلاس: الحلم بالماكينة. للأسف يبدو أنه ليس أقل من انهيار شامل بإمكانه أن يُحْدِث انتقالة في المنظومة الفكرية. لقد أصبحت تكنولوجيا المكائن عندنا جزءاً لا غنى عنه من هويتنا ومعنى حياتنا، مثل التماثيل الحجرية لجزيرة القيامة وأهرامات المعابد لشعب «المايا»، بحيث أنها يجب أن تبقى مهما كان الثمن – حتى لو كان الثمن هو النظام الحيوي الذي يفترض أنه يوفر الأمان لبقائنا.

بعيداً عن المال والنمو

يكشف الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين في الولايات المتحدة، وبشكل مختزل، المأزق الذي تقف إزاءه الأمم المصدرة المترنحة، بما فيها أوروبا. إن الحجج اليمينية واليسارية المتوقعة تقوم على نفس الصورة المحدودة عن العالم. فجميعها تنطلق من واردات التصدير التي لم تعد تسير كما نشاء. حيث يشترط أن النقود، في النهاية ورغم كل شيء، يجب أن تكون موجودة بالقرب منا، وأن السؤال الحاسم هو كيف سيتم توزيعها. فيوصي الجمهوريون الليبراليون الجدد بالاستقطاب وبمواصلة الاقصاء، بينما يحاول الديمقراطيون الدفاع عن التضامن العالمي الذي نتذكره من أيام أوروبا الاشتراكية الديمقراطية قبل تاتشر وريغان. من السهل على كثيرين منا أن يكونوا على مسافة من الليبرالية الجديدة، لكن من الصعوبة بمكان أن ندرك أنه حتى الرؤية الاشتراكية الديمقراطية تشترط الاستقطاب، وعلى مستوى العالم.

إن تصوراتنا عن وعود التقنية المستقبلية تخذلنا اليوم

كانت النجاحات التي حققها التصدير خلال العقود التالية للحرب العالمية الثانية هي التي جعلت فكرة دولة الرفاه الاجتماعي الغنية والمساواتية، ممكنةً. كان يُنظر إلى الارتفاع العام في مستويات الاستهلاك في أوروبا وأميركا الشمالية على أنه إنجازات الحركة العمالية، وليس نتيجة لتراكم رأس المال الذي حصل – وقتها – في تلك الأجزاء من العالم. والوعد بمستوى معيشي راقٍ صار محتوى رئيسياً في البيانات السياسية لليسار. ولذلك صار أيضاً من الصعب على اليسار أن يعالج الإزاحات العالمية، فهذه الأخيرة أعطتنا، خلال الثمانينيات، رسائل سياسية جديدة تماماً: من ناحية، تعلمنا أن مستويات الاستهلاك العالية في الولايات المتحدة وأوروبا كانت غير مستدامة، وكانت نخبوية، ومستحيل تحقيقها على مستوى العالم. ومن ناحية أخرى، لو لم تنتقل صناعات التصدير من عندنا الى بلدان آسيا، حيث ضرائب أقل وأجور أقل، لكان من الصعب أن نعترض على رسالة الليبراليين الجدد القائلة بوجوب تخفيض النفقات العامة للرفاه الاجتماعي. وأصبح رفض هذه الرسالة أكثر صعوبة فيما بعد، سواء عندما جرى رفضها بالفعل، أو عندما اتضح أن الاستهلاك المرتفع في أميركا وأوروبا لم يكن ممكناً المحافظة عليه إلا من خلال زيادة أعباء الديون الخاصة والعامة.
وما نزال واقفين في البقعة ذاتها. فثقة الليبراليين الجدد باليد الخفية للسوق هي – مع الأسف – ليست أكثر سذاجةً، أخلاقياً وإيكولوجياً، عن قناعة معارضيهم بأننا، من خلال قراراتنا السياسية في البلاد، بمقدورنا - بعد ذلك - أن نجعل هؤلاء المليار إنسان قادرين على تبني ذات الرفاهيات التكنيكية ومعدلات الاستهلاك التي للمواطنين الأميركيين والأوروبيين. ومهما بدت الرؤية الأخيرة متعاطفة إنسانياً فمن الواضح أنها لا تقل بلاهة عن التصور القائل بأن الإنسانية، ذات يوم جميل، سوف تستعمر كواكب أخرى. لكن ما هي هذه الرسالة السياسية، التي نريدها تخلع عنها غِمامات (2) الخطابة التقليدية حتى تحمي، بشكل جدي، الاستعدادات للانهيار الاقتصادي المحتمل، وتحمي العدالة العالمية والاستدامة الايكولوجية؟
إن إهم ما يمكن أن نأمله في هذا الجدل السياسي هو أن يكون المطلب المشروع بتحكّم مجتمعي جماعي بالسوق منفصلاً عن الوعود بتصاعد المستويات الاستهلاكية. فالاستهلاك العالي لن يجعلنا أفضل صحة ولا أسعد حالاً. بالعكس، فقط من خلال خفض فائضنا الاستهلاكي في الولايات المتحدة وأوروبا يمكننا إنقاذ المناخ والبحار وبقية الغلاف الحيوي للأرض من التغيرات المدمرة، وفي الوقت نفسه نجعل من الممكن تحقيق توزيع عالمي أكثر عدالة للموارد. الى جانب ذلك، يبدو من الواقع الراهن أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتجنب تزايد المديونية و – بالتالي – تجنب الانهيار المالي الوشيك في كل العالم.
بطبيعة الحال نحن جميعاً ندرك أن الساسة اليوم بالكاد يمكن أن يكسبوا ناخبين لو أنهم وعدوا بخفض الاستهلاك. ولهذا فمن المرجح – مع الأسف – أن الوضع سيزداد سوءاً بكثير، مالياً و/أو إيكولوجياً، قبل أن تبدأ المناقشات السياسية بالتفكير بجدية في بدائل أخرى غير تلك الدوغمائيات التقليدية اليمينية/اليسارية. لكن لو أننا أردنا من الآن أن نبدأ بالتمعن في ما يمكن أن يعنيه طريق ثالث فيمكن أن نتعلم الكثير مما حدث بالفعل في بلد تلو الآخر، من الأرجنتين الى اليونان، عندما جرى تهميشها على يد السوق العالمي وواجهت أسئلة البقاء، تلك الأسئلة التي ظلت مجهولة لوقت طويل في الولايات المتحدة وأوروبا.
إن النمط الذي نراه يتكرر اليوم هو إدخال العملات المحلية، التي تعيد السوق من المضاربين الماليين الى عالم الناس العاديين – وضبط الاقتصاد تبعاً لحاجاتهم الأكثر أهمية. قبل ما يزيد على عشر سنوات أدرك الأرجنتينيون أن أموال البنوك هي خيالات يمكن أن تذوب في أية لحظة، وأن عليهم أن يبنوا بأنفسهم اقتصاداً بديلاً لتأمين بقائهم. وحتى عندما يتم - عادةً - نفي أزمات كهذه على اعتبار أنها موقتة، فإنها يمكن أن تعطينا إدراكات قيّمة ونحن نقف على أعتاب انهيار أكثر جذرية وحسماً من كل ما سبق. واليوم عندما تتهدد أمة بعد أخرى بالإفلاس فهل سيكون حتى على السويد أن تضع الخطة - ب؟ أم أنه بديهي أن تحافظ السويد في كل المستقبل القادم على وضعها في السوق العالمي؟ وكيف سيبدو عليه الاقتصاد البديل، الذي يؤمّن أساسيات بقائنا حتى لو اختفت أسواق التصدير؟ هل ثمة، من بين الآلاف من اقتصاديينا التي تنفق عليهم الدولة، واحد يجرؤ على التفكير خارج الأُطُر؟
لاحظ كارل بولاني في عام 1944 أن المنطق الفج للسوق «الذي ينظم نفسه بنفسه»، كان، عبر مجرى التاريخ، تارة يتحرر وتارة يقود عنانَه تقنينٌ مجتمعي معين مثل سياسة الرفاه الاجتماعي أو الاشتراكية. والآن حيث لا التفاوتات العالمية في الثروات، ولا أزمات البيئة، كافية لزعزعة إيمان اصحاب السلطة بالسياسة النيوليبرالية، فلعل الأزمات المالية يمكن أن تتبدى لهم أكثر تخريبية من كل ذلك. لكن بدلاً من أن يعود بنا البحث الى الوراء، حيث الرؤى التقليدية الاشتراكية أو الاشتراكية الديمقراطية عن التضامن الوطني، فإن مهمتنا هي أن نتصور أسلوباً مختلفاً تماماً لقيادة عنان السوق العالمي الفج. فلكي نكون، كأمة، قادرين بشكل مستمر على تكاليف رفاهنا الاجتماعي فليس شرطاً أن يتحقق هذا بإطلاق العنان للسوق (على حساب البيئة العالمية والفقراء)، ولا بمحاولة الانتماء الى اللاعبين الأكثر نجاحاً (مع آفاق غير مؤكدة، وتنازلات أخلاقية). بل يجب أن يكون الخيار على المدى الطويل هو التحصين، الى أكبر مدى ممكن، لحياة الناس وسبل عيشهم ضد تقلبات تدفقات رأس المال العالمي. وهذا بدوره سيعني أن أرغفة الخبز في مقاطعة سمولاند (السويدية) لن تصبح قابلة للتبديل بشاشة حاسوب في وول ستريت.
(ترجمة سمير طاهر)

هوامش

(1) الأقواس من الأصل. إن «مُعطي العمل» (arbetsgivare) هو المصطلح الرسمي في اللغة السويدية لما ندعوه في معظم البلدان العربية بـ«أرباب العمل». و«آخذو العمل» (arbetstagare) هو المصطلح الرسمي في السويدية للعاملين/ات. والكاتب هنا يستخدم التورية مشيراً الى «عطاء» و«أخذ» في الواقع وليس فقط في اللغة – المترجم.
(2) الغِمامة بكسر الغين: جلدة توضع على جانبي الفرس أو غيره لتمنعه من النظر الى جانبيه.

ولد الباحث والمفكر السويدي ألف هورنبورغ عام 1954. حالياً هو أستاذ الإيكولوجيا البشرية في جامعة لوند منذ 1993. صدرت له كتب: قوة الماكينة (2001 – بالإنجليزية). أسطورة الماكينة (2010). الإيكولوجيا العالمية والتبادل غير المتكافئ (2011).