بالرغم من الطنين المتزايد عن الاتحاد الأوروبي، قوته ودوره الاقتصادي والسياسي والاجتماعي دولياً، فإن حقيقته أسوأ من مظهره وقوته أقل من ضعفه. وربما من الدقة بمكان وضع الخريطة التالية له، بل لأوروبا:

ــ في موقعها من النظام الراسمالي العالمي، ليست أوروبا (جميعها ولا أقصد الاتحاد الأوروبي فقط) إلا شكلاً من الحكم الذاتي الممنوح والمضبوط من الولايات المتحدة بما هي الدولة المستقلة الوحيدة. وكمثال فقط، ففي العدوان البربري لاحتلال العراق 2003 شاركت معظم الدول الأوروبية، مثلاً تشيكيا بـ 100 جندي، وفي العدوان على ليبيا 2011 شارك طيران السويد والدنمارك. وهذه بغاث الدول فما بالك بالوحوش الكبيرة. أما بقية العالم فأشبه بمستعمرات للمركز الإمبريالي بمعزل عن مجموعة البريكس التي لم تشق طريقها كما يجب بعد.

ــ في بنيتها الداخلية، فأوروبا أربع مراتب أو كتل مراتب:
1- في الوسط أوروبا الغربية المتحكمة اقتصادياً وسياسياً وخاصة بقيادة ألمانيا والمرتبطة مباشرة بواشنطن عبر اندماج رأس المال ومن ثم السياسة.
2- في الجنوب أوروبا التابعة للغرب الأوروبي التابع بدوره للولايات المتحدة (اليونان إسبانيا والبرتغال).
3- وفي الشرق مستعمرات لأوروبا الغربية والولايات المتحدة مع وجود مكثف للأطلسي فيها أكثر من أوروبا الغربية والجنوبية بل وتحولها إلى قواعد أمامية عدوانية ضد روسيا ومعسكرات تدريب وتثقيف لصالح الثورة المضادة بألوانها البرتقالية والخضراء... الخ.
4- شمال اوروبا، السويد والدنمارك والنروج الملحقة في سياساتها الخارجية بالولايات المتحدة والتي لا تزال تحتفظ بنوع من الرعاية الاجتماعية افضل من دول الرفاه في اوروبا الغربية.
في هذا السياق، يجب ان نتذكر أن اوروبا لا تزال رغم تبعيتها للولايات المتحدة وبسبب تبعيتها للولايات المتحدة، لا تزال الدولة كدولة محمية من المواطن الذي يشعر بأنه مواطن، رغم نقدنا للديمقراطية الغربية. وشعور او قناعة المواطنة هذه ليست مجرد حقوق شكلانية، بل هي شغل ودخل معقول للطبقات الشعبية وحريات شخصية.
أسوق هذه الملاحظة لتأكيد أخرى ليس مجالها هنا، وهي أنه في الغرب بأجمعه، وحتى أوروبا الشرقية منه يجد المواطن ما يقنعه بان لا يتحول إلى مؤيد أو ممارس للإرهاب، بعيداً طبعاً عن حالات شديدة الفردية. أما طريق الاعتراض والرفض في الغرب فهي محسومة، حين نضجها، بالصراع الطبقي وليس بالإرهاب. وعليه، فمن يتم تجنيدهم للإرهاب في الوطن العربي من الغرب هم اساساً عرب ومسلمون وإن بجنسيات غربية. ولا شك أن حكومات تلك البلدان تعرف ذلك بل هي وراء تجنيدهم لهدفين: لتدمير الوطن العربي بدءاً بسوريا وللتخلص من هؤلاء. وفي حالة انتهاء العدوان على الأمة العربية، بأي منتهى وهذا مستبعد، فإن هؤلاء الإرهابيين او ذوي القابلية للإرهاب، سيتم طردهم بإسقاط الجنسيات عنهم. وفي حال تحولهم إلى خطر لن يتوانى الغرب عن رميهم في البحر كما يفعل بالمنتجات الفائضة كي لا يضرب سعر منتجاته. أو كما يحصل مع المهاجرين اليوم عبر ليبيا إلى أوروبا. لن يفرط الغرب برفاهيته من أجل ما أسماه هو حقوق الإنسان.
سيريزا بين الشعار والتطبيق
خلال حملته الانتخابية وفوزه في الانتخابات اليونانية الأخيرة، قال أليكسيس تسيبارس زعيم حزب سيريزا: «هذه المرة حررنا اثينا وغداً غزة». لم يكن أمامنا سوى أن نقول شكراً، ولم يخطر ببالنا بأن هذا الحزب وعبر معركته القاسية مع المعسكر الراسمالي العالمي لم يحرر اثينا! ولم نتصور أن ينخَّ للثلاثي «الترويكا» المتوحشة، صندوق النقد الدولي، اللجنة الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي. كما لو كان هو نفسه امتداداً لليمين، بلون يساري، الذي تبنى الليبرالية الجديدة ونهب البلد. كان يجب ان نتمكن من خبرة (الضوارب بالحصى وزاجرات الطير) كي نتوقع ذلك!
طبعاً كتب كثيرون عن شدة التفاوض وكالوا المديح لهذا الحزب اليساري الناشئ الذي يبدو مفعماً بالحيوية. ولكن كما يبدو كان الكثير من هذه الكتابات هي في التصريحات السياسية. وربما لأن تفاصيل المفاوضات من جهة والسياسات الداخلية التي اختطها الحزب الحاكم هذا لم تتوفر بسهولة. هذا رغم خطورة تحالفه مع اليمين المؤيد لحلف الأطلسي في تشكيل الحكومة الحالية.
بخلاف كل هذا كان موقف من يقرأون التجربة بالاقتصاد السياسي حيث هناك تتكثف الأزمة والاختبار ومن ثم الاختيار.
طبعا ساد تفاؤل بأن سيريزا سوف يغادر السياسة النيولبرالية التي أغرقت اليونان في المديونية والبطالة، وبأن الحزب سيتبنى سياسات بديلة ضد البطالة، سياسات ذات طابع اجتماعي تحمي المتقاعدين، وتوقف الخصخصة وترفع الأجور على حساب البنوك... الخ، اي تطبيق بيان سالونيك الذي دخل الحزب الانتخابات على اساسه.
فور تسلم الحكم قرر سيريزا الالتزام بدفع الديون التي راكمتها الطغمة اللصوصية السابقة والمصارف وأصحاب المصالح المالية والعقارية وهي 350 بليون دولار. والمهم ان هذه الديون لم تُنفق على قطاعات الإنتاج والخدمات الأساسية بما يكفي البلد ويؤهلها للتصدير، وبخاصة وقت الأزمات ومن ثم تسديد الأقساط، بل كان قد تم رصد أو تهريب ورصد مئات بلايين الدولارات في المصارف الأجنبية، او العقارات او جرى استثمارها في أسهم وسندات في الخارج وبالطبع تم تسجيلها ديوناً على الشعب أي تأميم هذه الديون.
لننتبه الآن، فقد أعلن تسيبارس فور نتائج الاستفتاء الشعبي برفض الشروط الأوروبية، بأن هذا لا يعني القطيعة مع الاتحاد الأوروبي!
كما أن قرار سيريزا البقاء في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، قبل الاستفاء وبعده، فهو قد أكد استعداده للتراخي ومن ثم الخضوع لشروطه. كما تحالف مع اقصى اليمين المضاد للمهاجرين والمحافظ على قواعد الناتو في اليونان وسياساته الخارجية بما فيها دعم الكيان الصهيوني. والطريف ان شعاره عن غزة معاكس بالمطلق لعضوية اليونان في الناتو!
قد لا يكون بوسع سيريزا إنجاز كل شيء في فترة قصيرة، ولكن اي نظام يساري في بلده مشكلة طبقية لا بد أن يقف في معسكر غير خاضع لراس المال سواء المحلي أو الأجنبي.
لعل اشد خيانة قام بها سيريزا تمثلت في عدم استعادة مدفوعات التقاعد، ولا الحد الأدنى للأجور، ولم يوقف برامج التقشف، ولم يزد صندوق التعليم، والصحة والإسكان... الخ.
لقد عانى اليونانيون من تخفيض مخصصات التقاعد التي قامت الترويكا بتخفيضها ثماني مرات، ومع سيريزا يطالبون بتخفيض اكثر. كما وصلت البطالة نسبة 30 بالمئة، ومع ذلك قرر فريق سيريزا الاقتصادي زيادة عمر التقاعد وتخفيض مرتب التقاعد 5% إضافي. وبدل ان يوقف الخصخصة واصل ذلك، وحول الموارد الضئيلة لصالح الجيش، ونهب صندوق التقاعد ليدفع الديون، واوقف الاستثمار في خلق شواغر عمل في البنية التحتية.
لقد زاد سيريزا من دعمه العسكري والسياسي للعدوان العسكري من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبخاصة للإرهاب في الوطن العربي بحجة حماية المسيحيين العرب! كما ساوم لصالح الصهاينة الأوروبيين المؤيدين بقوة للكيان الصهيوني. والسؤال هنا، هل هذه السياسات هي لإقناع الشعب بقبول الرضوخ الجزئي لشروط أوروبا؟ بمعنى وضع الشعب أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الركوع لشروط أوروبا والقبول الجزئي لهذه الشروط، اي أن الرفض التام ليس من أجندة سيريزا، وبهذا يحافظ الحزب على شرعية سلطته! تبين هذه السياسات والمواقف أن لسيريزا ثلاثة أهداف قادت برنامج الانتخابي ودوره في السلطة:
الأول: أن الهدف هو الوصول إلى السلطة وحين يتسلمها يصبح بوسعه نقض برنامجه عملياً وتغطية ذلك بالجملة الثورية.
الثاني: عدم اللجوء لخيار الشعب الذي يُفترض أن برنامجه منتمٍ إليه.
الثالث: تطويع الشعب عبر سياساته لإيصاله إلى أن الخروج عن الاتحاد الأوروبي محال، فها هي امامك ايها الشعب تجربة الليبراليين وتجربة اليسار لتثبت أن كل شيء ممكن إلا الخروج من الاتحاد الأوروبي، ونهج طريق الاعتماد على الذات لأن هذا طريق الصراع الطبقي.
كان بوسع سيريزا اللجوء إلى الشعب، والآن وبعد الاستفتاء صار بوسعه ذلك أكثر. فبوسعه رفض دفع الديون باعتبارها شكلاً نهبوياً بين بورجوازية بلاده والمصارف والدول الدائنة. وبوسعه الآن مع الدعم الشعبي وضع اليد على الاستثمارات الأوروبية في بلاده ولو بشكل تدريجي، وبوسعه وضع اليد على 32 بليون دولار هي املاك عقارية للقوات المسلحة لتشغيلها في مشاريع البنية الأساسية لاستيعاب قوة العمل العاطلة بكثافة، واستعادة الكثير من ما تمت خصخصته لصالح توسيع القطاع العام وتنشيط بنية قطاع السياحة بما هو المتبقي من قطاعات النشاط الاقتصادي في اليونان.
وبوسعه فرضا سريعا على هروب الأموال من البلد، وتقديم تسهيلات حتى لراس المال الخاص ذي التوجه الاستثماري، وفرض عملة جديدة دون ربط سعر صرفها بالعملات القوية، (ما فعلت ماليزيا قبل عشرين سنة) وهو القرار الذي أغضب آل غور نائب الرئيس الأميركي حينها لدرجة تحدثه بوقاحة! ووضع اليد على كثير من الأموال المرصودة بأسماء أجنبية.
إلى جانب توسيع قناة العلاقة مع روسيا، وهي ضربة إن حصلت ستكون رداً على ضربة أوكرانيا من الغرب ضد روسيا وستخلق فرصة لليونان مع سوق واسع للمنتجات الزراعية وللنشاط السياحي.
وبعيداً عن التفاصيل، فالسؤال هو:
هل سيلجأ سيريزا إلى خيار الشعب، وهو قاس ولكنه واعداً لليونان وجنوب اوروبا كذلك، بينما التزلف للاتحاد الأوروبي قاس وغير واعد؟
يبدو أن الحكمة توصلنا إلى أن خيار الشعب يحتاج إلى حزب شيوعي لا إلى حزب يساري.
بقي أن اشير إلى تشابه ما بين مصر واليونان. لم يكن شعار الخليط في مصر بقيادة السيسي شعاراً يسارياً ولم يكن له حتى برنامجاً ملموساً. ولكن وجه الشبه هو في ما يخص الدعم الجماهيري من جهة وعدم اختيار الموقف الجماهيري والمصلحة الشعبية او مصلحة الأكثرية من جهة ثانية.
فبينما يتنافس السيسي مع الإخوان المسلمين على التبعية لأميركا، ينافس سيريزا اليمين على البقاء في الاتحاد الوروبي ومنطقة اليورو! وبينما يؤكد السيسي الاعتراف بالكيان، يحافظ سيريزا على عضوية اليونان في المظلة الأطلسية التي تحمي الكيان. لم يبق على سيريزا سوى أن يمدح «عبقرية» سلفه الذي ورّط اليونان في ما هي فيه، كما فعل السيسي في دافوس حين تحدث عن عبقرية السادات في التصالح مع الكيان!
* كاتب عربي - فلسطين