لم تدّع الحكومة اليونانية أنها تملك الإجابة الكاملة على أسئلة اليونانيين، ولكنها على الأقلّ تركتهم يقرّرون ما إذا كانوا يريدون الاستمرار في سياسات التقشف أم لا. وهذه إن لم تكن ممارسة ديمقراطية بالمعنى المباشر (وهي كذلك رغم اعتراضات الشيوعيين التقليديين) فهي بالحدّ الأدنى تعبير حقيقي وغير صُوَري عن العلاقة التي ترغب هذه الحكومة في تكوينها مع الشعب. في هذه العلاقة يتكوّن شيء من الاحترام بين الطرفين، ويصبح التفويض الذي أُعطي للحكومة لمرّة واحدة أثناء الانتخابات صالحاً للاستعمال مجدداً ولكن بشريطة الوضوح في استخدامه، وهو الاختبار الذي يتعيّن على الحكومة اليسارية مواجهته.


بهذا المعنى فإنّ الحكومة لا تحتال على الشعب كما يقول بعض الشيوعيين التقليديين، ولا تهرب من استحقاقات الدفع عبر رمي الكرة في حضن الناخبين. وما تفعله ببساطة أنها تعيد ترتيب أولوياتها، فتضع القطاعات الناخبة موضع البرلمان الذي يُفترض به من حيث الشكل التصويت على الخيارات الاقتصادية، ثمّ تتعامل مع النتيجة كجهة منفّذة فقط، وبذلك تكون قد ضمنت حرية الاختيار لخصومها قبل ناخبيها وحلفائها، وتخلّت عن دورها كوصية على التمثيل البرلماني الذي أُقرّ لها بموجب الانتخابات التشريعية الأخيرة.
هذا النقاش لا يتعلّق بفحوى الاستفتاء الذي اختار اليونانيون بموجبه رفض الصفقة التي أقرّتها ترويكا الدائنين للبلاد بقدر ما يضع خطوطاً عريضة لآلية الاحتكام المتكرّر للشعب من جانب هذه السلطة أو تلك. وفي حالة سيريزا فإنها آلية تسمح بتوسيع هامش الديمقراطية وجعلها تعبّر ليس فقط عن الخيارات السياسية للناخبين، بل أيضاً عن خياراتهم وانحيازاتهم الاقتصادية. وهو أمر نادر لأنّ الخيارات الاقتصادية ليست من ضمن الأمور التي تسمح الآليات الانتخابية الليبرالية بالاستفتاء عليها أو تركها للطبقات الاجتماعية المختلفة. وهذا كلّه يصبّ في مصلحة الأحزاب اليسارية الجديدة التي عرفت كيف تحافظ على برنامجها الاقتصادي الجذري بالتوازي مع توسيعها لهامش المناورة السياسية التي سمحت لها بالوصول إلى السلطة وتكوين قواعد جماهيرية عريضة «لم يعرفها اليسار طيلة تاريخه المعاصر». وهي إذ تُجدّد عبر الاستفتاء الأخير شرعيتها الشعبية تعرف أنها بهذا التجديد إنما تفتح أُفقاً أمام عودة اليسار القديم إلى الواجهة، لعلّه ينجح هذه المرّة في الاختبار الجماهيري الذي لم يكسبه ولو مرّة واحدة في العقدين الأخيرين.
* كاتب سوري