ما زالت ترد الأنباء والأخبار السورية التي تفيد بعودة بعض المعارضين السوريين إلى الداخل السوري وكنف الدولة السورية، وإدلائهم بتصريحات صحفية أو بيانات ينشرونها لتخليهم عن النهج المعارض (السائد) منذ سنوات في صفوف المعارضة، والذي اكتشف مؤخراً هؤلاء المعارضون أنه يؤدي الى تفتيت وتجزئة وتقسيم سوريا والى إضعاف بناها الداخلية ومؤسساتها الضامنة.


وسادت الأوساط السورية نقاشات حادة حول الطرق المثلى في معاملة العائدين الجدد الى حضن الوطن، وهل يجب أن تفتتح لهم صالات الشرف كما افتتحت للاعب كرة القدم فراس الخطيب، أو أن تقام للقادم مؤتمرات صحفية كبرى كما أقيمت للشيخ نواف البشير ليعلنوا فيها تبرؤهم من النهج المدمر للمعارضات السورية الذي غطى عمليات تدمير سوريا عن طريق التحريض والادعاء أن «أنصاف الثورات كوراث» وأنه «لكي تصنع العجة يجب أن تكسر البيض».
منذ بدء هذه اللوثة المجنونة وحروب الفجار على سوريا كنا ضنينين بكل قطرة دم تسفك من دم السوريين، وكنا ضد كل حالات التحريض على القتل والتشفي والانتقام واستخدام بازارات الدم السوري «ولو بشطر كلمة». وحذرنا من أن الحرب ستحرق السوريين وستنتهك حرمهم في درس غباء مكرر ما زلنا نشاهده ينتقل من قطر عربي إلى آخر، وسيكون السوريون وقود هذه الحرب من دمائهم وأرزاقهم وأملاكهم ومستقبل أولادهم، عبر تفكير دموي انتقامي يصدر عن عقول كبيرة بشهادات عليا (!) لكنها مضطربة إجرامية أصابتها فيروسات الوحشية والحيوانية والذرائعية، وتتعجب في كل مرة: أهؤلاء كانوا يعيشون بيننا؟!، وهل سنستطيع أن نعيش معهم في المستقبل؟! ففي حين تقوم عقول راجحة وهمم وثابة وقلوب مخلصة لأناس سوريين حقيقيين شرفاء يضعون دماءهم على أكفهم باستنقاذ أرواح السوريين من مناطق النزاع الساخنة، وإعادتهم الى الجهاد الصحيح في الحياة والعمل في مناكبها، في مصالحات وطنية تعيد سوريا لألقها وجمالها، وتسترجع حيوية شعبها من سنوات الضلال السوداء، أصرت طبول وطنابر و«طنبرجية» على شكل عقول فارغة وقلوب آثمة وجوقات مستأجرة حاقدة غبية وأفواه واسعة كأوكار الحيات والثعابين بالضجيج والصراخ من بعيد (!) والفحيح، واجترار الأحقاد القديمة والغرائز الحيوانية، وحرضت بإعادة الدروس الثورية السابقة وأخذ الثارات النائمة، وتغذية روح الانتقام الثورية، وكأنهم لم يشبعوا ولم يتعظوا ولم يكتفوا من دماء السوريين وخراب بيوتهم وتشريدهم وانتهاك أعراضهم (!)، (وجلسوا يتذاكرون أيامهم في الجاهلية، ويتلون أشعارهم القديمة الحماسية، فركبوا خيولهم وأغاروا على أولاد أعمامهم بني تغلب، فسبوا ونهبوا وقتلوا وأعادوها كرةً أخرى). إن ما رددناه طويلاً في مواجهة هؤلاء المعارضين من ضرورة الابتعاد عن نبش الأحقاد وعدم تحكيم الغرائز وعواطف الكره والانتقام، يبدو أننا بحاجة لإعادته مرة أخرى لكل السوريين تحت أكناف الدولة السورية، المنتشين بحالة الانتصار والخلاص والنجاة التي تبدو سوريا الآن على أبوابها. الحزن، الخوف، غياب الأمن، الإحباط، القنوط ،اليأس، الغربة، النزوح ،اللجوء، المذلة، مغادرة الأهل، القهر المتفاقم هي بعض المشاعر المتنقلة والمظالم التي انتشرت في سوريا واجتاحت كل حيوات السوريين خلال السنوات العجاف السابقة، بكل الفئات وكل الجبهات وكل المشارب وكل الأماكن، (قد) تبدو عقبات كأداء أمام مستقبل سوريا القادم، فهل سيفهم السوريون العظات من ذلك؟ تساؤل نقدمه لأصحاب المطامع والأحقاد وأصحاب غرائز القتل والانتقام ومحبي الإقصاء والاستئثار وجوقات الأوهام والأحلام وطروحات المضللين ومن كل الأطراف!
لمن يسأل عن الحل والاستحقاق السوري، فإن ثورة حقيقية مطلوبة في:
ــ الندم ثم الحب والتسامح والغفران وعدم اجترار الأحقاد، وتقيؤ الكراهية والتعصب والتمذهب والطائفية وكبت شياطين الانتقام. هذه استحقاقات السوريين المنجية من الانحلال والزوال في كل لحظة وفي كل يوم ولأبد الآبدين. قلنا وما زلنا نقول إن تحدي القادم من الأيام للدولة السورية هو انتزاع البيئات المقهورة المغتصبة في الأرياف السورية من سطوة المسلحين والمتطرفين (وهم أكثرية مطلقة ولا صحة لنظرية البيئات الحاضنة فيها)، وعدم تحويلهم لجحافل من النازحين واللاجئين والمهاجرين إلى دول التآمر المجاورة لاستخلاص مسلحين وإرهابيين جدد من بينهم، يغذونهم بالحقد ورغبات الانتقام صباح مساء.
ــ يجب بناء ثقة جديدة بين الدولة السورية وسكان أريافها بمزيد من المصالحات والتعامل بالحسنى والتقدير ضمن سقوف وطنية مرتفعة وحضن وطن يتسع لأبنائه، ويجب هنا أن يلعب المجتمع المدني دوراً هاماً في جسر هوة الثقة بين الدولة وسكان الأرياف الذين خضعوا لسلطة المسلحين وسطوتهم لسنوات طوال.
ــ يجب التركيز على طرق الدولة السورية الراسخة في التعامل وفق القوانين والأنظمة الحاكمة، وإن كنا أقرب إلى تحكيم حالات المسامحة والغفران وتحكيم مبادئ وقيم المصالحات الوطنية والوئام المدني، شأن معظم المجتمعات الخارجة من صراعات المصير وامتحانات معموديات الحديد والنار، والتجربة الجزائرية فيما تلى عشريتها السوداء تقدم الكثير.
إن تحرير البلدات والقرى في الريف السوري سيحتاج إلى عودة الأهالي. فمنظر حشودهم الكبيرة عند المعابر الحدودية لن يسر إلا أعداء ‏سوريا‬، والذين يروجون الأكاذيب عنها، وعمليات تأمين الأهالي داخل بلداتهم من جديد لن يحدث إلا بثقة ومصالحات صادقة (...)، وإلا سيصب ذلك التعامل بالمجموع والتصنيف الكتلي المصمت (مثل أن القرية الفلانية «إخوانية» وأن البلدة العلانية معادية وأن أهل منطقة كذا إرهابيون...) في مصلحة حاقدين جدد وجولة حقد وانتقام مقبلة تظل تعتمل تحت الرماد والسطوح الرائقة! وقبل أن نتهم أخوتنا الفلسطينيين والأكراد وبعض العرب بعدم الوفاء وعض الأيدي التي ساندتهم والتنكر لأفضال سوريا على العرب والإقليم، يجب علينا التوقف طويلاً عند ما فعلته أيدينا بهذا الوطن المشرف، وكم خرج من بين ظهرانينا مناضلون مستأجرون ونخب مخترقة قابلون للتبعية والاستعمار ومثقفون خونة ومرتزقة سوريون (!) مستعدون لرهن بلدنا لأي محرر غريب قادم (!) قاموا بتقديم أرواق اعتماد لكل العالم الحر والمستعمر ولعق أحذية الصهاينة ذاتهم ليعودوا في قوافلهم يجرجرون قاطراته ويطربون لسنابك خيله ولجوقاته الرهيبة. عندما نحول بلدنا لنهب مستباح وملك داشر، يجب ألا نلوم من يهجم عليه لأخذ حصته بقصد الدفاع عنها أو لتحقيق مصلحته الخاصة، ويجب أن نتوقف عن وصف الناس بالخونة وكل يوم يخرج من بيننا من هو مستعد أن يتحالف مع الشياطين الزرق من أجل أوهامه وأحلامه حتى لو هدَّ المعبد على رؤوس الجميع. نحن أنفسنا ــ يا قراءنا الأعزاء ــ من كسرنا باب قلعتنا وعلينا أن نحتمل كل ما تأتي به العاصفة!
لذا يجب علينا المراجعة بهدوء وصمت، لأن واقعنا بالفعل مؤلم جداً ولأن المطلوب كثير جداً من التفكير والتبصر والندم والعمل الحثيث. لن يفيد السوريون بعد اليوم ذلك الكلام الهاذر غير المجدي والذي يربي الأحقاد والكراهية ويعزز شعور الانتقام والفرقة. لنهدأ قليلا ولنتكلم بالعقل والمنطق بعيداً عن العواطف الجياشة والرؤوس المحمومة والغرائز الملتهبة، وبعيداً عن إلقاء التهم الجاهزة على الغير وتبرئة ساحاتنا من الخطأ والزلل البسيط وتقديس ذواتنا المتضخمة أو غاياتنا المتخيلة أو النوم المريح في شعاراتنا الكبيرة. يجب علينا أن نتوقف عن قذف الآخرين بالخيانة أو الانتهازية السياسية والأخلاقية ــ وإن كانت فيهم ــ يجب أن نفضل الصمت والعمل على أخطاء الذات ومثالبها والنظر في كيفية تصحيحها وإعادة تقويمها من جديد، وقبل أن نرمي إخوتنا الآخرين بخلاصات قهرنا وصدمتنا من طريقتهم المكشوفة في طعن الوطن والإساءة إليه التي تشبه الخديعة المستعادة المعروفة كالدرس المكرر.
اليوم تبدو سوريا وحلفاؤها في محورها المقاوم وفي قطبها العالمي الصاعد كمن يملك كل الخيارات. وهم يخوضون معاركهم المصيرية كمن يجاري أعداء سوريا في سباقات المسافات الطويلة والمارثون، وعلى السوريين وهم يجرون في هذا السباق الطويل من النضال والكفاح في وجه الغطرسة والتسلط العولمي الجديد أن يدركوا أن الكلف البشرية والمادية التي دفعت لهذا الاستحقاق باهظة غالية، وأن التفكير بالانسحاب والانكفاء وسوريا ما زالت في جولاتها الأخيرة يعد خيانة غير مشروعة، وأن على السوريين التحلي بالصبر والمثابرة والمجالدة وعدم التحول لأرانب سباق محبطة يائسة؛ تحملوا كل المصاعب وبذلوا كل الجهد وعندما يقتربون من خط النهاية ينسحبون، ويبكون على اللبن المسكوب والوطن المضيع والفردوس المفتقد!
* كاتب سوري