إذا لم تكن «الأربعمائة» كلمة التي كتبها السيد علاء اللامي رداً على ردّي عليه حول صلاح الدين الأيوبي (ضحية الهجاء الطائفي المذهبي) تمثّل رداً فماذا تكون إذاً؟!

من الطبيعي أن ننتقي بعض النقاط عندما نرد على مقال أو كتاب حيث لا يمكن الرد كلمة بكلمة حتى ولو كنا نؤلف كتاباً.

خبر طيب ساقه اللامي بقوله: «إن مقالتي موضوع الرد هي مقدمة أو جزء واحد من دراسة طويلة قسّمتها إلى خمسة مقالات، وقد تنشر في جزأين أو أكثر قريباً في «الأخبار» ومجلة الآداب». وأنا أقول له إن مقالي يشكّل خلاصة أربع كتب وعدة مقالات حول جريمة إسقاط الحضارة الفاطمية التي ارتكبها يوسف بن أيوب بالتحالف مع العباسيين والفرنج وربما مع اليهود.
في سنة 2005، افتُتح موسم الدفاع عن «البطل المظلوم» صلاح الدين رداً على كلمة وردت في إحدى مقالاتي مفادها أن مصر فقدت قوتها الناعمة عندما أقدم السيد صلاح على إلغاء دورها كحاضرة لدولة إسلامية كبرى وقام بتحويلها إلى ولاية تابعة للدولة العباسية المنهارة شكلاً وموضوعاً في هذا الوقت.
قامت الدنيا ولم تقعد، ودُبجت مقالاتٌ وكتبٌ دفاعاً عن البطل (الفقير المظلوم) الذي فرض على مصر نظام الإقطاع العسكري حيث منح نفسه الفيوم بأرضها ومائها طعمة له، وتحول الفلاح المصري إلى عبد قرار لا يرجو أن يباع أو يشترى حسب وصف المقريزي، ومن ضمنها كتاب اسمه «صلاح الدين بين التاريخ والأسطورة» صدر في عام ،2007 حيث يقول المؤلف الدكتور: «دفعني لتأليف هذه الدراسة ما لاحظته خلال الأعوام الأخيرة من ظهور دراسات تميل إلى غير الموضوعية في عرض تاريخ الرجل صدرت من جانب بعض الباحثين غير المتخصصين وهي دراسات تتراوح بين الإعجاب المفرط والهجوم العنيف وبالتالي تأرجحت الموضوعية التاريخية الواجبة والملزمة بين الفريقين».
يمكنك أن تلاحظ النغمة نفسها عن الموضوعية التاريخية الواجبة التي يمدح بها الكاتب نفسه (أنا الموضوعي وأنتم لا شيء!).
يقول الدكتور المتخصص في غمرة إشادته بانقلاب يوسف بن أيوب على الدولة الفاطمية «لا بد هنا من الإشارة إلى أن ذلك صاحبه ما يمكن وصفه بكارثة ثقافية في صورة تبديد مكتبة القصر الفاطمي التي يقال إنها احتوت على مليون وستمائة ألف كتاب، منها مائة ألف مخطوط منسوبة وهو رقم ضخم بكل المقاييس في عصر لم يعرف آلة الطباعة ولا الكتابة الالكترونية وقد تم القضاء عليها وبيعت على الأرصفة بأرخص الأسعار، وقد اعتقد صلاح الدين الأيوبي أن تلك أفضل وسيلة للتخلص من تراث أعدائه الفواطم، غير أن مثل تلك المكتبة الضخمة كان من الممكن التعامل معها بصورة أفضل وأرقى مثل حصر ما فيها وفصل الصالح من الطالح من الكتب لا أن تبدد على ذلك النحو خاصة أنها مثلت تراثاً إنسانياً يصعب تقدير قيمته العلمية».
«ربما ويقال وما يمكن وصفه بكارثة ثقافية!». كارثة وليست بالكارثة!
طبعاً من وجهة نظر الأستاذ اللامي فالتذكير بهذه الكارثة وغيرها يدخل ضمن ما يصفه بالهجاء المذهبي وحملات التشنيع، ولم يبق إلا أن يُدرج الأمر ضمن مؤامرة تديرها الكتائب الالكترونية التابعة للموساد!


وصف الدولة الفاطمية بالاستبدادية وكأن هذا مسوغ لتدميرها
فهو مزحة

جريمة تدمير وإبادة ثقافية وحضارية كبرى تفوق ما ارتكبه «داعش» في العراق، لا أحد يذكرها رغم أن الحكومة المصرية أعادت بناء مكتبة الإسكندرية لتنفي (فرية) إحراق عمرو بن العاص لها، أما مكتبة القاهرة فلا بواكي لها لأن الاعتراف بها رسمياً يعني الإقرار الرسمي بهذه الجريمة الكبرى.
عندما أراد الفيلسوف المصري الدكتور زكي نجيب محمود أن يكتب عن جابر بن حيان لم يتمكن من العثور على ما يكفي من مصادر عربية حيث يقول في كتابه «جابر بن حيان»: «أصعب تلك الصعاب هو أن ليس بين يدينا إلا عدد قليل من مؤلفات جابر التي يعدونها بالمئات وأما بقيتها فهي مبعثرة في مكتبات أوروبا» (جابر بن جيان، زكي نجيب محمود، مكتبة مصر، ص 5).
كما يوجّه زكي نجيب محمود التحية لذكرى «بول كراوس، الذي لولا ما قدم لنا من مخطوطات جابر التي قام بجمعها من مختلف مكتبات أوروبا ونشرها في كتاب (مختار رسائل) جابر بن حيان وذلك بالإضافة إلى مجلدين ألّفهما في جابر تحدث فيها بصورة مستفيضة عن كتبه ومذهبه ولولا هذه الآثار العلمية الجليلة لكانت الكتابة عن جابر بن حيان ضرباً من المحال» (المصدر السابق، ص 9).
السؤال هو: لماذا ذهبت مؤلفات جابر بن حيان إلى مكتبات أوروبا وهل قامت هذه المؤلفات بعبور البحر الأبيض المتوسط طلباً للجوء أم أنها دُمرت وهُرّبت بفعل فاعل؟!
الجواب يمكن العثور عليه في كتب التاريخ والنقل عن كتابنا «المصريون والتشيّع الممنوع»، نقلاً عن كتاب «الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية» لأبي شامة المقدسي:
«ومن جملة ما باعوه خزانة الكتب وكانت من عجائب الدنيا فلم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من تلك الدار التي بالقاهرة في القصر ومن عجائبها أنه كان بها ألف ومائتان نسخة من تاريخ الطبري ويقال إنها كانت تحتوي على ألفي ألف وستمائة ألف كتاب (2 مليون و600 ألف)، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة وحصل للقاضي الفاضل قدر منها كبير حيث شغف بحبها وذلك أنه دخل إليها واعتبرها فكل كتاب صلح له قطع جلده ورماه في البركة على أنها مخرومات ثم جمعها بعد ذلك ومنها حصل ما حصل من الكتب»، ص 507.
قال العماد «وأخذت ذخائر القصر ومن جملتها الكتب فإني أخذت منها جملة في سنة 572 وكانت خزائنها مشتملة على قريب 120 ألف مجلدة مؤيدة من العهد القديم (أين هي؟) وفيها بالخطوط المنسوبة ما اختطفته الأيدي واقتطعه التعدي وكانت كالميراث مع أمناء الأيتام يتصرف فيها بشره الانتهاب والالتهام ونقلت منها ثمانية أحمال إلى الشام وتقاسم الخواص بدور القصر وقصوره وشرع كل من سكن في تخريب معموره»... ثم يقول بعد ذلك: «وعفى الآثار القديمة واستأنف السنن الكريمة والله أكبر وجاء الحق وزهق الباطل!». أي أن هذا الإجرام والتخريب هو السنن الكريمة وهو الحق وغيره الباطل!

ما هو الهجاء المذهبي؟!

أزعجنا الأستاذ اللامي بكلامه عن الهجاء المذهبي، رغم أن الانتماء المذهبي أو القبلي ليس سبة أو نقيصة يعاب بها المرء ما لم يخرجه ذلك عن حق أو يدخله في باطل. ورغم أن جحافل الوهابية لا تكف عن التشنيع بالشيعة واتهامهم بتسليم القدس للصليبيين وأن «من سلم القدس لا يمكنه أن يستردها» وغيرها من التهم الباطلة التي توجه لطائفة بأسرها، فنحن متهمون بالهجاء المذهبي وكأن المطلوب منا أن نشيد بمن ذبح أجدادنا وأخرجهم من ديارهم حيث هم مشتتون الآن بين اليمن والهند وشرق أفريقيا. أما الأغرب من هذا فهو اتهامنا بالنزوع العنصري المرفوض إنسانياً لأنه يكرر اتهامات عنصرية وذاتية سلبية وحاطَّة من كرامة الإنسان، كـ«سوء أخلاق وطباع العبيد» لأنهم عبيد!
أن يكون العبيد بشراً فهذا مؤكد، أما أن تشتري الأمة بأموالها عبيداً ليقوموا بحكمها فهذا هو العجب العجاب!
أما وصف الدولة الفاطمية بالاستبدادية وكأن هذا مسوغ لتدميرها فهو مزحة أخرى، لأن جمهورية أفلاطون لم تكن موجودة يومها ولا حتى هذه اللحظة لنقف معها ضد الظلم والاستبداد! ما زال بعض العرب يمارسون هواية تحقير الذات واسترضاء القتلة والجلادين ويرفلون في نعيم جمهورية أفلاطون الدين الأيوبي التي جعلتهم ملطشة الأمم.
* كاتب مصري