طرحوا ويطرحون، في الولايات المتحدة الأميركية سؤالاً غريباً، هو: لماذا يكرهوننا؟ والأغرب من طرحه هو تجاهلهم الإجابة الصحيحة عنه، على الرغم من بيانها ووضوحها.

في المقابل فإننا في المنطقة العربية والشرق-أوسطية نتساءل أيضاً، ما هو السر وراء السياسة الخارجية الأميركية، والرغبة الدائمة في العبث باستقرار الدول الأخرى، الأمر الذي قاد إلى كوارث وصراعات وحروب، وأدى في النهاية إلى تصاعد الكره لها؟!

لا شك لدينا بأن الدول لا ترتبط في ما بينها بعلاقاتٍ عاطفيةٍ، بل بعلاقاتٍ تؤدي إلى حماية مصالح كل دولة. وهذه نقطة يتفق عليها الجميع، فمن واجب كل دولة احترام مصالح الدول الأخرى.
ولكن لماذا تؤدي المعالجة والمقاربة الأميركية في تحقيق مصالحها إلى خلق التوترات والنزاعات وخرق خصوصية الدول الأخرى وسيادتها؟! أفلا يمكن تحقيق هذه المصالح مع المحافظة على علاقات الاحترام والصداقة؟! هل القضية مرتبطة بماهية المصالح الأميركية نفسها، أم بآلية تحقيقها، أم بالاثنين معاً؟
في الواقع، لا تتسع مقالتنا للخوض في تحليل جميع جوانب السياسية الأميركية، إذ تتطلب الإجابة عن الأسئلة السابقة كتباً ومجلدات، لذلك سنحاول التركيز في الإجابة على الجوانب المتعلقة بـ«المسألة الإيرانية».
ففي الوقت الذي بدأت فيه الأزمة السورية بالدخول في مرحلة التلاشي والانحسار، خاصة بعد تحرير مدينة حلب وتوقيع اتفاق مناطق خفض التصعيد، شهدنا نشاطاً أميركياً متزايداً، عنوانه العام هو استعداء إيران. ويتجلى ذلك بجملة من الخطوات، أهمها: الصفقات الكبيرة للأسلحة مع السعودية، المساعي الأميركية لخلق منطقة عسكرية كبيرة في التنف تعزل إيران عن سوريا، وأخيراً محاولات الخروج من الاتفاق النووي.
ولكي نستطيع فهم السلوك الأميركي والتنبؤ بمآلات الأوضاع في المستقبل، لا بد من إجراء تقويم اقتصادي وعسكري وسياسي للظروف الراهنة، خاصةً للدول المرتبطة بالحالة الإيرانية.
وفقاً للبيانات التي قدمها مكتب التحليل الاقتصادي، التابع لوزارة التجارة، فقد سجل الاقتصاد الأميركي، في عام 2016، نمواً بحدود 1.6% فقط، وهو الأسوأ في السنوات الخمس الأخيرة. ولقد تعهّد ترامب خلال حملته الانتخابية في عام 2016 بأن يرفع معدل النمو هذا إلى 4%، على الرغم من أن تحقيق معدل نمو بنحو 3% يُعَدّ أكثر واقعية من وجهة نظر الخبراء الاقتصاديين. وفي الربع الأول من هذا العام استمر النمو الاقتصادي في هبوطه ليصل إلى 1.2%، فيما شهد الاقتصاد الأميركي انتعاشاً ملحوظاً في الربع الثاني، حيث وصل إلى معدل النمو إلى 2.6%. ولقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 18.287 تريليون دولار في الربع الرابع من عام 2015، و18.905 تريليون دولار في الربع الرابع من عام 2016، أي بزيادة قدرها 618 مليار دولار، أما في الربع الثاني من عام 2017 فلقد بلغ نحو 19.227 تريليون دولار.


لكي نستطيع فهم السلوك الأميركي، لا بد من إجراء تقويم اقتصادي وعسكري وسياسي للظروف الراهنة

في أيار الماضي وقّعت الولايات المتحدة مع السعودية صفقات أسلحة بمئات مليارات الدولارات، ولقد وصف العديد من المراقبين هذه الصفقة بأنها الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة. مما لا شك فيه أن البيع المباشر للأسلحة والمعدات العسكرية سيؤدي إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي. فإذا علمنا أن الصفقة الأخيرة وحدها قد بلغت 110 مليارات دولار، وهذا يشكل أكثر من 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني لعام 2017، ونحو 17.8% من مجمل زيادته السنوية، وتحديداً بين عامي 2015 و2016، نفهم مباشرةً الأهمية الاقتصادية البالغة لهذه الصفقة.
وبالعودة إلى نوعية الأسلحة، تبين أن الصفقة الأخيرة التي أبرمتها السعودية مع الولايات المتحدة، والصفقات السابقة أيضاً، تتضمن الأسلحة الآتية: منظومات دفاع جوي صاروخية من نوع ثاد THAAD وباتريوت Patriot ضد الصواريخ البالستية، مناطيد، دبابات، عربات مدرعة للمشاة، مدافع، مروحيات، سفناً حربية، زوارق... إلخ. هذا بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة ستساعد السعودية في تحديث قواتها الجوية، وتطوير أنظمة الملاحة، وتزويدها بطائرات نقل وطائرات استطلاع. وخلاصة القول، أن الولايات المتحدة تسعى إلى تسليح السعودية بكل الأسلحة النوعية التي تضمن لها السيطرة التكتيكية والعملاتية في أي حرب مقبلة.
في الواقع، تقف إيران في وجه السياسات الأميركية في اليمن وسوريا ولبنان وفلسطين، كذلك فإنها تدعم حركات المقاومة ضد إسرائيل في لبنان وفلسطين المحتلة، وهذه المواقف السياسية كانت كذلك قبل توقيع الاتفاق النووي واستمرت بعده، لذلك تُعَدّ إيران عقبة كؤوداً في وجه الولايات المتحدة.
بعد توقيع الاتفاق النووي، تسعى إيران جاهدة إلى زيادة صادراتها من النفط والغاز، والبحث عن أسواق جديدة، بهدف توفير موارد مالية للخروج من أزمتها الاقتصادية وتقليص العجز في الميزانية. وأهم الدول المستوردة للنفط الإيراني الخام، هي: الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. أما بالنسبة إلى الغاز، فتحتل إيران المرتبة الثانية، بعد روسيا، من حيث حجم الاحتياطي العالمي، وتُعَدّ تركيا وأرمينيا وأذربيجان أكبر مستوردي الغاز الإيراني. فضلاً عن ذلك، تسعى إيران إلى مدّ شبكة من خطوط الغاز مع الدول المجاورة، تساعدها في الظهور كمصدّر كبير ومؤثر في السوق العالمي للغاز.
وهكذا، فإن تعافي الاقتصاد الإيراني، إضافةً إلى التقدم التكنولوجي المطّرد، سيجعل من إيران قوة كبيرة قادرة على فرض سياساتها والتأثير في مجمل القضايا الإقليمية، في منطقة شديدة الحساسية تمتد من طهران إلى بيروت وصنعاء، مروراً ببغداد ودمشق، وفي هذا المنطقة الحيوية تتمركز معظم المصالح الأميركية والغربية.
في الحقيقة، يشكّل تأجيج الصراعات وخلق بؤر التوتر إحدى الآليات الجيوسياسية التي تتبعها الولايات المتحدة الأميركية في تحقيق مصالحها، لذلك فهي تسعى جاهدةً إلى تحريض الخلافات بين إيران والدول العربية، ولقد أدّت هذه المساعي إلى تشكيلِ تحالفٍ جديد باسم «الناتو العربي» بقيادة السعودية. وبهذه الطريقة تستطيع الولايات المتحدة ضمان أم الكيان الصهيوني من جهة، وإلهاء الشعبين الإيراني والعربي بصراعات جانبية لا ناقة لهما فيها ولا جمل من جهة ثانية، إضافةً إلى التحكم بسوق النفظ والغاز والأسلحة أيضاً.
ولقد بدأت الإدارة الأميركية بمحاولة التنصّل من الاتفاق النووي مع إيران، في ما يبدو وكأنه مقدمة للبدء بتنفيذ هذه المخططات الخبيثة. فهل تستغلّ الولايات المتحدة الخلافات المذهبية والقومية في منطقة الأهواز لإشعال هذا الصراع، أم أنها ستنطلق من الشمال الإيراني، في منطقة الحدود الإيرانية - الأذربيجانية، باللعب على الوتر القومي؟ وما هو الدور المحتمل لدولة قطر في ذلك؟
نرجو أن لا تقع الدول العربية عموماً، والخليجية خصوصاً، في الهوة الفاسدة والسحيقة للصراعات المذهبية والطائفية، فقدر العرب وإيران أن تجمعهم جغرافية واحدة، كذلك إن المشتركات الثقافية والتاريخية والمصالح الجيوسياسية بين العرب وإيران أكثر بكثير منها بين العرب والولايات المتحدة. علاوة على ذلك، إن انزلاق المنطقة، غير المستقرة أصلاً، باتجاه أي صراع إقليمي جديد سيؤدي إلى كوارث إنسانية على الجميع، والمستفيد الوحيد منه هو الولايات المتحدة الأميركية والعدو الصهيوني، ويكفي أن نذكر في هذا السياق الحرب العراقية - الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، التي جرّت الويلات على الشعبين العراقي والإيراني.
حقيقةً، لا ندري تماماً من أين ستكون البداية، وكيف ستكون سيرورة الصراع في المستقبل، إلا أننا نتمنى أن لا تأتي هذه البداية أبداً!
* كاتب سوري