ذكّرنا إجلاء طاقم السفارة الإسرائيلية من العاصمة الأردنية، أواخر الشهر الماضي، بالمحاصرة الشعبية للتواجد الدبلوماسي والمدني الإسرائيلي في مصر. فيعتكف السفير الإسرائيلي لدى القاهرة ديفيد جوفرين منذ كانون الأول من عام 2016 في تل أبيب، لأسباب يستشف منها الغضب الإسرائيلي على سطحية العلاقات الشعبية المصرية ــ الإسرائيلية وحتى الرسمية، فيما يتهم جوفرين في أحد تصريحاته في إسرائيل، النظام المصري بأنّه «يفضل عدم قيام تعاون اقتصادي ومدني مع إسرائيل لأسباب سياسية داخلية»، مؤكداً أنّ «التعاون بين الدولتين تقلص جداً في الأعوام الأخيرة بسبب الربيع العربي، وبسبب حادث الاستيلاء على السفارة الإسرائيلية في القاهرة». وتعزو بعض التحليلات سحب السفير الإسرائيلي إلى تعارض وجهات النظر بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو.


وليس الحال أفضل في عمّان، حيث لاقى الاعتداء الجنائي الإسرائيلي الذي قام به حارس أمني في السفارة الإسرائيلية وأدّى إلى مقتل أُرْدُنِيّين، ردود فعل شعبية ورسمية عارمة طالبت بالانسحاب من اتفاقيّة وادي عربة وبمحاكمة عنصر الأمن الإسرائيلي في عمّان، وأظهرت السخط الشعبي الكامن في الطبقات الاجتماعية الأردنية رغم اتّفاقية السلام الموقعة بين الأردن وإسرائيل عام 1994. وعقب ذلك، انسحاب طاقم السفارة الإسرائيلية والسفيرة عينات شلاين وعنصر الأمن الإسرائيلي مرتكب الجريمة، بعدما أحرج النظام الأردني في كيفية التوفيق بين المطالبة الشعبية بتوقيف القاتل وأخذ إفادته ومحاكمته، والالتزام بمقتضيات المعاهدات الدولية التي تنظم شؤون الدبلوماسيين الأجانب، إلى أنّ توصلت الاتصالات إلى صفقة ينسحب بموجبها الطاقم الدبلوماسي الإسرائيلي من عمان مع القاتل، دون خضوعه لأخذ إفادته رسمياً. وجاء ذلك مقابل إعادة الوضع إلى مداخل المسجد الأقصى إلى ما قبل عملية «الجبارين» في 14/7/2017، أي إلغاء الإجراءات التي استحدثتها قوات الاحتلال لدخول المصلين إلى باحة المسجد الأقصى...


إذا أردنا المفاضلة بين
بَلَدَي «اتفاقيّتي السلام»، فسنجد مصر هي الأهم بالنسبة إلى إسرائيل

هاتان الحادثتان، أو جملة الحوادث الشعبية الكثيرة التي يتعرض لها دبلوماسيو كيان العدو في بلدي الاتفاقيّتين (مصر والأردن) رفضاً للتواجد الإسرائيلي، أوجدت خيبة أمل لدى قادة كيان العدو ويأساً من «فتح» ومصر والأردن على مستوى التطبيع الشعبي، وإنّ كان التنسيق الأمني على أشدّه. لكن هذا التنسيق لم يعد يلبي متطلبات التمدد الإسرائيلي في المنطقة، خاصّة مع علاقاته المتجددة وحالة كسر الجمود في العلاقات مع الدول العربية والخليجية والأفريقية، وهو ما يدفعه إلى التوجه إلى البلدان التي لم تخض حروباً مع إسرائيل، ولم يتشبّع الوعي الشعبي لدى هذه البلدان بمعاداة إسرائيل التي احتلت أراضيه إبان الصراع العربي الإسرائيلي، كما هي الحال في مصر والأردن ولبنان وسوريا.
تقول أستاذة الأنتربولوجيا الدينية في جامعة لندن، السعودية مضاوي الرشيد، إنّ «إسرائيل تبدو وكأنها دولة سنية لأنّ تحالفاً مع السعودية والإمارات تطور إلى درجة أنها أصبحت حليفة لهما». وتضيف: «للسعودية خطاب يؤهل، على الأقل نفسياً، المجتمع السعودي لتقبل إسرائيل كجزء من المنظومة العربية الخليجية، وهذا هو المخطط الأكبر لمحمد بن سلمان». وتمضي بالقول إنّ «إسرائيل هي في أسعد أيامها، وقد اخترقت المنطقة الخليجية، والحلم الإسرائيلي ليس اختراق المغرب أو غيره، بل الجزيرة العربية لأنها مركز الثروة وهي قبلة المسلمين، وإن رفرف علم إسرائيل في الرياض يعني انتهى الموضوع». وتسأل: «هل سيتحرك للمسلم الذي في أندونيسيا ضمير، إذا قتلت إسرائيل نصف الشعب الفلسطيني الموجود؟»، مجيبة: «لن يتحرّك. هذا الحلم الإسرائيلي بالوصول إلى مكة قد يتم في المستقبل على يد محمد بن سلمان، وهذا هو المخطط الأكبر له».
ولا تخفى الأنباء عن علاقات متبادلة قديمة وحديثة، وزيارات لمسؤولين إسرائيليين إلى بلدان خليجية وعربية، وأخرى لمسؤولين سعوديين وخليجيين رفيعي المستوى ومن بلدان عربية إلى إسرائيل. وتتحدث هذه الأنباء عن شروط وشروط متبادلة ومشاريع اقتصادية وتبادل مصالح، وعن سيناريوات تتيح إخراج هذه العلاقة إلى العلن، وعن اتفاق على العداء السياسي لإيران، وإيجاد خطاب وسياسة مشتركة مفادها أنّ المنطقة بحاجة إلى من يقف في وجه تغوّل طهران في عواصم البلدان العربية، وأنّها العدو المشترك للشعوب العربية السنيّة ولإسرائيل. ويوجد هذا الأمر الأرضية المناسبة لصيغة تحالف موضوعي يعوّض ما لاقته اتفاقيّتا كامب ديفيد ووادي عربة من جمود في المستوى الشعبي والسياسي. حتّى أنّ صحفاً إسرائيلية مثل «هآرتس» و«معاريف» تحدثت مؤخراً عن مصلحة إسرائيلية في إخراج العلاقة إلى العلن، وأنّ إسرائيل أضحت «العشيقة السرية للسعودية». كما رأت وأنّ النظام الملكي في السعودية «فقد الحياء منذ وقت بعيد ولن يتأثر بالكشف عن واقع علاقته بإسرائيل»، وأنّ العلاقات القائمة والتقارب الإسرائيلي مع بعض الدول العربية تُرجم في «عدم مشاهدة المظاهرات المعتادة ضد إسرائيل في شوارع القاهرة وعمان والمغرب» وعن تعليقات ناعمة جداً من الدول العربية، ومصر والسعودية، على خلفية الأحداث في الحرم القدسي.
وإذا أردنا المفاضلة بين بَلَدَي «اتفاقيتي السلام»، الأردن ومصر، سنجد الأخيرة هي الأهم بالتأكيد بالنسبة إلى إسرائيل. حالياً مصر كامب ديفيد، تحارب الإرهاب على أراضيها وتدعم الجهود الدولية في مكافحته في ليبيا وسوريا والعراق. كما أنها تشهد نهضة إنمائيّة اقتصادية واجتماعية، وتقوم بجهد كبير في التحديث والبحث عن الثروات النفطية والغازية (التقديرات تتحدث عن اكتفاء القاهرة من الغاز المستخرج من آبارها بعد عدة سنوات)، وسعي لإتمام كافة المشاريع الكبيرة والضخمة على صعيد الإسكان وشق الطرق والمشاريع الزراعية الشاسعة ومحطات الكهرباء والسدود على نهر النيل والأنفاق تحت قناة السويس باتجاه سيناء ومشاريع تنميتها. كذلك، هي تُعَاظِم قدراتها العسكرية والقتالية حيث تضع القاهرة ثقة كبيرة بجيشها وتوليه الاهتمام، بتسليحه بأحدث أنواع الأسلحة من فرنسا وروسيا وألمانيا والصين والولايات المتحدة، بعيداً عن القطاع العسكري الإسرائيلي.
هذا الحراك والاهتزاز ما قبل الرّبُوْ (كما يعبّر القرآن الكريم: وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج ـ الحج 5)، يتهدده الارتهان لأنظمة خليجية بعينها من ضمنها السعودية، حيث تترجم العلاقة بينها وبين القاهرة بتنازلات تمس الأمن القومي المصري، كما جرى بنقل ملكية جزيرتي تيران وصنافير من مصر إلى السعودية. ويعني ذلك نقل موجبات اتفاقية كامب ديفيد والتزامات مصر تجاه إسرائيل للسعودية، وموافقة إسرائيل على نقل الالتزام المصري إلى الجانب السعودي. وعدا عن أنّ الاتفاقية أبرمت لظروفها بعد حروب خاضتها مصر مع إسرائيل، وحين توقيعها كانت القاهرة ناظرة لأمنها القومي وحريصة على اكتساب أقصى تأمين لحدودها ولقناة السويس ودفع الطمع الإسرائيلي بأراضيها، فإنّ اتفاقية تيران وصنافير توسلتها الرياض بالاتفاق مع تل أبيب للانتقاص من شأن القاهرة، وتوسلتها تل أبيب لتقديم أوراق اعتمادها للسعودية بالموافقة على نقل الجزيرتين. وفي المفاعيل المباشرة، إضعاف الأمن القومي المصري، وهي مصلحة إسرائيلية ومصلحة سعودية في آن، أن يصبح ممر جزيرة تيران (ما بين الجزيرة نفسها وأراضي شرم الشيخ المصرية) دولياً تطبق عليه الاتفاقات الدولية وتسحبه من أي سيادة مصرية لها أن تقفله أو تفتحه، باعتباره مجالاً مصرياً بحرياً. وبالمحصلة، تقع الموافقة الإسرائيلية على الأمر برمته في سياق بحث إسرائيل عن بديل أو شريك لديه ما يوفر التطبيع الشامل اقتصادياً وسياسياً وتجارياً وشعبياً مع إسرائيل.
وبالاتفاق، يتميز سلوك إسرائيل، شريكة مصر في «اتفاقية السلام»، بالعمل ضدّ الأمن القومي المصري، حيث يسهّل تحركات المجموعات السلفية والتخريبية في سيناء عبر الحدود، ويقيم مشاريع إقليمية تنافسية لقناة السويس عبر شق قناة مائيّة من إيلات شمال خليج العقبة إلى أشدود على البحر المتوسط مع مد خط سكك حديد. وتسمح إسرائيل أيضاً بأدوار تركية وقطرية وإماراتية في غزة، تنافس الدور المصري في الملف الفلسطيني الذي تعتبره القاهرة حصرياً بها وجزءاً من أمنها القومي، ما يتيح لبعض هذه الدول النفوذ إلى الداخل المصري، وتمويل هجمات مميتة على القوات الأمنية في شمال سيناء وفي الداخل. كما أنّ التقارير الصحافية تتحدث عن ضباط موساد يقودون جماعات مسلحة ليبية سلفية مناوئة لمصر.
وفي الإطار ذاته، تسابق إسرائيل مصر في التسلّح واقتناء النظم الحربية الحديثة، وقضية تسلّح إسرائيل من الغواصات الألمانية (دولفين وسوبر دولفين) خير مثال على سعيها للاستحواذ على الأعماق البحرية، لتهديد مصر والتغلّب على التفوق الكمي والنوعي في قطعها البحرية. وقد انتبهت الأخيرة للنيات الإسرائيلية ونجحت في إبرام اتفاقية شراء غواصات (تايب 209) ألمانية، وتسلمت اثنين من أربع منها تعاقدت على شرائها، بعد عراقيل وتدخلات إسرائيلية مع الحكومة الألمانية.
يطوّق هذه العلاقة ما بين مصر وإسرائيل فتور رسمي وشعبي ما بين البلدين، ويفاقم منه عجز النظام المصري عن إحداث أي تقدم في مسار تسوية الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، خاصّة بعد اندفاعة كبيرة للنظام على هذا المسار ودعوة الرئيس السيسي لسلام دافئ مع إسرائيل، ومن ثمّ انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعزمه على إنجاز «صفقة القرن».
إنّ مشروع تقسيم دول المنطقة وإعادة ترتيب حدودها، ومعه طموحات إسرائيل في علاقاتها مع الدول الخليجية بعيداً عن مصر، يهددان الإقليم المصري باستكمال تحولاته الاقتصادية الإصىلاحية وبرنامج تحديث قواته المسلحة، ويشترط الإعفاء الزمني لمصر من التقسيم والتفتيت دفع الثمن المطلوب منها، وهو السير في خطط تحالف الغرب مع أنظمة دول الخليج ومع إسرائيل ضدّ إيران، وتسهيل الهيمنة على المنطقة العربية عبر تحالف السعودية وإسرائيل. فهل تبادر مصر إلى إعادة قراءة «اتفاقية السلام» ومآلاتها لتستخلص مكامن الضعف في دورها وموقعها الحالي، وتبادر إلى علاقات جديدة مع دول المنطقة، مع إيران وغيرها من الدول لموازنة الهجمة الخليجية ـ الإسرائيلية في البيئة الدولية؟ المعاناة التي تشهدها مصر حالياً من استهداف أمني داخلي وخارجي وضائقة اقتصادية لن تعدم وسيلة في مجابهتها كما يحدث الآن، وإن كان سيشتد حكماً مع محاولتها فك ارتهانها لدول الخليج والسير في مسار مستقل، وهي سابقاً سارت في مسار مستقل كلياً عن المحيط العربي والإسلامي بتوقيعها كامب ديفيد، فلا يقولنّ أحدٌ إنّ ذلك غير ممكن، الأمر الذي سيتطلب منها مكافحة الرجعية العربية اليوم بنسختها المتأسلمة قبل أن يصل بها الأمر أن ترى هذه الدول تهددها بإسرائيل.
* كاتب لبناني