محدثي، وهو ليس من المتعاطفين مع معسكر المقاومة أو الممانعة، لكنه متمسك بحقوقنا في أوطاننا والعيش فيها بحرية وكرامة، والتمسك بحقنا في فلسطين المغتصبة الذي لا يسقط بالتقادم، قال: «لقد فعلها حزب الله مجدداً. لقد استعاد أسراه. السيد حسن نصر الله قال: نحن لا ننسى أسرانا ولا نبقيهم في الأسر؛ وها هو قد نفذ وعده مجدداً».

أتذكر هذا الحديث المقتضب، وأنا أتأمل في قضية أسرانا في سجون العدو الصهيوني، وكيف عملت قيادة ميليشيات رام الله على العبث بإضراب المناضلين حيث صار همها الوحيد إنهاءه، خدمة للعدو.

مجلدات كثيرة ستكتب في المستقبل عن الأضرار الفادحة وغير القابلة للتصليح التي ألحقتها القيادات الميليشياوية في رام الله المنبطحة أمام العدو الصهيوني بقضايانا الوطنية والقومية.
كما نتذكر في هذا المقام المئات من القوات المصرية الذين سقطوا أسرى بيد جيش العدو الصهيوني إبّان عدوان 67، وجرت تصفيتهم بدم بارد. وعندما أعلن العدو ذلك قبل سنوات، لم يكترث نظام كامب ديفيد للأمر، بل إن سيادة المشير يطالب العرب اليوم بسلام دافئ مع الصهاينة ونظامهم العنصري العدواني. بالمناسبة، المقبور الجنرال رابين، «شريك رام الله في السلام» هو من أمر بقتل الأسرى المصريين.
نلتفت الآن إلى قضية أسرى الحرب الكورية وموقف الولايات المتحدة الأميركية التي تملأ الدنيا صراخاً بأنها لا تتخلى عن أسراها.
من المعروف أن آلاف الجنود من الولايات المتحدة وحلفائها وقعوا أسرى القوات الكورية الشمالية والصينية في الحرب الكورية، وأن الحرب انتهت بهدنة ولم يُعَد الأسرى الأميركيون جميعاً إلى بلادهم.
وفي المقلب الآخر، أسرت القوات الأميركية وحلفاؤها آلاف أو عشرات الآلاف من الجنود الكوريين «الشماليين»، وهؤلاء أيضاً لم يُعادوا إلى بلادهم!
الطرفان، الأميركي والكوري، قالا إن الأسرى لا يودون العودة إلى بلادهم.
قبل الاسترسال، نود التذكير بأن واشنطن فعلت الأمر نفسه مع مئات أو آلاف الجنود الليبيين الذي وقعوا في أسر القوات الأميركية والتشادية في معركة وادي الدوم عام 1988، وعلى رأسهم المشير خليفة حفتر. القوات الأميركية رفضت إعادة الأسرى، ونقلت مئات منهم إلى دول إفريقية، ومن بعدها إلى الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم سيادة المشير ليبدأ حملة معارضة لنظام المغدور معمر القذافي تحت إشراف وتوجيه أميركيين.
بالعودة إلى قضية أسرى الحرب الكورية، فواشنطن الواثقة من جنودها، رفضت تصريحات العدو الشيوعي وأصرت وقتها على عودة جنودها الأسرى. في الوقت نفسه، قامت بعرض لقاءات مصورة مع أسرى كوريا الشمالية في معسكراتها حيث كانوا يصرحون بعدم رغبتهم في العودة إلى بلادهم بعدما تذوقوا طعم الحرية! عاد بعض الجنود الأميركيين إلى بلادهم وبقي قسم منهم في الأسر لم يعرف مصيرهم ولم تكترث واشنطن بالأمر. لكن لماذا سكتت واشنطن واختارت تناسي أسراها لتفرض صمتاً مطبقاً على هذه القضية الحساسة؟
ما حقيقة ما حصل؟
بعد الإفراج أخيراً عن وثائق أميركية سرية تتعلق بملف الأسرى الكوريين، تبيّن أن السلطات شنت حملة ترهيب نفسية وجسدية على الأسرى الذين عانوا مختلف أنواع التعذيب لإجبارهم على التصريح بمعاداتهم للشيوعية ولبلادهم، وبأنهم اختاروا عدم العودة إلى بلادهم.
بل إن الوثائق الرسمية ذات العلاقة تثبت أن واشنطن وتابعها الكوري الجنوبي عملوا على تأخير البحث في قضية الأسرى وإعادتهم إلى بلادهم كي تكسب وقتاً إضافياً يمكّنها من إجبارهم على الارتداد عن الشيوعية وانتمائهم الوطني، حيث نُقل أسرى صينيون إلى «فرموزا».
لذا، إن ممارسات قوات الاحتلال الأميركية في أبو غريب في العراق وغيرها ليست بالأمر الجديد أو الاستثناء.
أما جنودها العائدون الذين سمح لهم بالعودة إلى بلادهم من الأسر، فقد تعرضوا لحملة إذلال وتشهير غير مسبوقة. فقد قامت السلطات ومعها العديد من المنظمات الأهلية بالتشهير بمن ندد منهم بالنظام الرأسمالي والحرب في كوريا وعليها، ووظفتهم في حملات دعائية علنية للتشهير بالشعب الأميركي ومطالبة وزارة الحرب بتأسيس جيل جديد من المواطنين الذين لا يخضعون لابتزاز العدو.
لم تتمكن واشنطن من استعادة أسراها وفضّلت الصمت تجاه القضية، ولم تعد تلتفت إليها حتى بعد تأسيس علاقتها مع الصين الشعبية وكوريا الديمقراطية ومن بعد انتهاء الحرب الباردة. واشنطن فضّلت الصمت لأن فتح ملفات هذه القضية في ذلك الوقت سيؤدي إلى فضيحة ستطيح حتماً رؤوساً كبيرة في واشنطن.