بعضٌ من بريق ما قبل الحرب يعود إلى بيروت. فكل شهر تقريباً، تنشر إحدى المجلات الرائجة مذكرات مسافرٍ ما عن مطاعم المدينة ونواديها وأهلها الأبهياء، قبل أن ينهال سخط القراء في تعليقات مفادها أن الكاتب زار أماكن محدودة من المدينة ليس إلا. فاليوم، تماماً كما في الماضي، تستعيض بيروت عن ضآلة بناها التحتية بالوجاهة.


تتكرر في جميع الكتابات عن بيروت الكليشيهات نفسها حول التقاء الشرق والغرب وتنافسهما وتصارعهما وتعايشهما، حتى إننا نصادف هذه اللازمة في الكتابات التي تدعي الخروج عن هذا السياق. ولكن استحالة التعبير عن بيروت بطريقة مميزة لعلّها لا تعود إلى عجز الكتّاب عن ذلك، بل إلى طبيعة المدينة نفسها. فالهامش ضيق جداً للحديث عن مكان معقّد لدرجة أن الصفات التقليدية لا تكفي للتعبير عنه. وبالتالي، يلجأ زوار المدينة إلى استكشاف أشد ما في نفوسهم من نزوات المتعة والوحشية، وهي ربما أكثر المواضيع انتشاراً في تاريخ الأدب – فالكتّاب منذ أيام هوميروس يتناولون الجنس والحرب كوجهين أو انعكاسين لجوهر واحد.
أراني أكتب عن بيروت وفي نفسي خشية كبيرة، فكل ملاحظة أبديها ستحمل في طياتها مئات الاستثناءات. لذا، فبدلاً من تناول المكان من زاوية كمية، سوف أحاول تسييس المدينة. لا شك أن ذلك سيعطي القراء سبباً للشعور بالغضب، وهذا يتلاءم تماماً مع نمط ردود الفعل الملموسة التي تثيرها بيروت في النفوس.
تعتاش بيروت على انعدام الاستقرار. هي مركز للفوضى وبحرٌ من الحركة البشرية يفيض بالمبعوثين والمنفيّين والوافدين والخصوم والدبلوماسيين والمغتربين والمهاجرين. لا شك أن هذه المدينة تولّد كل هذا الكم من الأفكار. فمن شبه المستحيل أن تعيش في بيروت ولا تراودك رغبة في كتابة رسائل حبّ وشكوى لجماهير بعيدة.

■ ■ ■


أكتب هذا المقال وأنا جالس على شرفتي في ليلة صيف دافئة، أدخّن سيجارة تلو الأخرى، فيما تصدح أبواق السيارات وأصوات المفرقعات من كل حدب وصوب في الكورنيش القريب من منزلي، ويحلّق البعوض (الذي ازداد جرأة بفضل تكوّم النفايات العضوية في لبنان) حول كاحليّ، وفيما تتساقط على ذراعي قطرات المياه من المكيّف المثبت على الحائط. غداً سوف أسافر إلى الولايات المتحدة، حيث الاحتفالات الصاخبة تستحضر الشرطة لا البهجة. وعليّ أن أنجز مهمّتين لدى عودتي، ثانيتهما هي الإقلاع عن التدخين، والأولى هي التأقلم مجدداً مع الناس الذين يؤمنون بالنيات الحسنة للحكومة الأميركية.
حكايتي عن المدينة تبدأ وتنتهي مع الجامعة الأميركية، التي برغم السور الذي يفصلها عن بيروت تبقى مثالاً مهماً عن مستحيلات المدينة. فالجامعة الأميركية في بيروت، ككل الجامعات النخبوية، تتاجر بالأساطير، السخيفة منها والخيالية. وانسجاماً مع ذلك، كتب رئيس الجامعة اللبناني ــ الأميركي فضلو خوري، لدى تسلّمه منصبه منذ عامين، كلمات أغنية أوبيرا بعنوان «خطة الرفاه»، تبيّن أنها أسوأ مما يوحي عنوانها (أو أفضل، إذا كنتم من محبي الموسيقى السيئة).

الجامعة الأميركية في بيروت، ككل الجامعات النخبوية، تتاجر بالأساطير السخيفة منها والخيالية


إنّ فكرة الرفاه محورية في علامة الجامعة الأميركية التجارية، فهي تسوّق لنفسها على أنها رائدة التنمية، وتدعو إلى اللباقة بحماسة مبشّر حديث العهد. ولدى سماع تصوّر الجامعة لنفسها، يخال المرء أن مستقبل المشرق العربي برمّته رهن قدرتها على المنافسة في الاقتصاد المجاني الشرس. وعلى عكس المبشّرين القدامى الذين أتوا محمّلين بالكتابات وبتقاليد علم التأويل، تسعى الجامعة الأميركية إلى تحقيق خلاص «تكنوقراطي». فهي لا تثمّن الحياة الفكرية، بل العمل الدؤوب نحو الجرأة والابتكار والحداثة، وغيرها من مصطلحات النيوليبرالية الطنّانة. وبهذا المعنى، تشكل الجامعة الأميركية في بيروت نموذجاً خارجياً عن الرأسمالية الأميركية.
لقد ضيّقت هذه الالتزامات الخناق على الحياة الفكرية في حرم الجامعة. يُقال إن الجامعة الأميركة مكان ممتاز للعمل، ولكن، كما في أي مسألة ذاتية الطابع، يعتمد ذلك على السياق ووجهة النظر. فمشاهد النقاشات النظرية والسياسية العميقة والشباب الثوري والخطاب التحرري تقبع في طيّات حنيننا المتوهّج إلى زمن بائد. فالجامعة الأميركية تستغل سمعتها وتتنصّل في الوقت عينه من جوهر تاريخها. ومسألة ما إذا كان المرء يستمتع بالعمل هناك أو لا تغدو هامشية أمام واقع ملحّ، وهو أن الحرية في الجامعة مجرّد شعار.
إنّ الوهن المتسارع الذي يصيب الجامعة الأميركية مثير للدهشة، وليست فروض الطاعة التي تقدّمها هيئة التدريس سوى أبرز عوارضه. فسرعان ما أعلن خوري وأتباعه ازدراءهم للإدارة المشتركة عبر التدخل في توظيف أعضاء هيئة التدريس وتعزيز مكانة الأشخاص الرجعيين وغير الكفوئين ومجاملة وزارة الخارجية الأميركية وتعيين قادة بدون تقييم فعلي لعملهم ورفض كل أشكال المعارضة والحديث بقسوة مع المنتقدين، بمن فيهم الطلاب. وبما أنهم لم يواجهوا معارضة فعلية، واصل خوري وأتباعه مساعيهم بلا رادع، كما كان متوقعاً. وفي غياب أي قوة مضادة تعيق تنفيذ طموحاتها، قبلت إدارة الجامعة هدية الرضوخ بسرور.
إنّ كل الأساتذة، كأفراد، معنيون بهذه المسألة، ولكن هيئة التدريس كطبقة حول العالم تفقد تأثيرها بشكل متزايد، وما حذرها الدائم سوى أحد عوارض الوضع الاقتصادي والمهني المحفوف بالمخاطر: فمعظم الأساتذة يحاولون الحفاظ على لقمة العيش في واقع غير مستقر ويفتقر إلى فرص العمل الجيدة وإلى حوافز المقاومة. لا بل إن أكثر الأساتذة طموحاً يتنافسون في ما بينهم لضمان استقرارهم عبر تقديم فروض الطاعة. والأمر الذي ساعد إدارة الجامعة الأميركية في تحقيق مساعيها هو اعتماد نظام التثبيت في ملاك الجامعة للمرة الأولى في تاريخها. ولكن بدلاً من أن يحمي هذا النظام المعارضة كما كان موعوداً، بتنا أمام نمط من التثبيت يثير الخشية لدى الموظفين. فعبر إخضاع جميع أعضاء هيئة التدريس للتقييم، وبالتالي حشرهم في منافسة على سلعة قيّمة ونادرة، تمكنت الإدارة من ضمان امتثال الجميع لإرادتها. وبالرغم من هذه الظروف الخاصة، يتلاءم هذا الامتثال لإرادة الإدارة مع الوضع السائد في الميدان الأكاديمي، والذي يمكن توصيفه على النحو الآتي: يشكل نظام التثبيت آلية لضمان الانضباط، تزداد فعاليتها كلما ندرت المناصب الثابتة. في هذا السياق، تبرز حقيقتان يفهمهما النخبويون أكثر من خصومهم: متى وصلت شخصية غير محبوبة إلى السلطة، يصبح أشد منتقديها من المتملقين لها، ومتى اعتادت جماعة ما التملّق، يصبح بالإمكان ضبط المعارضة عبر ضغط الأقران المتواصل. وقد استغلت إدارة الجامعة الأميركية في بيروت، التي تتقن أساليب الطبقة الحاكمة، قواعد الرأسمالية الأساسية هذه لإنتاج نموذج الجامعة ــ الشركة على أكمل وجه. وبالتالي، أضحى فضلو خوري المدير التنفيذي في الجامعة الأميركية ش. م. م. وبات يزيّن الصفحات الأولى لمنشوراتها مصافحاً المستثمرين أحرّ المصافحة وهادياً مرؤوسيه. ولكنه حتى الآن لم يتلقّ أي نقد علني من موظفيه المنتفضين بحسب ما يُشاع.
تتفشى حالات الاضطراب بسرعة في حرم الجامعة، وهذه ميزة إضافية تستفيد منها الإدارة. فمنذ بضعة أشهر، ألغت إدارة الجامعة الأميركية رواتب المساعدين والمساعدين التعليميين من المتخرجين بشكل مفاجئ، وأوكلت مهمة تبليغ الطلاب بهذا القرار إلى رؤساء الأقسام. وبعدما أتمّ رؤساء الأقسام هذه المهمة، استخلص الطلاب – وهم معذورون لتوصلهم إلى هذه الخلاصة – أنهم لن يحصلوا على أي دعم مؤسسي إذا قرروا معارضة هذه السياسة الجديدة. وقد حاول الطلاب المتخرجون تنظيم أنفسهم، ولكن جلّ ما استطاعوا القيام به هو طلب هزيل بتواصل أفضل معهم. ولا بد من الإشارة إلى أنه ما من دليل أوضح على الهزيمة سوى مقاومة هدفها الحوار.
ولكن الحكاية لا تنتهي عند هذا الحد، وتتمتها مضمرة وواضحة في آنٍ معاً، وهي فلسطين. قد يسأل سائل: ما شأن فلسطين في شبكة القضايا المعقدة هذه؟ والإجابة ستكون: عاين أيّ جدل حول تحويل الجامعات إلى كيانات أشبه بالشركات، وسرعان ما ستجد علاقة فلسطين بالمسألة. ففلسطين هي الدولة الأهم في العالم والتي ترتبط قضيتها بكل المسائل، على الرغم من أنها غير موجودة عملياً.
صحيح أن فلسطين لم تعد منارة الخطب كما في أيام جمال عبد الناصر وجورج حبش، لكنها لا تزال قضية الوطن العربي بامتياز. وهي حاضرة بشكل خاص في لبنان، الذي يعيش فيه عدد كبير من الفلسطينيين والذي يتشارك حدوداً مع إسرائيل هي سبب الكثير من النزاعات. كذلك، فإن الحزب الأقوى والأوسع انتشاراً في لبنان ملتزم بالكفاح المسلح لتحرير فلسطين. في المقابل، يحلم بعض المثاليين اللبنانيين بتطهير البلاد من جميع العناصر الأجنبية – أي الفلسطينيين والسوريين – لكنني أشك في أن يكون أشد المطالبين بذلك يؤمنون حقاً في إمكانية تحقيق هدف كهذا. كل ما في الأمر أن رفضهم الدائم لفلسطين وسوريا يضمن استمرارية فكرهم في المخيلة الوطنية.
تحمل الجامعة الأميركية في بيروت مخاوف المنطقة المحيطة التي تسعى إلى الارتقاء بها وتحضيرها. وقد تتملك هذه المخاوف أي شخص يتبنى هوية ما أو يتم إعطاؤه هوية. اكتشفت ذلك منذ الأسبوع الأول لي في الجامعة، عندما أسرّ لي عدة أشخاص بأنه غير مرحّب بي في الجامعة. فقد تبيّن أن تعييني لشغل كرسي إدوار سعيد للدراسات الأميركية عام 2015 أثار ريبة أعضاء مجلس الإدارة والمستثمرين والإداريين والسياسيين الأميركيين، الذين حاولوا إلغاء تعييني.
أنا لم أغادر الجامعة الأميركية، بل أُبعِدتُ منها، وقد حرمتني الإدارة ممارسة وظيفة ثابتة جرى اختياري لشغلها. ولفترة طويلة بعد ذلك، بقيت مصدوماً كيف يمكن الضغوطَ الصهيونية أن تحقق أهدافها في الوطن العربي. وبما أنني تعرّضت للضغوط عينها في الولايات المتحدة، كنت أدرك جيداً مخاطر إثارة غضب المجموعات الداعمة لإسرائيل، التي يعتاش الكثير منها عبر حرمان آخرين الحقوق نفسها التي مُنعت من ممارستها. ولكن هذه القضية حفزتني على إعادة النظر في رؤيتي للصهيونية على أنها مشروع استعمار استيطاني. وأدركت أن الصهيونية تلهم الولاء الطبقي بقدر ما هي تلهم الإخلاص الإيديولوجي.
إنّ الوهن المتسارع الذي يصيب الجامعة الأميركية مثير للدهشة


كنت أظن أن أفضل ما في العمل في لبنان هو عجز الصهاينة عن التأثير في مهنتي. ولكن نجاحهم في اجتياز حدود يفترَض أنها محصنة بشدة وقدرتهم على التسبب بفصلي عكسا لي الواقع المؤسف للوطن العربي. أدرك أن حبل الأفكار هذا يسبب نفوراً لأنه يضخّم شعور المرء بأهميته بلا سبب مقنع. ولكن هامشيتي كفرد ما زالت على حالها، وهو ما يزيد من خطورة المسألة. فالناس يعبّرون عن صدمتهم لحدوث أمر كهذا في الجامعة الأميركية، وأنا أتفهم صدمتهم هذه، إذ إنني، مثلهم، لم أتصور أنّ أمراً كهذا قد يحصل. ولكنه كان خطأ جسيماً من جانبي.
كثيراً ما نرتكب أخطاء كهذا عندما نحصر فلسطين في حدودها الجغرافية، أو عندما يُهيأ لنا أن إسرائيل مجرد صنم تعبده مجموعات الضغط. ففي الواقع، يجب أن ننظر إلى الصهيونية من زاوية ترابطها مع مسألتي الطبقية والعنصرية في العالم. فبالنسبة إلى الأشخاص الذين يسعون إلى نيل احترام في المجتمع، تشكل فلسطين – كقضية كفاح تحرري لا كموضة على مواقع التواصل الاجتماعي – عائقاً، أكان في بيروت وعمّان أم في نيويورك. ولكن السمعة السيئة التي تعاني منها فلسطين قد تكون أمراً مفيداً لجهة حفاظها على عامل الجذب الثوري، ولكنها تصبح عائقاً أمام من يريد التماهي مع القضية الفلسطينية وكسب لقمة عيش في الوقت نفسه. وعندما تُقمَع السياسات المعادية للصهيونية في الدول العربية، يكون السبب الأوضح هو العداء للفلسطينيين، ولكن قد يكون السبب أيضاً القيود البلوتوقراطية ضد المعارضة، التي تتمظهر دائماً بموازاة تأكيد سلطة الدولة.
وفي الواقع، إن الدليل على نضج الدول العربية بالنسبة إلى السياسيين الغربيين والنخب المحلية العاملة لمصلحتهم هو الاستعداد لتخطي العقليات القبلية البائدة ودعم التطبيع مع إسرائيل. لا بل إن التحالفات الرسمية وتحت الطاولة مع العدو الصهيوني الموقر باتت شائعة في الوطن العربي. ونتيجة لذلك، أضحى التطبيع نتيجة عقلانية؛ فلكي تبلغ الدولة مرتبة الحداثة، عليها الاعتراف بإسرائيل. ويعكس هذا الواقع أهم منجزات القوى الاستعمارية القديمة، أي إعادة إنتاج نفوذها في مستعمراتها السابقة عبر تصميم أنظمة اقتصادية تقدّم مكافآت مادية لمن يرضخ.
هذا النفوذ متغلغل في ثقافة إدارة الحرم الجامعي. فبالنسبة إلى الإداريين الكبار، لا تشكل الصهيونية بالضرورة إيديولوجيا فوقية قائمة على الاستعمار الاستيطاني والتطهير العرقي ولا حركة تحررية ملهِمة للمضطهدين. الصهيونية، بالنسبة إليهم، هي النيوليبرالية، والإذعان للسلطة، والمعيارية، واللباقة، والقمع، والرأسمالية، والامتثال. إنها، وهو الجانب الأهم، ولاء يرضي السيد الأميركي، ويطمح إليه جميع الموظفين الجيّدين.
لا تسعى الجامعة الأميركية إلى فصل الأشخاص بسبب دعمهم لتحرير فلسطين، بل بسبب رفضهم إخراج قضية تحرير فلسطين من سياق الأطر العالمية لمكافحة العنصرية والرأسمالية والإمبريالية والاستعمار. قليلة هي الجامعات التي تتقبل هذا النوع من الالتزام. فالإيديولوجيات تتعاون مع الهويات السياسية لإنتاج مهارات مدرّة للأرباح. والصهيونية بهذا المعنى طريق سهل نحو هوية آمنة. صحيح أن ما من لبناني يتماهى مع الهوية الصهيونية، حتى أولئك الذين يؤدون أوبيرا الإذعان. ولكن الكثير من اللبنانيين يحافظون على العوامل التي تسمح للقومية العرقية بالازدهار.

■ ■ ■


أغنية «خطة الرفاه» تحمل بعض المعنى، مهما بدا ذلك مستغرباً. مشكلتها الأساسية ليست في التأليف الرديء، بل في الارتباك الاصطلاحي. الجامعة الأميركية في بيروت لا تبحث عن الرفاه، فهذا الأخير يمكن الجميع الاستفادة منه. ما تسعى إليه الجامعة هو المراكمة لمصلحة أولئك الذين يحمون علامتها التجارية.
الجامعة الأميركية في بيروت تتبع منهجاً ملتوياً للوصول إلى غاية بسيطة، وهي بذلك تمارس العادات الثقافية التي تدعي الترفع عنها. انظروا إلى خريطة بيروت، ولن تجدوا فيها سوى القليل من الزوايا القائمة. فالشوارع تلتوي وتنحني بطريقة غير مفهومة على الخريطة الثنائية الأبعاد. ولكن لا تكادون تسيرون في شوارع المدينة، حتى تدركوا أن هذه الالتواءات تمثل هضاباً وأخاديد، وأن الشوارع تشكل مصاطب من الأسفلت تعلو فوقها الأبنية بدل المحاصيل. وتلخّص هذه التموجات التي نراها على الخارطة نسق المدينة العام. في حين أنه يمكن ملاحظة انعدام المساواة، وخصوصاً تفاوت مستوى الدخل، أينما كان، قلّما ما يتم ذكره في الأناشيد التي تمجّد غرابة بيروت الراسخة. فمعظم الكتاب يعمدون إلى تجاهل الثقافة الفرعية التي يشكل عمادها المستعبَدون واللاجئون من جنسيات مختلفة في المدينة. فآلاف الأجانب (وبعض المواطنين) هم رهائن لدى أرباب عمل مفترَضين نادراً ما يُعاقَبون، ذلك أنهم يمثلون الدولة. ويتم تناقل حكايات الإساءات الفادحة الكثيرة، ولكن ليس في المجالس «المهذبة». لذا، إن حداثة لبنان، التي تلقى دعاية صاخبة، وتماماً كما في البلدان التي يعشقها محبو هذه الحداثة، قائمة على استغلال الأجانب.
تتفشى حالات الاضطراب بسرعة في حرم الجامعة، وهذه ميزة إضافية تستفيد منها الإدارة

لم أتمكن يوماً من محو هذا الجانب من بيروت من ذهني. وغالباً ما تساءلت أي روابط يمكن إيجادها بين فظائع الاستعمار الصهيوني خلف الحدود وبين الغبن العرقي والاقتصادي في المجتمع اللبناني؟ (أنا أركز على لبنان بسبب إقامتي هناك، إلا أنّ من المهم إدراك أن الأسئلة نفسها تنسحب على جميع الدول القومية). تبدو المسألتان مختلفتان، ولكنني لطالما كنت مقتنعاً بأنهما مرتبطتان. ومع أنني كنت حريصاً على عدم طمس مسألتي العنصرية والاستغلال المهني في لبنان أو التخفيف من حدتهما، ظلّ هذا التساؤل يراودني.
وما مكّنني من كشف تلك الروابط كانت تجربتي في الجامعة الأميركية. فكما هو متوقع من مؤسسة تملك صورة خاطئة عن نفسها، تعجّ الجامعة الأميركية بخطابات التسامح والإنسانية المصممة والمفصّلة بعناية على مقاس المستهلك المتعلم، فيما وظيفة الجامعة الأساسية، التي تكرَّس لها هذه الخطابات، هي الحفاظ على نظام طبقي يولد عدم المساواة. وإذا كان أعضاء هيئة التدريس عاجزين أو ممتنعين عن مقاومة هذه التوجهات، فإنهم يصبحون شركاء في مساعي الإدارة لتلبية حاجات الطبقة الحاكمة (التي يعتبر الكثير من أعضاء هيئة التدريس أنها حاجاتهم هم أيضاً).
إذا اقتلعنا الجامعة الأميركية من بيروت الغربية، يمكننا اكتشاف علاقتها بالأحزاب السياسية وتكتلات الشركات المتعددة الجنسية والحكام الديكتاتوريين والسلطويين وأصحاب العقارات وباقي الجامعات الثرية. وهذه العلاقات ليست مجرد شبكات (فهذا المصطلح يوحي بأنها منفصل بعضها عن بعض)، بل هي أشبه بصلات قربة تجارية. فالجامعة الأميركية تخدم مصالح الطبقات الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الفقراء إلى الهجرة وتنتج بالتالي شروط العبودية العابرة للحدود. والمفارقة هنا أن إسرائيل تقوم بالأمر عينه.
لم يكن انعدام العدالة في العالم ليتفشى بمظهره الحالي لولا الاستعمار الاستيطاني. لذا، لا يمكن معالجة إحدى هاتين المشكلتين بمعزل عن الأخرى. لا أنكر أن تحليلي يستثني اختلافات مهمة بين الظاهرتين، وأن الأمر يتطلب نقاشاً أدق مما تناولته هنا، ولكن يمكن البدء بتخطي الفهم الإقليمي لدور إسرائيل في العالم نحو إنتاج حركة مكافحة للصهيونية. فمن المهم أن نكفّ عن اعتبار الصهيونية مشكلة تخصّ الفلسطينيين وحدهم، رغم أن الشعب الفلسطيني هو من يعاني مباشرةً من العنف الصهيوني. فإسرائيل متجذرة في أنظمة الرأسمالية العنصرية التي انبثقت منها الصهيونية، والتي ما زالت تتشبث بها حتى الآن. لهذه الأسباب تعتبر الجامعة - الشركة، حتى تلك التي تعمل في بلدٍ معادٍ لإسرائيل، أن مكافحة الصهيونية تشكل تهديداً لها.

■ ■ ■


أكتب الآن من شمال فرجينيا، وما زلت عاجزاً عن التأقلم مع البحيرات الاصطناعية وممرات المشاة والمجمعات السكنية المحاطة بالمواقف، أو مع عبير العشب الغضّ الذي جرى جزّه للتو. وأينما اتجهت بسيارتي أرى الأعلام الأميركية المثبتة على الأبواب الخارجية للبيوت في الضواحي، وهي رموز متواضعة للقيم المدنية. كنت قد نسيت أهمية التعبير عن الوطنية في الولايات المتحدة. كم اشتقت إلى بيروت!
ولكن التوق لا يخفف من العزلة الفكرية والاقتصادية. فحدود الخيال السياسي هي نفسها في لبنان وفرجينيا. قليلة هي أوجه الشبه الثقافية والطوبوغرافية بين المكانين، ولكن لكلّ منهما طريقته الخاصة في تكييف السكان على العيش مع واقع الرأسمالية المهين. في لحظات الخيال، نتحدث عن سفرنا حول العالم، ويصطدم حب السفر بالقيود المكانية، ولكن القلق والاضطراب يلازماننا لأن مصادرهما تنتظرنا أينما حللنا.
لقد علّمتني الجامعة الأميركية في بيروت هذا الدرس. انتقلت إلى الشرق الأوسط هرباً من الصهيونية، فإذا بها تنتظرني لدى وصولي. لا مفرّ من بعض الإيديولوجيات إلا بتدميرها، ولا سيما تلك التي تنبئ بالخراب.
ولكن هذه الرحلات العابرة للأطلسي كانت قيمة جداً، فهي علّمتني أن في التواضع حكمة وفي الرفاه خفّة. لذا، فبينما أجلس وسط الشجيرات الأنيقة ومراكز التسوق المكعّبة في ضواحي العاصمة في فرجينيا، حيث يعيش فائض البيروقراطيين في منازل متشابهة، أجد عزائي في قوافي مؤلف عظيم حاول إنقاذي وفشل:
كان العالم يقبع في الظلام
عندما اجتاز رجل حكيم البحار
والرسالة التي كان يحملها
كادت تنهك قواه
فقد رأى المشرق في ظلمة
وأهله يمرّون في محنة
ولم يفكّر للحظة
بنيل إعجاب أحد.
(ترجمة جاد الحاج)