تأسست قبل ما يقارب 150 عاماً الكلية البروتستانتية السورية في بيروت على يد مجموعة من المبشرين الأميركيين. هذه الكلية الصغيرة والتي تغير اسمها لاحقاً الى الجامعة الاميركية في بيروت تأسست قبل عهد الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن بروزها المتزايد عكس مصالح واشنطن المتزايدة وشواغلها في المنطقة.


لم تكن الجامعة الأميركية هي المؤسسة التعليمية الوحيدة التي أسسها المبشرون الأميركيون في المنطقة، بل ساهموا أيضاً في تأسيس كلية «روبرت» و«الكلية الأميركية للبنات» والتي تعرف حالياً باسم جامعة بوجازيتي، وكلية «إزمير الدولية» في إسطنبول، وكلية «حلب» في سوريا. وأسسوا أيضاً الكلية «الأميركية» في صوفيا في بلغاريا، وكلية «أثينا» في اليونان. هذه الكليات، والتي كانت جزءاً من رابطة كليات الشرق الأدنى في الولايات المتحدة (Near East College Association- NECA)، انضم اليها في ستينيات القرن الماضي الجامعة الأميركية في القاهرة (AUC) التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى.
قبل الحرب العالمية الثانية، كانت مصالح الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط محدودة نوعاً ما. وكانت المؤسسات التعليمية التي أسسها وأشرف عليها المبشرون الأميركيون هي الشواغل الرئيسية لواشنطن في المنطقة، بالطبع بعد شواغلها النفطية. انعكس هذا الامر على رؤية رابطة كليات الشرق الأدنى في الولايات المتحدة للهدف من وجود تلك الكليات والجامعات. وفي عام 1931 كتب مدير رابطة كلية الشرق الأدنى ألبرت ستوب (Albert W. Staub) الى ويليام براون (William A. Brown)، عضو المنظمة ورئيس مجلس إدارتها لاحقاً، يوضح الهدف من تأسيس تلك الكليات وهدف الرابطة في مساعدة شعوب هذه البلدان وليس نشر أو إدامة نهج المؤسسات الأميركية.
رؤية واشنطن للمؤسسات التعليمية الأميركية في المنطقة تغيرت خلال الحرب العالمية الثانية. ففي أوائل عام 1942، ضغطت القوات الألمانية على هجوم في شمال أفريقيا، وكان الهدف الأساسي لتلك القوات قناة السويس والقضاء على الوجود البريطاني في مصر والشرق الأوسط. في ذلك الوقت اعتبر الجنرال ويليام دونوفان (William Donovan)، رئيس «مكتب الخدمات الاستراتيجية - Office of Strategic Services» في الولايات المتحدة الذي تحول بعد الحرب العالمية الثانية الى «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية - (CIA) Central Intelligence Agency»، أنه بإمكان الطلاب والخريجين في المؤسسات التعليمية الأميركية لعب دوراً مهماً ضد النازيين وفي دعم جهود الحلفاء والقيام بأعمال عدائية وشن حرب عصابات ضد النازيين. ولكن بالرغم من فشل الهجوم الألماني وعدم اختبار خطة دونوفان عملياً، إلا أن أفكار واشنطن حول الاستفادة من المؤسسات التعليمية الأميركية أخذت اهتماماً أكبر في فترة ما بعد الحرب.
سعت الكليات والجامعات في المنطقة إلى لعب دور أكبر في النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة، وخاصة الجامعة الأميركية في بيروت. وفي عدد من الرسائل التي وجهها رئيس الجامعة الأميركية في بيروت بيار دودج (Bayard Dodge) إلى وزارة الخارجية الأميركية، أشار دودج الى أن الجامعة يمكن أن تستفيد من الولايات المتحدة والدول العربية المستقلة حديثاً، وأن الجامعة الأميركية في بيروت هي المؤسسة الوحيدة في المنطقة التي يمكنها تدريب وبشكل ناجح جيل جديد من العرب. وحذر دودج من ان العالم العربي يقف عند مفترق طرق، وسواء تعاطف العرب مع الحضارة الأميركية الانجلوسكسونية او حكمتهم ثقافات اخرى كالتنظيمات الاسلامية او الشيوعية، إلا أنه يجب التركيز والاهتمام بشكل كبير على الجيل القادم. وخلص دودج في رسالته الى انه إذا لم تقم اميركا بدورها في هذا الوقت، فإنه لا يمكن تحقيق الاستقرار التجاري أو السلام السياسي في العالم العربي.


رؤية واشنطن للمؤسسات التعليمية الأميركية في المنطقة تغيرت خلال الحرب العالمية الثانية


ومع ذلك ظل الدعم المالي الذي قدمته واشنطن للمؤسسات التعليمية الأميركية في المنطقة في أوائل فترة ما بعد الحرب ضئيلاً. وبينما آثرت بعض الجامعات والكليات على الظهور بمظهر المستقل عن الولايات المتحدة بسبب النزاع في فلسطين ودعم واشنطن للحركة الصهيونية، سعى البعض الآخر منها إلى الاستفادة من الدعم السياسي من وزارة الخارجية الأميركية. وكان من الملاحظ ان بعض موظفي إدارة شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الاميركية كانوا اساساً مبشرين سابقين أو كان أبناؤهم من الداعمين للمؤسسات التعليمية الأميركية، ولا سيما في الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة الأميركية بالقاهرة.
ومع بدايات الحرب الباردة، تطلعت وزارة الخارجية الاميركية إلى تلك الجامعات كمركز لنشر القيم الأميركية في تلك المنطقة الحيوية والاستراتيجية في الشرق الاوسط. وفي رسالة إلى مؤسسة فورد كتبها مساعد وزير الخارجية «جورج ماكغي» (George McGhee) في فبراير/شباط 1951 أشار الى أن خريجي تلك الكليات يتحدثون اللغة الانكليزية ويفكرون بشكل مشابه للتفكير الغربي. وان البعض منهم يضطلع بمناصب هامة في الدوائر الحكومية والقانونية والتجارية والمالية في المجتمعات التي يعيشون فيها. ماكغي الذي شغل أيضاً بالسابق منصب مسؤول تنفيذي في شركة نفط اميركية، حث مؤسسة «فورد» (Ford Foundation) على توفير التمويل للجامعة الأميركية في بيروت والجامعة الأميركية بالقاهرة وكلية روبرت، ورأى في تلك الجامعات حقلاً مهماً أكثر من غيره ويحتاج إلى الدعم الأميركي الخاص. وعلى مدى عقدي الستينيات والسبعينيات اللذين تليا، قدمت مؤسسة فورد الدعم الأساسي للجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، ودعم رئيسي للجامعة الأميركية في بيروت والجامعة الأميركية بالقاهرة.
واجهت المؤسسات التعليمية الأميركية في الشرق الاوسط بعد سنوات قليلة عجزاً كبيراً في الميزانية هدد وجودها واستمراريتها. هذا العجز أدى الى تحويل بعضها الى جامعات تابعة للدولة وإغلاق جامعات اخرى. ولمواجهة هذا العجز اتصل جون كيس (John Case) رئيس مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت آنذاك ونائب رئيس شركة سوكوني موبيل للنفط (Socony Mobil Oil Company) بوزير الدولة جون فوستر دالاس (John Foster Dulles) وشقيقه آلن دالاس (Allen Dulles) مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) اللذين كانت تربطهما علاقات قوية مع المنظمات التبشيرية الأميركية ومراكز السلطة السياسية والمالية في واشنطن ونيويورك.
سعى آلن دالاس الذي كان لديه اهتمام بتلك الجامعات الى المحافظة على إبقاء العلاقة مع الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط. بعد الحرب العالمية الأولى، عُين آلن رئيس لدائرة الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأميركية، وكان قد شغل بالسابق منصب رئيس رابطة كليات الشرق الأدنى قبل أن يصبح نائب مدير وكالة الاستخبارات الأميركية ومن ثم مدير الوكالة. طلب جون كيس مباشرة المساعدة من الاشقاء دالاس لتخطي الازمة. وفي غضون سنوات قليلة ساعد التمويل المباشر وغير المباشر من الحكومة الأميركية ومؤسسات «فورد و روكفلر» (Ford and Rockefeller Foundations) على تخفيف العجز في ميزانية الجامعة.
وفي حين سعت القيادة في الجامعة الأميركية في بيروت إلى الحصول على مساعدة مالية من واشنطن، حاولت أيضاً الولايات المتحدة مواءمة سياسات الجامعة مع أهداف أميركا في المنطقة. وبعد حرب السويس عام 1956، حاولت إدارة أيزنهاور احتواء تأثير الرئيس المصري جمال عبد الناصر إقليمياً ودولياً، وحذر جون كيس رئيس مجلس أمناء الجامعة الأميركية في بيروت وزارة الخارجية الأميركية من الدور القيادي الذي تلعبه مصر في توعية الاساتذة في الدول العربية. واقترح كيس على الخارجية الاميركية أن تقوم الجامعة الأميركية في بيروت بتدريب الأساتذة في الجامعة الاميركية بأسلوب يضمن إظهار مواقف أكثر إيجابية تجاه الولايات المتحدة وحلفائها. وعلى الرغم من أن وزارة الخارجية لم تعتمد اقتراح كيس، إلا أنها أظهرت رغبة في وجود قيادة في الجامعة الأميركية تدعم مصالح السياسة الخارجية الاميركية.
وبحلول ستينيات القرن العشرين الماضي، بدأت الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة الأميركية بالقاهرة تتلقى مساعدات مالية أكبر من واشنطن. كما سعت كلتا الجامعتين إلى الحصول أيضاً على الدعم المحلي والإقليمي مع الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة في الوقت نفسه. وخلال أواخر الحقبة الأخيرة من الحرب الباردة، رأت واشنطن في الجامعات الاميركية في الشرق الاوسط مراكز مهمة لتدريب الطلاب والمسؤولين الحكوميين في المنطقة. وفي حين أن الجامعة الأميركية في بيروت عانت لوقت طويل في تلك الحقبة من الحرب الاهلية في لبنان، الا انها استفادت من تحسن العلاقات بين مصر والولايات المتحدة في ظل نظامي حكم أنور السادات وحسني مبارك.
على مدى العقد الماضي، أُنشأت بعض الجامعات الأميركية الرائدة فروع جديدة في جميع أنحاء الخليج. يعود بعض من تلك المساعي في انشاء تلك الجامعات في الخليج لزيادة مشاركة واشنطن في المنطقة بعد الحرب الباردة وهجمات 11 سبتمبر/ايلول 2001، في حين تعكس مساعي واشنطن أيضاً الاستفادة من ثروة تلك البلدان المضيفة ورغبتها في التدخل أكثر في الشؤون الإقليمية والدولية لتلك الدول.
ما زال من غير المعروف حتى الآن ما إذا كانت هذه الجامعات الجديدة سيكتب لها الاستمرارية والنفوذ كما الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة الأميركية بالقاهرة. ومثل اقرانها من الجامعات في مصر ولبنان، من غير الواضح أيضاً كيف ستوازن تلك الجامعات ما بين هويتها عبر الوطنية وما بين تأمين وضمان الحرية الأكاديمية.

* أستاذ مشارك في التاريخ ـ جامعة سيراكيوز/ نيويورك، ومؤلف كتاب «قصر الأحلام الأميركي: خبرات الشرق الأوسط وصعود دولة الأمن القومي» الذي هو أساس هذه المادة