الحركة السياسيّة اليساريّة الناشطة في اليونان دغدغت أحلام اليسار في العالم العربي: كان البعض قد نسي ان هناك يساراً ويميناً في العالم، او أريد لنا ان ننسى. حتى وليد جنبلاط غرّد حالماً بنموذج يوناني في العالم العربي، هذا الذي يشكّل عنصراً صغيراً في جيش آل سعود في المنطقة العربيّة والذي ساهم أكثر من غيره في القضاء على الحركة الوطنيّة اللبنانيّة وعلى اليسار في لبنان. لا يحتاج العالم العربي إلى قضايا لاستيرادها: فكل ما أثار حفيظة الرأي العالم اليوناني يجري على أكثر من صعيد في العالم العربي (وفي لبنان كما نوّه الرفيق عامر محسن): «البنك الدولي» و«صندوق النقد الدولي» يمارسان سلطة فظيعة في كل دول العالم العربي (بما فيها سوريا حتى 2011 عندما كان النظام يحاول ان يُسعد دول الغرب بقبول إملاءاته الاقتصادية التي عمّت بالنفع على حاشية النظام وشركات غربيّة).


من ثوابت العالم العربي في عصر الانتفاضات ان سلطة «البنك الدولي» و«صندوق النقد» لم تُمس بعد «الثورات» في تونس وليبيا واليمن ومصر: وهي لم تُمس لأن ما جرى ليس بثورات، وعلامة الثورات هي الانتفاضة على سلطة ونفوذ وبرامج المؤسّسات الماليّة الغربيّة. ولم تحاول الحركات السياسيّة الاحتجاجيّة وضع مشروع صياغة جديدة للعلاقة بين الدول العربيّة (على صعيد القُطر أو المنطقة بصورة عامّة) والمؤسّسات الاقتصاديّة الغربيّة التي تملي من دون جدال أوامراها على الحكومات العربيّة، والتي تفرض بالاسم أسماء محافظي البنوك المركزيّة.

معارضة الإمبراطوريّة الأميركيّة تدخل في صلب تعريف اليسار

لكن غياب مشاريع العدالة الاجتماعيّة من مطالب الحركات السياسيّة المعارضة (إضافة إلى مطالب «إصلاح» لا تسمن عن جوع لأن شعار الإصلاح في حد ذاته لا يقلق مصالح الدول المتنفّذة، والأنظمة الاستبداديّة العربيّة لا تتورّع عن استعمال مصطلحات الإصلاح، والإصلاح هو في جانب منه منع التغيير الجذري، أو منع الإصلاح الحقيقي) هو مؤشّر على ضعف اليسار أو على محاربته بلا هوادة من قبل اليمين المتنفّذ. وفؤاد السنيورة وصحبه في الفريق الحريري لم يمانعوا رفع شعار «إصلاح» مرتبط بـ«باريس 1 و2» على ان يكون وفق أجندة الحكومات الغربيّة ووكلائها المنتفعين سياسيّاً واقتصاديّاً محليّاً. أما العدالة الاجتماعيّة فهي تبخّرت في عصر باتت فيه السخرية من الاشتراكية علامة فارقة في إعلام النفط والغاز (المُحايد).
لكن غياب المطالبة بالعدالة الاجتماعية وغياب حركات يساريّة فاعلة وفعّالة في المنطقة العربيّة لا يجعل الحديث عن اليسار واليمن عقيماً أو باطلاً. طبعاً، من ضرورات الخطاب النفطي والغازي الرفض المطلق لصوابيّة الحديث عن اليسار واليمين خصوصاً أن اليساريّين السابقين يقودون الحملات الدعائيّة للطغمة السعوديّة المتنفّذة في المنطقة العربيّة. كيف يعترف بوجود يسار مَن انتقل من اليسار إلى اليمين؟ كيف يعترف بأن صراع اليسار ضد اليمين دائم، وهو (أو هي) يخوض معارك اليمين ضد اليسار متسلّحاً بما غنمه من وسائل وأساليب سجال في صفوف اليسار؟ من الضرورة عند هؤلاء نفي وجود يسار ويمين وإعلان «نهاية الإيديولوجيا» على طريقة الكاتب الأميركي، دانيل بيل، والذي حكم ان الإيديولوجيات قد «أُنهكت» واننا نعيش في عصر تخطّى الإيديولوجيات (وكان ذلك في أوائل الستينيات).
كانت هذه المقولة في صالح الحكومة الأميركيّة في الخمسينيات والستينيات لأنها رأت في صراعها الكوني مع الاتحاد السوفياتي موقفاً يفوق الإيديولوجيا - أو يتخطّاها - لأنه ينطلق من العقلانيّة أو من «حسن الفطن» (بلغة بيل). الحكومة الأميركيّة عمدت في سنوات الحرب الباردة إلى نفي صفة الإيديولوجيا عن حروبها وعقيدتها وسياساتها وهي لم تتوقّف عن فعل ذلك. هي تنشر الحق والحريّة حول العالم - أو هكذا تريد منا ان نصدّق - وليس لها من مصالح إلا حريّة ومصلحة كل سكّان الأرض (وسكّان الكواكب المجاورة). تكاد هذه اللغة مع تغييرات محليّة طفيفة تحكم خطاب الحريريّة في لبنان: فمشاريع «باريس 1 و2 و3 و4» ليست وصفات خارجيّة بقدر ما هي وصفات علميّة عقلية آنيّة لا ويعارضها إلا من يخدم مصالح النظام السوري، أو مَن لا يفهم في الاقتصاد.
لكن قبل المضي في مناقشة وجود أو نفي اليسار ينبغي الاتفاق على التعريفات. يمكن لنا في القرن الواحد والعشرين ان نعرّف الصراع بين اليسار واليمين بناء على ثلاثة معايير مترابطة، وهي تجمع بين السياسات الداخليّة والخارجيّة. لكن التعريفات لا يمكن أن تستقيم إلّا إذا كانت مترابطة بحكم العلاقة بين السياسة الداخليّة والخارجيّة في عالم تُمنع فيه السيادة على الدول النامية.
في السياسة الخارجيّة، هناك الإمبراطوريّة الأميركيّة التي تنشر جيوشها حول العالم والتي تسعى من دون مواربة إلى الطغيان العالمي، وإن بمسميّات مختلفة، تارة تحت شعار الحريّة وطوراً تحت شعار مكافحة الإرهاب - بالتعريف الأميركي، وتارة تحت شعارات «الاستقرار العالمي». والإيديولوجيا الأميركيّة الحاكمة عبر الحزبيْن المتواليْن هي إيديولوجية يمينيّة بالمطلق: يتفق الحزبان على صوابية الرأسماليّة وحتى على الحد من تدخّل الدولة في السوق الرأسماليّة. الخلاف بين الحزبيْن هو على درجة الحدّ من هذا التدخّل: الحزب الجمهوري يتجه نحو النظريّة الليبرتاريّة التي تؤمن على طريقة آدم سميث بفائدة «اليد الخفيّة» في السوق (مع ان سميث هذا رأى ضرورة في تدخّل الدولة في السوق لمنع المجاعة ولنشر التعليم). والحزب الديمقراطي نزع عنه ثوب الليبراليّة (الأميركيّة وهي على يمين الليبراليّة الأوروبيّة التقليديّة) منذ الثمانينيات عندما استولى رونالد ريغان والحزب الجمهوري الصاعد على الطبقة الأميركيّة العاملة من البيض. ويسعى الحزب الديمقراطي مذّاك إلى جذب البيض (خصوصاً من الذكور) عبر اعتناق اليمين (وهذه التجربة الكلينتونيّة نقلها طوني بلير في بريطانيا: لكن لم يكن لكليتنون ان يفوز في 1992 ما لم يوافِه الحظّ في خوض مرشّح يميني مستقل (روس بيرو) الانتخابات الرئاسيّة والاستحواذ على أصوات جمهوريّة حرمت جورج بوش الأب من فرص الفوز).
وتتداخل العوامل الداخليّة مع العالميّة في بحث الاجتياح الرأسمالي العالمي للدول النامية. وأطروحة روزا لوكسمبورغ (في كتابها «تراكم رأس المال» والذي سبق كتاب لينين، «الإمبرياليّة: أعلى مراحل الرأسماليّة») لا تزال سارية بعد قرن من صدورها: عن أن كل «توسّع استعماري يترافق في سياقه مع معركة بلا هوادة من قبل رأس المال ضد العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة للسكّان المحليّين» (في الدول النامية). وكتابات لوكسمبرغ عن دور القروض و«المساعدات الخارجيّة» تكاد تنطبق على عالمنا الحاضر وعلى علاقة ألمانيا باليونان في الوضع الراهن، فهي تقول عن القروض الخارجيّة إنها «الروابط الوثيقة والتي من خلالها تمارس الدول الرأسماليّة القديمة نفوذها وسيطرتها المالية» على الدول المُتلقيّة. لا يزال هذا هو اليمين، بعد قرن من صدور كتاب لوكسمبورغ.
وعليه، فإن معارضة الإمبراطوريّة الأميركيّة وحروبها اللامتناهية حول العالم تدخل في صلب تعريف اليسار من دون أن يكون هذا الشرط وحده كفيل بإسباغ اليساريّة على طرف ما. إن معارضة الحكومة الروسيّة، مثلاً، للحكومة الأميركيّة -وهي معارضة مستجدّة - لا تنطلق من منظور يساري. الحكومة الروسيّة لا يُمكن ان تُعتبر حكومة يساريّة بأي شكل من الأشكال. والصراعات بين أطراف اليمين هي من أصل تاريخ ومسار اليمين حول الحكم (في البلد الواحد) أو حول النفوذ والهيمنة (على الصعيد العالمي). والحكومة الروسيّة لا تحيد عن منطقها الرأسمالي الخاضع لسيطرة طغمة ماليّة مافياويّة، كما هو الأمر في عدد من الدول الرأسماليّة مثل لبنان. ومعارضة الإمبراطورية الأميركيّة في سياسات محدّدة لا تكون يساريّة إذا لم تقترن بمعارضة لسياساتها وبرامجها الاقتصاديّة عبر المؤسّسات الدوليّة وعبر منظمّات الـ «إن. جي. أو» المنتشرة في بلادنا مثل الفطر والتي لا تحيد قيد أنملة عن سياسات الحكومة الأميركيّة والاتحاد الأوروبي خصوصاً في ما يتعلّق بمعارضة مقاطعة العدوّ الإسرائيلي ورفض الكفاح المسلّح ضد احتلاله وعدوانه. هل هي صدفة أن ليس هناك من منظمّة «إن. جي. أو» واحدة تفترق عن سياسات الحكومة الأميركيّة والاتحاد الأوروبي الذي لا يعتنق اللاعنف إلاّ فيما يفرضه فرضاً على العرب لنزع وسائل مقاومته ومعارضته؟
أما على صعيد السياسات الداخليّة، فكيف يمكن نفي اليسار- أو إمكانيّة تشكيله - فيما يزداد التوسّع الرأسمالي وبوحشيّة فائقة حول العالم؟ والطابع العنفي لفرض النظم الاقتصاديّة حتمي لأن النظم تكون في غير صالح الدول النامية: لم يكن بول بريمر (ومجلس دُماه) ليسنّ قوانين رأسماليّة تفوق في رأسماليّتها (من حيث منع تدخّل الدولة في السوق وفتح الأبواب أمام رأس المال الأميركي) الرأسمالية الأميركيّة لو لم تكن جيوش أميركا الجرّارة ساندة لهذا المجلس. واليسار واليمين يكون في مدى دعم تدخّل الدولة في السوق لصالح العدل الاجتماعي. أي إعادة توزيع الثروات بحيث تفرض الدولة حدوداً للفوارق بين الطبقات كما هي الحال في السويد وباقي الدول الاسكندنافية التي فرضت اشتراكيّة بعد الحرب العالميّة الثانيّة، وإن بدأت تحيد عنها بضغط من الناخبين والناخبات الذين واللواتي قبلن باشتراكيّة على ان تعمّ فوائدها على عرقهم الأبيض المتفوّق وليس على المهاجرين الملوّنين خصوصاً من ذوي الأصول المسلمة والعربيّة. وبذلك يكون الحزب الشيوعي العراقي الذي شارك في مجلس بريمر واقفاً في صف اليمين، كما هي حال باقي القوى الطائفيّة (السنيّة والشيعيّة) التي شاركت في المجلس المذكور.
والحريريّة (والعونيّة في برنامجها المؤسّس) هي أعلى مراحل اليمينيّة بسبب ارتباط المشروع الاقتصادي بتحالف وثيق مع سياسات وحروب الإمبراطوريّة الأميركيّة حول العالم. ببساطة يريد اليمين تخصيص الاقتصاد - أو «تحريره» بلغة فؤاد السنيورة والجيل الحالي من الحريريّين في لبنان - وتخفيض أو إزالة كل برامج الدعم الاقتصادي للطبقات المتوسّطة والفقيرة من أجل رفع الحدّ والضوابط امام تراكم ثروات المنتفعين من الدولة. كما أن اليمين هذا يرفض مشروع إعادة توزيع الثروات أو إدخال عدل تصاعدي في السياسات الاستخراجيّة للدولة. والحكومة الأميركيّة، مثلاً، تدعم سياسات اقتصاديّة في الدول النامية تفوق في رأسماليّتها رأسماليّة أميركا نفسها لأن فرض هذا النوع من الرأسماليّة في داخل أميركا كفيل بتغيير كفّة الرجحان السياسي وتقويض دعائم اليمين المُتنفّذ في كلي الحزبيْن الحاكميْن. واليسار يحمل برنامج زيادة تدخّل الدولة في السوق لحماية الطبقات الشعبيّة ومن أجل الحد من أرباح الأثرياء والشركات المتعدّدة الجنسيّة.
أما الشق الثالث من تعريف اليسار فهو يتعلّق بتأييد الحريّات الشخصيّة والفرديّة: والليبراليّة التقليديّة تدعم هذا النوع من الحريّات فيما يعارضه اليمين الذي يرى دوراً أخلاقيّاً (بالتعريف الديني) للدولة. لكن هذه التعريفات ليست بهذا الوضوح في مجال فصل أو تصنيف الأحزاب السائدة شرقاً وغرباً، كما سيتضح أدناه.
في الغرب، مثلاً، تجنح الأحزاب الليبراليّة وحتى الاشتراكيّة نحو اليمين، في السياسة الداخليّة والخارجيّة. الحزب الاشتراكي الفرنسي الحاكم بات الحليف الأقرب للنظام السعودي. والأحزاب الليبراليّة في الغرب كلها جنحت نحو اليمين لأن اليمين جنح هو الآخر نحو مزيد من اليمين. وقد نجحت الرأسماليّة الحديثة في ضرب القوّة العماليّة حيث باتت نسبة الانضمام إلى نقابات عمّاليّة بين العمّال في أميركا لا تزيد عن نسبة 6،6 % (عمّال القطاع الخاص) مقابل نحو 35% في الخمسينيات. وفرض شروط ما يُسمّى بالإصلاح الاقتصادي في برامج النيوليبراليّة تتطلّب ضرب الحركة العمّاليّة، او تطييفها كما فعل رفيق الحريري بمساندة مخابرات النظام السوري الراعية له.
لكن مسألة تصنيف الأحزاب تبقى شائكة بسبب غياب المفاهيم والمعايير في أذهان الناس. في أميركا حيث تفتقر المروحة السياسيّة إلى ثراء وتنوّع الأحزاب في الكثير من البلدان الأوروبيّة، يتعامل الرأي العام مع الفروقات الإيديولوجيّة على انها تفرق بين اليمين (وهو معتدل بمقياس التطرّف المتزايد هنا) وبين يسار اشتراكي في بلاد لا تزال فيها الاشتراكيّة شتيمة (هناك عضو مجلس شيوخ واحد ينزع نحو الاشتراكيّة، وهو برني ساندرز عن ولاية فرمونت، وهو مستقل ترشيحاً وإن كان ينضم دوماً لحظيرة الحزب الديمقراطي في مداولات وتنظيمات مجلس الشيوخ، وهذا الاشتراكي لا يقلّ صهيونيّة عن عتاة الصهاينة من أمثال الستاتور جون ماكيْن - عرّاب ثورات عربيّة متدحرجة).
أما في لبنان، فكيف تصنّف حزب الله مثلاً؟
الحزب اعتنق أو استبطن أو نطق بالخطاب اليساري العالمي في برنامجه السياسي الذي أعلنه في «الوثيقة السياسيّة» في عام 2009. وفي القسم الأوّل من «الوثيقة» ينطق الحزب بلغة اليسار الغربي ويتحدّث عن الرأسماليّة المتوحّشة ويعطي تحليلاً طبقيّاً للعلاقات الدوليّة. لكن الحزب ينتقل إلى لغة المعسكريْن المتصارعيْن في لبنان في القسم اللبناني ويبتعد من لغة اليسار ولا يحاول حتى ان يربط بين القسم العالمي والقسم المحلّي في تحليله السياسي. ومعسكر الممانعة لا يندرج بالضرورة في تصنيف اليسار حتى وإن انضمّت إليه أحزاب أو أفراد من اليسار. الممانعة هي مشروع في السياسة الخارجيّة، وهي تتصف بمرونة (في التعاطي مع الإمبرياليّة الأميركيّة) سبق وأن بدرت عن السياسة الخارجيّة السوريّة والإيرانيّة على حد سواء. وحزب الله لم يسبق له أن انضم إلى قوى الصراع الطبقي الداخلي، ولم يعتبر يوماً أن مشروعه يتضمّن القضاء على الرأسماليّة الحريريّة (وهي متوحّشة كما وصف هو الرأسماليّة الأميركيّة على النطاق العالمي) لا بل هو تحالف معها على مرّ العقود. ونظريّة المقاومة - مقابل - الرأسماليّة الحريريّة تشير إلى تجاهل الحزب للنضال ضد الرأسماليّة في الساحة اللبنانيّة، أو إلى استعداده للتنازل عن هذا الشق مقابل تنازلات من الفريق الآخر لصالحه. ومشروع محمد فنيش لتخصيص وزارة الطاقة نال إعجاب اللجنة الفاحصة في تيّار الحريري. كما ان النظام الإيراني لا يندرج بالمطلق في صف اليسار خصوصاً أن الفئة الحاكمة هناك تتنازعها أهواء ومصالح مختلفة: لا يمكن احتساب رفسنجاني (قد يكون من أثرى أثرياء إيران) على صف اليسار، ولم يكن أحمدي نجاد محسوباً على اليسار هو الآخر. إن المشروع الاقتصادي لأحمدي نجاد، كما يظهر في دراسة نادر حبيبي عن «الارث الاقتصادي لمحمود أحمدي نجاد»، لم يهدف إلى القضاء على التخصيص الذي انتهجه أسلافه في الرئاسة بل هدف فقط إلى «إصلاحه» عبر توزيع 40% من حصص الشركات المُخصّصة على العائلات ذات الدخل المتدنّي وبأسعار مُخفّضة. كما ان أحمدي نجاد دافع عن قانون رفع الدعم الذي أقرّ في 2010، والذي حظي بمعارضة فئات تنتمي إلى اليسار الاقتصادي في المجلس.
وهناك مسألة الحريّات الخاصّة (او الشق الثالث في التعريف) التي يُفترض باليسار ان يكون شديد الحرص عليها لكن اليسار العربي تقليديّاً أهمل هذا الجانب ولم يجرؤ على مقاومة مفهوم الفضيلة الديني الذي أثقل الفرد العربي، والمرأة أكثر من الرجل. واختار اليسار ان يتذرع بانهماكه في الصراع الطبقي شغله عن أية قضيّة أخرى.
العلمانيّة والحريّات الجنسيّة والفكريّة لم تكن على أجندة اليسار في العالم العربي، أو حتى الغربي (في جوانب معيّنة مثل الحريّات الفردية بوجه قوى الأمن أو حقوق المهاجرين). وبهذا، لا يمكن تسجيل تصنيف اليسار على أي من الطرفيْن المتصارعيْن في لبنان، مثلاً. كلاهما ينتمي إلى اليمين من حيث عدم دفاعهم عن الحريّات الشخصيّة لكن فريق 14 آذار هو أكثر معارضة ومحاربة للحريّات الفرديّة على أكثر من صعيد: هو يفرض مفهوم الفضيلة الدينيّة من خلال نظرة البطريركيّة المارونيّة وهيئة كبار العلماء في الرياض (وبهذا هو يعارض حق حريّة الأديان كما يعارض إهانة الأديان والعقائد الدينيّة إلا إذا كانت تتعلّق بالشيعة والعلويّين)، كما انه يستعين في حلفه السياسي على لف من عتاة الرجعيّة في المؤسسات الدينيّة المسيحيّة والسنيّة (وحتى الشيعيّة من أمثال صبحي الطفيلي). ويدعم فريق 14 خرق الحريّات الفرديّة للناس من خلال فرض ونشر اختراق المؤسّسات الأمنيّة (المتحالفة مع التحالف السعودي- الأميركي- الإسرائيلي) عبر «داتا الاتصالات»، عبر إعطاء المؤسّسات الأمنيّة كافة السلطات والقدرات التي لا تعير اهتماماً لخصوصيّة الأفراد. هذا لا يعني ان فريق 8 آذار يحمل لواء الدفاع عن الحريّات الشخصيّة إلا في استثناءات، لكن خرق حقوق الأفراد يدخل في صلب مشروع 14 آذار وبالنيابة عن راعيه الإقليمي وأجهزة مخابراته.
لا، لم ينته مفهوم اليسار واليمين ولم يبطل. هو صالح طالما هناك صراح اجتماعي واقتصادي، وطالما هناك قهر اجتماعي بأشكال عدّة. إن غياب حركات يسار فعّالة لا ينفي صلاحية الاستعانة بتحليل وتصنيف اليسار واليمين. لكن طغيان اليمين اليوم، خصوصاً في العالم العربي، يريد أن يعمّم لفكرة ان اليمين هو فوق الصراعات وأن اعتناق اليمين هي عقلانية بحد ذاتها. وأن لا خيار الا هي. فلنمضِ في نهج الجنون إذن.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)