حتى يوم الثلاثاء الماضي، كان يمكن القول إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يشبه إلا نفسه. في خطابه من على منبر الجمعية العمومية، ذكّر مشاهديه، ولو بقدرة أقل على التأثير والتواصل، بالرئيس الأسبق جورج بوش الابن. في الشكل والمفردات استعار الكثير من «استراتيجية الأمن القومي» التي أعلنها البيت الأبيض في خريف عام 2002، أي بعد سنة، تقريباً، على التفجيرات التي استهدفت مواقع مهمة، وذات رمزية تجارية وأمنية حسّاسة، في الولايات المتحدة الأميركية، أبرزها مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون).


كما في استراتيجية بوش الابن وفريقه من «المحافظين الجدد» حذّر ترامب، وبالتسمية ذاتها، من القوى «المارقة» في إيران وكوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا وسوريا... التي «لديها أكثر الأسلحة قدرة على التدمير». لكنه حذرها أيضاً من بطش إدارته إذا ما هي «اعتدت»، متوعداً بتدمير «كوريا الشمالية بالكامل». وكما في توجهات بوش و«المحافظين الجدد» ركّز على قوة أميركا وجيشها «الذي سيصبح قريباً أقوى من أي وقت» بعد أن أقرّ الكونغرس وأضاف إلى الاعتمادات التي طلبها الرئيس الأميركي.
في خطابه «الأممي» استحضر الرئيس ترامب ذاتَه أيضاً، كشعبوي يطلق الشعارات دون أن يكون قد أعطاها الوقت الكافي من الاستدراك والتحفيز والبنية والتعبئة الضرورية لإمكانية وضعها موضع التنفيذ. ولعله، لهذا السبب، سمح لنفسه بإطلاق العنان للاتهامات والتهديدات والإجراءات المفترض أن تترتب عليها، دون أن يتناول من قريب، وبشكل مباشر على الأقل، السياسات والدور الروسيين. ولو ذهبنا أبعد لاستنتجنا، بكثير من الثقة، أن معظم تهديداته ستذرها الرياح طالما لم يتناول بالتحليل والتهديد الدور الروسي المتصاعد على المستويين الدولي والإقليمي. والدور الروسي، على طريقة المثل القائل بأن «البحر يكشف الغطاس»، هو ما سيكون التحدي الأول أمام الدور الأميركي الذي يتوعد به ترامب، وأمام الوفاء بالوعود التي أطلقها في قمة الـ50 في السعودية وتقاضى، في مقابلها، مبالغ خيالية تقارب صفقاتها الـ500 مليار دولار (والحبل على الجرار بعد السعودية في صفقات مع قطر والكويت وسواهما...).
في تناول «داعمي» قيادة كوريا الشمالية (بالمال والسلاح والدعم الاقتصادي، كما قال ترامب) ألمح الرئيس الأميركي، بشكل غير مباشر، إلى مسؤولية كل من روسيا والصين. لكن ذلك لا يتناسب أبداً، مع حجم الدور الروسي خصوصاً، ومع المسائل المتنازع عليها مع موسكو من أوكرانيا إلى سوريا إلى...
يشير ذلك، مجدداً، إلى نقطة ضعف أوباما، تكراراً، حيال الموقف الروسي. فحيثما أتيح له ذلك، كان ترامب أقرب إلى طلب الحوار مع الرئيس بوتين وفريقه. ويضع هذا الأمر، مثلاً، تهديداته بشأن إيران وسياساتها في دائرة الشكوك. لماذا لم يشر مثلاً، إلى دور روسيا في سوريا؟ وإلى تحالفها، وليس فقط تعاونها، مع القيادة الإيرانية. سوف يطرب بعض قادة دول الخليج (السعودية خصوصاً) لخطاب الرئيس الأميركي. لكن سرعان ما «تذهب السكرة وتأتي الفكرة»: ماذا تفعل واشنطن في سوريا غير التراجع (بل التقهقر أمام التقدم الإيراني والروسي؟!) بل إن إدارة الرئيس ترامب قد عمقت الخيبات لدى المسلحين المعارضين للنظام السوري حينما أوقفت، منذ حوالى شهرين، برنامج التدريب ومعه الدعم، واستعادت الأسلحة وأسقطت الضمانات وعجزت عن منع سلطة الرئيس بشار الأسد من استعادة الإمساك بالحدود السورية والعراقية... حتى أن إدارة ترامب تبدو أقرب إلى مواصلة سياسة أوباما في الشق المتعلق بالتنسيق مع روسيا في سوريا وفي التراجع الاستراتيجي الذي منيت به كل المعارضات، وفي التسليم بالنجاحات الروسية والإيرانية دون أن تحرك ساكناً لوقف هذه التطورات المتواصلة أو لفرض شراكة متكافئة على الطرف الروسي.
كان على الرئيس الأميركي أن يبرهن عن إحداث تغيير جذري في سياسات بلاده وفي توازنات المنطقة. وهو قبض ثمن ذلك بصفقة فلكية كما أشرنا. لكنه اكتفى من التزاماته بإطلاق الشعارات دون أن يغير من المشهد السياسي والجغرافي قيد أنملة حتى الآن. ليست غارة مطار «الشعيرات» كافية لإحداث التغيير الذي يريده حلفاء واشنطن. والتباهي بها لا يصمد أمام تسعين ألف غارة أعلنت القيادة العسكرية الروسية تنفيذها ضد خصوم النظام في سوريا حتى ما قبل حوالى الشهرين!
لقد حاول الرئيس الأميركي الادعاء بأنه بلور استراتيجية حيال أزمات العالم مركزاً أن جوهرها يبقى شعار «أميركيا أولاً» دون التخلي عن الأصدقاء. لكن في الواقع العملي، تعاني واشنطن من أزمة انعدام ثقة بقيادتها وبسياساتها الدولية بسبب تجريبية ترامب وخفته وعدم تحضير ملفاته وفريقه بشكل ناضج ومدروس وذي مصداقية عملية. هو، مثلاً، تجاهل القضية الفلسطينية رغم ما يشاع من وعود. وهو طالب بتوطين المهجرين بسبب الأزمات بينما هو يدعي البحث عن حلول سياسية يتراجع دور إدارته في القدرة على المساهمة فيها بعد أن كانت تفرضها هي على الآخرين! وبعد الانسحاب من «اتفاقية المناخ»، ثم بعد إعلان مشروع الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران ذي الصفة الدولية، يواجه ترامب أزمة ثقة ومصداقية ما برحت تتفاقم مع شركائه الأساسيين وفي المقدمة منهم ألمانيا. ثمَّ ألم تكن كلمة الرئيس الفرنسي ماكرون، من على المنبر الأممي نفسه، وبعد ساعات من خطاب الرئيس الأميركي، شديدة التعبير حين وصف الاتفاق النووي بأنه «جيد»، وبأن التخلي عنه، من قبل ترامب، هو «عمل غير مسؤول»!
مرة جديدة تثبت واشنطن أنها غير جديرة بالآمال المعقودة عليها وخصوصاً من قبل حلفائها العرب. إن خيبات جديدة تنتظر، ولا شك، المراهنين على الدور الأميركي. الخسائر الجديدة المتوقعة بسبب فشل الرهان على واشنطن ستكون أكبر على أصحابها وعلى المنطقة عموماً. بناء استراتيجيات جديدة ترتكز على جهد إقليمي خاص للتعامل مع الأزمات عبر التسويات المحلية هو أجدى وأقل تكلفة بكل المقاييس.
يبقى أن ترامب، كما أسلافه، لم يخيّب العدو الصهيوني. جزء من لهجته العالية هو من أجل تبديد مخاوف الصهاينة أنفسهم بعد تقدم الدورين الروسي والإيراني والحليف في المنطقة على حساب دور ونفوذ واشنطن وحلفائها.
لا بد من صياغة سياسة جديدة يجري من خلالها منع استمرار واشنطن وسواها من اللعب على التناقضات والعصبيات وتغذيتها، وخصوصاً منها الطائفية والمذهبية. لن يتم ذلك بغير اعتماد مقاربات مختلفة تتخلى عن السياسات التي طالما استغلها أعداء قضايانا لشرذمة شعوبنا وتشتيت قواها: من أجل الهيمنة عليها، والتحكم بمصائرها، ونهب ثرواتها.
* كاتب وسياسي لبناني