تَخيَّل نفسك جالساً في مقهى مع بضعة أشخاص، ليلتفت أحدهم ناحيتك ويقول لك بلهجةٍ طبيعيّة: «يا ريت أُمّكَ عاهرة». ستَغضبُ حتماً وستستعدّ لضربهِ فوراً. ولكن تَخيَّل أنه سارع إلى القول بعدها: «مهلاً، أنا أقول ذلك من باب التمنّي اللفظي فقط. أنا لم «أفعل» شيئاً. أنا لا أعرف أُمَّكَ ولم أكلّمها حتّى، وليس في كلامي ما يدعوكَ إلى الغضب، وليس من حقِّك أن تلومني لمجرّد التعبير عن رغبةٍ كلاميّةٍ عابرة!».


يُلخِّص هذا المنطق الصادم حَرْفِيّاً المبدأ الذي يعتمده السيناريو الغرائزي في فيلم زياد دويري الأخير، «الإهانة». واختيار كلمة «الغرائزي» ليس صُدفةً هنا، إذ إنه المفهوم الرئيسي الذي سنركّز عليه لفهم فعاليّة الفيلم في استثارة مشاعر الجمهور وتهيئتها لتقبُّل الأفكار المُتَضمَّنة فيه.
والمنهج الغرائزي في الكتابة هو أنجح وسيلة لتنفيذ أفلام «الأكشن» والانتقام على الطريقة الهوليووديّة، بما لا يتطلّب من المتفرّج تشغيل عقله، بل الاسترخاء والتهام الفوشار، كما يتركّز الأسلوب نفسه في صُلب أفلام الدراما الهنديّة القائمة على مخاطبة الأحاسيس بحكايات القهر واليُتم والعذاب ومسحِ الأحذية بعد عزٍّ وجاه.
في جُملةٍ مفتاحيّةٍ من الفيلم، يوجِّه القوّاتي طوني إلى الفلسطيني ياسر، بعد أن وصَفَه هذا الأخير بـ«العرص» على إثر خلافٍ فوري، العبارة الآتية: «أنتم جنس عاطل، يا ريت شارون أبادَكم كُلّكم!». ما يحصل هنا يصدُم أبسط المشاعر الإنسانيّة: تلك الرافضة جَذريّاً ونهائيّاً لفكرة الإبادة لأيّ شعب في المطلَق وتحت أيّ ظرف، ولو من باب المزاح. يُكرّر طوني العبارة ذاتها ويتبنّاها مُجدّداً بضع مرّات، ولا يعتذر عنها أبداً، لا بل يستعملها محاميه وجدي داخل المحكمة ويُفسِّرها بأنها من باب التمنّي اللفظي، ويسخر من فكرة أن شارون ينتظر رأي طوني في مسألة إبادة الفلسطينيّين. من الواضح أن المحامي وطوني يعبّران عن وجهة النظر ذاتها التي يتبنّاها المخرج وكاتب النّص، وهي وجهة نظر تستسهل الرغبة في «الإبادة»، كأننا نتحدّث عن حشرات مؤذية، ولا تتحدّى جوهر هذه الفكرة إطلاقاً أو تسمح للضحيّة بالاحتجاج عليها من منظور إنساني محض! أستغرب كثيراً كيف يعيش المرء في أميركا لسنوات ولا يتعلَّم شيئاً مفيداً عن «وَقْع» الكلمات وعن الأذى الكامن في ترديد الألفاظ العنصريّة الجارحة الممنوعة قانوناً في البلاد المتحضّرة والمتمدّنة؟
لو كان هذا الفيلم أقلّ انفصالاً عن الواقع، ولو كان أقلّ تشويهاً له، وأقلّ انتقائيّةً خبيثةً في اختيار الحقائق وتوظيفها خارج سياقها الفعلي، لانبرى صوتٌ ليذكِّر المحامي أن شارون، في الحقيقة، تعاونَ وسلَّح وسَهَّل مع زعماء الميليشيات اليمينيّة، أي زعماء طوني الحقيقيّين، ارتكاب مجازر بشعة طالت الحلفاء والأعداء وهزّت ضمير العالم، وعلى رأسها مجزرة صبرا وشاتيلا! فيما يسخر المحامي النبيه في هذا الفيلم السوريالي بقوله «إن شارون لا ينتظر رأي طوني في إبادة الفلسطينيّين!».
يُطبِّق دويري هذا الأسلوب الغرائزي والانتقائي بفعاليّة في فيلمه القائم على توظيف الإهانات الغاضبة وعبارات الكراهية والحقد والتحقير العنصري الفظّة، والعبور بها، من غير مساءلة، خلال محاكمةٍ فضفاضةٍ تتضمّن نقاشاً قانونيّاً يعجز عن الإحاطة بالقضيّة وحصرها، وتُستخدم فيها وثائق مُصوَّرة ومُختارة بعناية دون غيرها (مجزرة الدامور وليس إهدن أو تلّ الزعتر أو غيرهما بالطبع) وتُحكى فيها روايات مُنتقاة أيضاً من أطنانٍ من رواياتٍ مماثلة، ما يؤدّي إلى نشوب صدامات وأعمال شغب، ويصل الأمر إلى تدخّل رئيس الجمهوريّة الذي يعجز بدوره عن إيجاد حلّ ما رغم تلقّيه كلاماً قاسياً من طوني يُذَكّره فيه بأنه مجرّد موظَّف يقبَض معاشه من أهل البلد لتسيير أمورهم. كم أتمنّى لنفسي الآن أن أعيش في بلد مثاليّ كهذا، يواجِه فيه ميكانيكيّ بسيط، وهو مُسلّحٌ بصلابة الحقّ والمواطنيّة الحقّة، رئيس الجمهوريّة بهذا الشكل!
السيناريو مَبنِيٌ إذن على الافتعال والسطحيّة والمبالغة: مشكلة عابرة تتضخّم لتجرّ أطرافاً أخرى إلى الانقسام والتحارب، وتصل إلى المحكمة ويُستأنَف الحكم ويصدر أخيراً بشكل مفاجئٍ للتوقّعات. عال. هذه وصفة معروفة ومُجَرَّبة لفيلم مشوّق يشدّ أعصاب الجمهور. لكن هذا لا ينطبق على فيلم «الإهانة» لزياد دويري؛ فالمتفرّج يخرج منه وفي فمه طعم المرارة والانزعاج والتعجُّب من أفكارٍ لم تُناقَش ومن عواطفَ لم تُحلَّل ومن شخصيّاتٍ لم تَنَل حَقّها ومن قضايا زُوِّرَت أو حُجِبَت ومن إمكانيّاتٍ فنيّةٍ مهدورةٍ في حالة الممثّلين الجيّدين والبارعين الذين يستحقّون نصّاً أفضل بكثير من خليط الخُبث والتلفيق وإثارة الغرائز في هذا الفيلم.
لا تنطبق الوصفة الجاهزة هنا، لأن «الإهانة» فيلم سياسي أوّلاً وأخيراً، وهو يُروِّج بوضوحٍ لا يخفى لوجهة نظر القوّات اللبنانيّة، ما سيُفرح بالتّأكيد أنصارها، كما سيُفرحهم أيضاً ظهور سمير جعجع مرّتين في الفيلم!
الفيلم ينضح بالكراهية العنصريّة المقيتة ضدّ الشعب الفلسطيني كشعبٍ وكهويّة، ليبني سرديّةً متخيَّلةً عن مظلوميّة يمينيّة مسيحيّة تتوسّل شدّ عصب جمهورها وشحن عواطفه عن طريق نكء الجِراح القديمة وإثارة الغرائز وتهييجها على طريقة: إمّا نحن وإمّا أنتم!
الآن؟ بعد أن تبخّر حضور الفلسطينيين وأصبحوا مجموعات مدنيّة خائفة تعيش في مخيّماتٍ منكوبةٍ بالفقر والحاجة والتضييق على العمل والتعليم، ومحرومة حتّى من فضلات وكالة الغوث الدولية، ومبتلية رغم أنفها بالتطرّف الإسلامي المدفوع والمُحَرَّك من عشرات الأيدي الخارجيّة، نقول الآن، عندما أصبح الفلسطينيّون طرفاً ضعيفاً تسهل مهاجمته وشتمه وتحميله وزر الحروب والانقسامات، هل نحتاج إلى عملٍ مشحونٍ كهذا، يستعيدُ أجزاءً مبتورة من فصولٍ مؤلمةٍ للجميع وتوظيفها، لا للمصالحة والعبور نحو مستقبلٍ أفضل، ولا للتعاطي مع الجِراح بما يُضمّدها ويُخفّف من ألمها، ولا لتفهّمٍ أعمق لمسبّبات النزاع وخفاياه، بل لشدّ عصب القوّات؟


الفيلم ينضح بالكراهية العنصريّة المقيتة ضدّ الشعب الفلسطيني كشعبٍ وكهويّة

في جملةٍ مفتاحيّةٍ ثانيةٍ، يصرخ طوني وهو يُجَرُّ من قِبَل أصحابه خارج المحكمة، بعد أن اعترض على ما رآه من تَحيُّزٍ في عمل القضاة لخصمه الفلسطيني: «يا ريتني فلسطيني!». تتجلّى في هذه العبارة المظلوميّة اليمينيّة القوّاتيّة في أبهى صورها: نيّال الفلسطيني الحاصل على تأييد الجميع، بمن فيهم قضاة المحكمة التي لجأ إليها المواطن اللبناني الراقي والمتحضِّر لنيل الاعتذار المنشود. يكرّر المحامي وجدي التأكيد على مشاعر الحسد والغيرة والنقمة القواتيّة، حسب الفيلم طبعاً، تجاه الفلسطينيّين، وعلى دور الضحيّة بالقول لياسر الفلسطيني داخل المحكمة: «لقد جرى تسليط الضوء كثيراً على قضيّتكم بحيث حُجِبَت كل القضايا الأخرى!». قبل ذلك، وفي المحكمة أيضاً، يقول المحامي «إن معاناة الفلسطينيّين لا تختلف عن غيرها من معاناة آخرين كالأكراد والأرمن وغيرهم»، أي إنكم فلقتونا وزهّقتونا بقضيّتكم وبوجودكم.
يكمن خُبث السيناريو في إعطاء الحيّز الساحق والأكبر للمشاعر الغرائزيّة التي تعتمل داخل العناصر الشعبيّين (الميكانيكي وزملاءه في الأشرفيّة) المؤيّدين للقوّات اللبنانيّة، وإظهار غيرتهم من احتكار الفلسطينيّين لدور الضحية تاريخيّاً. هؤلاء يقولون، حسب الفيلم مرّةً ثانيةً، الفلسطينيّون هَمٌّ ثقيلٌ جاء بغير دعوة إلى بلادنا، وهم يعيشون عالةً علينا، وهم السبب في حروبنا ومجازرنا (والدليل: الدامور)، ويشتموننا في أرضنا ونعجز عن دخول مخيّماتهم، ويعجز القضاء عندنا عن إنصافنا حتى داخل المحكمة. نحن أيضاً ضحايا، ويجدر بالجميع سماعنا والالتفات إلينا ــ آخ لو نجح شارون!
قد يقول قائل إن هذه المشاعر موجودةٌ فعلاً على أرض الواقع، وإن الفيلم لم «يختلقها» بل «أدرجها» في سياقه. حسناً، هنا يأتي دور الفنّان الحقيقي، الذي يضع نصب عينيه غايةً تتجاوز النجاح التجاري وشبّاك التذاكر، الفنّان الذي يتعاطى بحساسيّةٍ وتفهّمٍ للعصبيّات ونزعات التحامل، الفنّان الذي يُوظِّف المشاعر الجامحة في سياقٍ يبني إمكانيّة التصالح والتلاقي على أرضٍ مشتركة، مهما بدا ذلك صعباً. كأمثلة حيّة، أذكر عملين سينمائيّين لبنانيّين عبّرا بحساسيّة مرهفة عن هذه الهموم، كلٌ بطريقته الخاصة، وتعرّض كلا الفيلمين للمنع من قِبَل الأمن العام بتهمة إثارة النعرات الطائفيّة والمذهبيّة وتهديد السّلم الأهلي!
الأول، الفيلم الوثائقي الآسر «شو صار» للمخرج ديغول عيد، الذي يتواجَه فيه المُخرج مع القاتل المسؤول عن موت 13 شخصاً من عائلته في مشهدٍ يستحيل نسيانه وتصعب استعادته حتّى. قال ديغول عيد في أحد تصريحاته: «أنا لا أعمل فيلماً كي أقول أنا الضحيّة وغيري هو القاتل، ولكن حتّى لا نعود ثانيةً إلى الحرب». تمَّ منع الفيلم مرّتين خلال شهر واحد («الأخبار»، 21 أيلول، 2010). والفيلم الثاني هو «لي قبور في هذه الأرض»، للمخرجة رين متري، والذي انطلقت فيه من تجربتها الخاصّة المؤلمة عندما باعت أرضها لشخصٍ من طائفة مغايرة، وأرادت إظهار تمدّد الحرب إلى حربٍ عقاريّة، بسلاسةٍ مدهشة، من ضمن مقابلات شخصيّة مؤثِّرة مع ضحايا التهجير من جميع الطوائف والجماعات. هذا الفيلم مُنِع في لبنان أيضاً، وما زالت رين متري تستأنف الحكم وتحاول التصدّي له. ماذا يجري في هذا البلد؟ لماذا تُمنَع الأفلام الذكيّة المشغولة بحسٍّ إنسانيٍ راقٍ، وتُجاز هذه التوليفة الدعائيّة والمُفتعَلة والحافِلة بالشتائم والإهانات والأفكار العنصريّة الكريهة؟ من المسؤول؟ وماذا كانت المعايير؟ ولماذا الكيل بمكيالين؟
في حمأة النقاش في المحكمة، يتلفّظ المحامي وجدي بعبارةٍ شهيرةٍ، هي في أصلها الإنكليزي تعود لوزير الخارجيّة الإسرائيلي الأسبق أبا إيبان، المعروف بفصاحته وقدراته الديبلوماسيّة وثقافته الواسعة. تقول العبارة: «لا يفوِّت الفلسطيني فرصةً لتفويتِ فرصةٍ». تمنّياتٌ بالإبادة تترافق مع ترديد الحجج الصهيونيّة! كم أبا إيبان شارك في كتابة هذا السيناريو؟
الحقيقة المؤلمة التي تحزّ في النفس، هي أن كل هذا التقريع والهجوم والتمنّي بـ«زوال» و«إبادة» الفلسطينيّين الجاري على لسان أبطال هذا الفيلم ــ المهزلة، ومن ضمنه عبارة إيبان، يتلاقى في الأصل مع جوهر النقمة الصهيونيّة تجاه الشعب الفلسطيني: إذ ليس خفيّاً وجود مدارس فكريّة في إسرائيل تلوم المؤسّسين الأوائل على التراخي في إبادة الفلسطينيّين في لحظة تأسيس إسرائيل، على غرار ما فَعَلَ أوباش كولومبوس بالهنود الحمر، وعلى غرار «الحل النهائي» النازي، للخلاص منهم مرّةً وإلى الأبد، إذ تبيَّن للإسرائيليّين في ما بعد أن التهجير الجماعي وأعمال الطّرد والحصار والتضييق ومسرحيّات أوسلو ومهازلها وتحويل غزّة إلى أكبر سجن جماعي في العالم يضم مليوني إنسان، لم تُفلِح كلّها في إخضاع هذا الشعب وإرغامه على التحوّل إلى مجموعة عبيدٍ صاغرين.
أخيراً، وليس آخراً، من حقّ المخرج أن يؤيِّد القوّات أو غيرها، ومن حقّه أن يصنع لها المناشير الدعائيّة على أنواعها، ومن ضمنها هذا الفيلم الذي يبدو أشبه بـ«كوربوريت فيديو» غَبّ الطلب يصلح أقلّه للعرض في معراب في المناسبات، ولكن ليس من حقّه أبداً التلاعب بذاكرتنا وتشويه قضايانا وحفر الدعوة إلى إبادة شعبٍ بكامله في نفوس أبناء الجيل الجديد، كأن الأمر عادي وطبيعي ومألوف، وليس من حقّه أبداً توليف خطاب كراهية حاقد وعنصري وصهيوني، فكرةً ولغةً ومضموناً، ضدّ الشعب الفلسطيني على هذا النحو المُهين – إنها حقاً إهانة!
* كاتب لبناني