لقد قام الغرب، الذي هو غني أكثر من اللزوم وفقير أكثر من اللزوم أيضاً، بتزييف كل شيء، والتلاعب بكل شيء، ممارساً التهريب على جميع القيم، حتى تلك التي يعتبرها قيمه الخاصة، والتي تبنيناها نحن التقدميين والعلمانيين الجزائريين بكل حماسة. تلك القيم ذات الميزات الجوهرية، باتت منسية، وجرى التنكر لها منذ زمن طويل. لقد أُهملت أحياناً، وعُبِث بها في أحيان أخرى، من قبل هذا الغرب الغارق في كبريائه ونكرانه ولؤمه ومغالاته.


لذا، إن هذا الغرب بحاجة لأتباع وأذيال يتحدرون من المستعمرات القديمة، من ذوي المواصفات الإيكزوتيكية، الذين يحملون قدراً كافياً من الألوان الفولكلورية المحلية. بفضل أذيال كهؤلاء يقيم الغرب لنفسه شهود زور محليين، لإثبات نزاهته وحسن نيته، اللتين لا تكشفان في الحقيقة إلا عن تعاليه الخبيث والمصطنع والزائف. كل ذلك حتى لا يتحمل هذا الغرب مسؤوليته عن كمّ هائل من «الجرائم ضد الإنسانية» التي ارتكبها بحق شعوب كثيرة، على قارات عدة، وعلى مدى قرون طويلة.
ألم تقم فرنسا، أو بالأحرى جزء من فرنسا، بالتنكر للثورة الفرنسية العظيمة ذاتها؟ ألم تتخذ من انتقادها لما سمّته «الرعب» Terreur، مطية لتبرير تقيُّئها لقيم كومونة باريس!؟ لقد كان ماركس يقول إن «الإحساس بالعار شعور ثوري». لكن الغرب الآن بات يرفض كل ما من شأنه أن يفضي ولو إلى حدّ أدنى من التفكير في حاجة الإنسان إلى تغيير العالم، لأن العالم بحاجة لذلك، لأنه كان وسيبقى دوماً بحاجة إلى تطوير.
هذا الغرب المتعجرف الذي يعيش أسير حنينه إلى العهد الإمبريالي (آه! يا «عظمة» نابليون!)، يقوم بحرق فائض الإنتاج الغذائي الذي تحتاج إليه «البشرية الأخرى»، بينما يبيع الأسلحة (حتى ألمانيا التي تتبجح بسلميتها لا تحرم نفسها أن تكون رابع بائع أسلحة عبر العالم) إلى دولة كتعاء (مقصوصة الأيدي) لا تعرف أصلاً كيف تستخدم تلك الأسلحة!
هذا الغرب لا يتوانى عن محو دول بأكملها من خريطة العالم، محوّلاً إياها إلى قنابل حارقة لا تلبث نيرانها أن تنقلب إلى كيد مرتدّ في وجه هذا الغرب ذاته، من حيث لا يتوقع (مثلاً، الإرهاب الإسلاموي، السافل والفظيع، الذي يربك الغرب يؤذيه اليوم بشدة، ويحصد آلاف الضحايا من المدنيين الأبرياء، ليس سوى صنيعة غربية!).
هذا الغرب ينفق بسخاء على أذياله في الدول المتخلفة، وعلى خدمه العرب الذين يغمرهم بالجوائز الأدبية، وأوسمة الشرف، والمكافآت المغرية، والمناصب المهداة لهم في مراكز ثقافية بعيدة يغويهم سحرها الإيكزوتيكي، والفضاءات الإعلامية المخصصة للأقلام الأكثر مغالاة منهم، في الصحف الأكثر يمينية، أو حتى بمنح مقاعد في الأكاديمية الفرنسية للأكثر تفانياً منهم في خدمة المشروع الفرنكوفوني!


هذا الغرب بحاجة لأتباع وأذيال يتحدرون من المستعمرات القديمة


لقد كتب جان بول سارتر، عام 1961، في خضم حرب الجزائر: «إن الضمير الغربي التعيس لا يكف عن التخبط في تناقضاته». وإنه لا يزال يتخبط إلى اليوم، رغم مرور ستين عاماً. يعيد اقتراف الأخطاء ذاتها، ويعاند في رفضه أن يستوعب بأن للتاريخ معنى وصيرورة.
من حروب فييتنام والجزائر إلى حروب الخليج والشرق الأوسط، لم يتطور الضمير الاستعماري والإمبريالي الغربي، ولا يزال يراهن على منطق القوة والحرب. ولعل هذا السبب هو الذي يجعل سارتر عرضة لانتقادات دائمة من قبل قطيع من الذئاب مكوّن من تلامذته السابقين (أتحدث عن برنار هنري ليفي وشلة رفاقه الصهاينة، الذين لم يغتفروا لسارتر إدانته لإسرائيل، بوصفها دولة احتلال)، ومن بعض الذئاب الجديدة، التي ليست على القدر ذاته من الشباب الذي تتوهمه. أفكر تحديداً في ميشال أونفري، هذا النجم الجديد في عالم النشر والإعلام في فرنسا، الذي قرأت باستحسان كتابه الأول حول الإلحاد، لكنه تحوّل إلى آلة كتابة شرهة وجشعة. ألا يؤلف كتابين كل سنة؟ ألا يحشر نفسه في الكتابة عن الإسلام الذي لا يعرفه جيداً، لكونه لا يفهم العربية وليس مختصاً في القضايا الاسلامية؟ إذ ليس متاحاً لكل من هبّ ودبّ أن يكون جاك بيرك أو ماكسيم رودنسون!
يبدو أنّ وظيفة أونفري صارت مقتصرة في دق مسامير النعش في أعمال سارتر وتركته، في مقابل تقديس كتابات كامو. لماذا؟ هل هي جرعة مفرطة من الفوضوية الطفولية؟ أم لأن كامو لم يلتزم يوماً بينما كان سارتر طوال حياته ملتزماً؟ ألأن سارتر ابتكر نظاماً فلسفياً اسمه «الوجودية»، حين كتب «الوجودية نزعة إنسانية» و«نقد العقل الجدلي»؟ أم لأنه رفض جائزة نوبل، عام 1964، مؤكداً أن «لا أحد يستحق أن يُكرَّس وهو على قيد الحياة»، في حين أن كامو ارتمى على هذه الجائزة، بلا تردد؟ هل لأن سارتر وقف دوماً إلى جانب الفلسطينيين، بالرغم من كونه يهودياً؟
هناك اليوم يهود كثيرون، بل حتى العديد ممن هم إسرائيليون، يقفون في صف الفلسطينيين، من أمثال الروائي الكبير عاموس أوز، والسينمائي الكبير عاموس جيتاي، والمؤرخ السياسي الكبير شلومو صاند. هؤلاء يهود معادون للصهيونية، رغم أنهم إسرائيليون ويعيشون في إسرائيل، على عكس أعداء سارتر المسترخين في مخملهم الباريسي.
بالرغم من كل ما سلف، لا يزال ألبير كامو يفرّخ أتباعه في الجزائر، وخاصة منذ أن سطع نجم كمال داود في ساحة النشر، بروايته «ميرسو، تحقيق مضاد». وإذا بالغرب يرتاح أخيراً: عربي (بل أفضل من ذلك، جزائري) يمجّد كامو؟ يحق لنا أن نتنفس الصعداء!
ما من شكّ في أن كامو كاتب كبير، ولا أحد عرف كيف يصف الجزائر (ولكن من دون الجزائريين!)، مثلما فعل في «أعراس» أو في «صيف في الجزائر». لكن كامو ليس جزائرياً، وذلك ليس بالأمر الخطير أو المأساوي! إنه فرنسي، والأمر جيّد جداً هكذا! الأهم من كل ذلك أن كامو كان روائي الألم («الغريب»)، وفيلسوف اليأس، الذي قرأ جيداً إدموند هيسرل وسورن كيركغارد، من خلال كتابيه «السقوط» و«الإنسان المتمرّد». ويجب الاعتراف بأن سارتر أخطأ حين دمّر هذين الكتابين، عند صدورهما، في حين أنهما يستحقان أن يُقرآ وأن تعاد قراءتهما.
إن اقتراف كتاب مثل «ميسرو، تحقيق مضاد»، في خضم الاحتفاء بمئوية كامو، يصب في تزييف التاريخ. إنه نوع من التهريب الفكري. لكن من حق كمال داوود أن يقدّم عن كامو القراءة التي تروقه. الشيء الذي أزعجني أكثر في الموضوع، هو سلوكه بعد صدور كتابه في فرنسا. فقط تصرف هناك كخادم متزلف، بعد تدجينه بسرعة. وإذا به يصرّح في برنامج On n›est pas couché التلفزيوني، الذي يقدّمه لوران روكييه، قائلاً إن «فلسطين ليست مشكلتي»! وحيال إصرار المذيع على التثبت من حقيقة موقفه، لجأ إلى المزايدة بالتهوين من فظاعة الحرب التي كانت إسرائيل تشنها على غزة آنذاك. ذلك هو سبب خلافي معه.
مباشرة بعد تلك الواقعة، مُنحت لمقالات كمال داوود منابر إعلامية في صحف غربية مرموقة: «لوبوان» في فرنسا و«نيويورك تايمز» في الولايات المتحدة الأميركية! ما سرّ هذا البروز المذهل!؟ الإجابة واضحة وبديهية: إنه توظيف سياسي مغرض. وإنه لأمر مؤسف للغاية، بالنسبة إلي، فقد عرفتُ من قبل كمال داوود أكثر كرامة وعزة نفس.
بالعودة إلى كامو، في كل أعماله، التي هي رائعة أدبياً بالفعل، كان «العرب» ــ وهي التسمية التي كان يطلقها عليهم «فرنسيو الجزائر»، إبان الفترة الاستعمارية، على السكان الجزائريين الأصليين ــ مغيبون تماماً! تماماً! لكن، كان يجب الانتظار إلى غاية اندلاع حرب الجزائر، ليسقط القناع عن كامو، سياسياً وأخلاقياً.
لقد كان كامو ضد استقلال الجزائر، لكنه لم يكن يجاهر بذلك كثيراً، خشية عزله من قبل نخبة المثقفين الفرنسيين، الذين كانت غالبيتهم من اليساريين، وكان سارتر مرشدهم، والذين لم يكونوا يترددون في المجازفة بمناهضة الحروب الاستعمارية التي كانت بلادهم تشنها بضراوة وهمجية لا توصفان (في الهند الصينية، في الجزائر، في أفريقيا، في جزر الأنتيل، في مدغشقر... إلخ). كان كامو حذراً ومتحفظاً في التعبير عن مواقفه، لكن يومياته ومراسلاته فضحته لاحقاً.
عام 1952، كتب سارتر في مقال خصصه لكتاب «الإنسان المتمرد»: «كتاب كامو هذا فاشل، ومشبوه بنزعة معادية للشيوعية لا يمكن قبولها». تعليقاً على ذلك، كتب كامو رسالة لأعز أصدقائه آنذاك، وهو رينيه شار، الشاعر العظيم، المتحدر من صفوف المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، والذي كان كامو يتقاسم معه رؤاه الأيديولوجية القومية المتهيّجة التي لا تخلو من الرجعية.
في تلك الرسالة المؤرخة في 20 آب 1952، كتب كامو: «إن سارتر وزمرته برهنوا على طباع الرداءة الكامنة في مورّثاتهم». وجاء رد رينيه شار، بتاريخ 27 آب 1952، قائلاً: «لقد أصبح سارتر في «إنسانيته» مثل «مارا» Marat في حوض حمامه [إشارة الى جان بول مارا، أحد قادة الثورة الفرنسية، الذي اغتيل داخل حوضه حمامه]، يا عزيزي كامو، كم أنت على حق!».
في أثناء ذلك، اندلعت حرب الجزائر، واستنكرها كامو. كان جان سيناك، شاعرنا الوطني الكبير، يلاحقه برسائله، قبل أن ينتهي به الأمر إلى مقاطعته، قائلاً في الرسالة الأخيرة التي وجهها إليه: «لم أتوقع أنك ستخون وطننا»! وكان رد كامو على تلك الرسالة دليلاً آخر على مواقفه السلبية من حرب التحرير الجزائرية، فقد ردّ على جان سيناك، الذي كان يكن له مودة خاصة، وكان يناديه «هيجو»، أي «ابني» بالإسبانية، قائلاً: «إن الانتماء الجزائري algérianité في حد ذاته مفهوم لا وجود له، هيجو! لم يكن له أساس من الوجود أبداً»!
في نوفمبر 1955، أسّس جان بول سارتر «لجنة العمل ضد حرب الجزائر»، برفقة فرانسيس جانسون، أندريه ماندوز، إيمي سيزير، بابلو بيكاسو، وآخرين من كبار الفنانين والمثقفين الفرنسيين، الذين شكلوا في تلك الفترة، ولا يزالون يشكلون إلى اليوم، شرف فرنسا الحقيقية، ذات القيم الإنسانية والجمهورية الحقيقية.
وبعد ذلك التاريخ بشهر واحد، في ديسمبر 1955، ضرب سارتر من جديد، من خلال البيان الشهير الذي ناشد مجندي الجيوش الفرنسية برفض الذهاب للقتال في الجزائر وفي فييتنام (من يذكر أن حرب «الهند الصينية» دامت 40 عاماً، بقيادة فرنسا والولايات المتحدة الأميركية؟).
وجاء ردّ فعل كامو، في رسالة بعثها إلى رينيه شار، قائلاً: «أنت على حق، يا عزيزي رينيه شار، في رفضك لمبادرات سارتر غير المعقولة. لقد رفضتُ، أنا أيضاً، التوقيع على ذلك البيان الهاذي، الذي تنبعث منه رائحة الاستسلام والجبن... هل تعلم أن والدتي تعيسة هناك في الجزائر، ويجب أن نحضرها للاستقرار هنا معنا في فرنسا، لتفلت من الرعب الذي تزرعه «جبهة التحرير» هناك...». الغريب في الأمر أن كامو لا يأتي على ذكر شقيقته الوحيدة المعوَّقة عقلياً، والتي تعاني من الصم والبكم!؟
هكذا عارض ألبير كامو نضال الجزائريين ضد الاستعمار. وبهذا الموقف أقصى نفسه من كياننا الوطني. فلماذا يريد البعض، إذن، أن يمنحوا كامو عنوة الهوية الجزائرية التي لم يردها يوماً؟ أطرح هذا السؤال، لأن هناك في الجزائر ائتلافاً فاعلاً من أنصار كامو يتحرك برعاية السفارة الفرنسية، لطرح مثل هذه الإشكالية الزائفة. تضم هذه الجماعة كمال داوود ووسيلة تامزالي ومحمد لخضر معقال، إلى جانب حفنة من أساتذة الأدب الفرنسي في جامعة الجزائر، الذين يستغلون هذه المؤسسة لفرض هيمنتهم الثقافية منذ سنين طويلة. وهؤلاء هم أنفسهم الذين وجهوا إليّ أصابع الاتهام، فور روايتي الأولى «التطليق»، عام 1969، لأنهم كانوا منتمين إلى حزب «جبهة التحرير» الحاكم، وذوي رؤى محافظة ورجعية. هؤلاء وغيرهم كثيرون من المهرولين يسعون بعصبية وانفعال لجعل صاحب «الغريب» كاتباً جزائرياً، بل جزائرياً فوق العادة! وضمن هذه المحاولات اندرج مشروعهم الهادف لتنظيم «قافلة كامو»، التي كان معتزماً أن تجوب مختلف أرجاء الجزائر، في مناسبة الذكرى المئوية لميلاده! لكننا نجحنا في التصدي لهم وألغينا تلك القافلة بوسائل سلمية.
في ما يخصني، وخلافاً لكمال داوود، أعتبر أن ألبير كامو كان له سلوك عنصري تجاه «العرب» الذين كان يسميهم «الآخرين». وقد قال عام 1957، عند تسلّمه جائزة نوبل: «في هذه الأثناء، هناك قنابل تُرمى على عربات الترامواي في الجزائر. ومن المحتمل أن تكون والدتي في إحدى هذه العربات. إذا كانت هذه هي العدالة، فإنني أفضل أمي»! كان الأحرى به أن يقول إنه يفضل جميع الأمهات الجزائريات اللواتي كان الجنود الفرنسيون يقتلونهن، وكان عليه أن يذكر أيضاً مصير هذه الشقيقة، التي لطالما تكتم عن وجودها، لأنها كانت معوَّقة عقلياً!
بذلك برهن كامو عن استخفاف وحشي واحتقار كبير تجاه الشعب الجزائري، وأيضاً تجاه أخته المسكينة! ومع ذلك فهو يظل كاتباً كبيراً، لا أكف عن قراءته وإعادة قراءته. مثله مثل لوي فيردنان سيلين، تلك العبقرية الأدبية العظيمة التي كرّست لها أطروحتي لشهادة الدراسات العليا، حين كنت طالباً... مع أنني كنت على علم بمعاداته الفظيعة للسامية. وهي النزعة التي أدنتها وسأستمر في إدانتها.
(هذا النص، الذي خَصّ به «الأخبار»، مقتطف من كتاب جديد له سيصدر مطلع الشهر المقبل، عن منشورات «فرانز فانون» في الجزائر، بعنوان «مهربو التاريخ»)
* كاتب جزائري