مع ثورة المعلومات والاتصال وانفلات المنافسة في سوق الإعلام لجذب «الزبائن» بدوافع مالية وسياسية، انكمش الخط الفاصل بين البرامج السياسية وبرامج الترفيه والإثارة. فأغلب البرامج السياسية اليوم في بلادنا يمكن تصنيفها ضمن مجال «الترفيه السياسي». لذا، أصبح صخب التغطية الإعلامية يطمس الأحداث السياسية التي يدّعي كشفها، فيجري تقديم حرب أو مذبحة كأنها تغطية لحفل راقص أو مسابقة فنية، فنتأثر وننفعل ولكن يتقلص مدى وعي الحدث.


مع النمط الإعلامي الحالي يصبح الانغماس الانفعالي في التفاصيل هو الأساس، حيث سرعان ما ينتقل الفرد إلى وسائط التواصل الاجتماعي لينشر ويعلق على الحدث ويدين ويشجب ويهاجم ويشتم ويحلل، فيصبح جزءاً من انفعالات القضية، لا من فهمها.
الأحداث السياسية هي نتائج وعوارض ومؤشرات في آن واحد. هي نتائج متعمدة لسياسات مدبرة، وعوارض لتفاعلات مرئية وخفية اختمرت بما فيه الكفاية، وهي مؤشر لولادة اتجاهات وتحولات جديدة. مناسبة المقدمة هي الأحداث الأخيرة في شبه الجزيرة الكورية، حيث لامس العالم، بنظر الجمهور، احتمال مواجهة نووية، بينما حضر على الشاشة ترامب وكيم والصواريخ والقنبلة النووية والحشود والعروض العسكرية، فيما كان السؤال الأهم هو الغائب الأبرز، لماذا يحصل ذلك؟ الإجابة المقتضبة والمباشرة عن دلالات الأزمات والصراعات المتزايدة حول العالم هي: إننا ندخل إلى عالم شديد الخطورة بشكل لم نعهده سابقاً، وهذه ليست إلا البداية.
لنقرأ أحد سيناريوهات المستقبل حول البيئة الدولية كما ورد في تقرير مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركي بعنوان «الاتجاهات العالمية: معضلات التقدم» (شباط 2017)، وهو تقرير يصدر كل أربع سنوات. يعكس النص مدى السوداوية والغموض والقلق الذي يعتري مؤسسات صنع القرار حول مستقبل النظام الدولي ودور أميركا داخله. نحن الآن في العام 2032 حيث يكتب مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي «سميث» الذي شارفت ولايته الثانية على الانتهاء، في مذكراته ما يأتي:
«في بدايات 2020، قيّدت السياسات القطبية والأعباء المالية مشاركة الولايات المتحدة على المسرح العالمي، ما عزز التقديرات العالمية بأن الولايات المتحدة تتجه نحو فترة طويلة من الانكفاء. واعتبرت كل من الصين وروسيا وإيران، أن تلك المرحلة هي فرصة لفرض هيمنتها على الدول المجاورة الداخلة في مداراتها الاقتصادية والسياسة والأمنية الإقليمية... قرر الرئيس (الأميركي) في فترة ولايته الأولى (2024-2028) أن الولايات المتحدة لم تعد تستطيع أن تقف موقف المتفرج وتسمح لهذه التطورات بأن تستمر بلا هوادة، فانتقل إلى حشد التحالفات وتفعيل القوات العسكرية الأميركية لحماية المعايير الدولية مثل حرية الملاحة البحرية. أدت استعدادات كل من إيران وروسيا والصين لخوض صراع تقليدي إلى تكثيف التصورات العالمية حول وجود منافسة أمنية بين هذه الدول والولايات المتحدة وحلفائها. وما لم نتوقعه حينها أن الضغوط الداخلية على الأنظمة السياسية نتيجة المطالب الاجتماعية والاقتصادية في روسيا والصين وإيران جعلتها أقل رغبة في التنازل والمساومة مع أميركا... ونتيجة هذه الفوضى وقعت مواجهة نووية موضعية بين الهند وباكستان».
كثُرت في السنوات الأخيرة الكتابات الأكاديمية عن تعاظم اللايقين، والغموض، والمفاجآت، والتعقيد في النظام الدولي والعلاقات الدولية، وهي خصائص عالجها الكاتب نسيم طالب في كتابه الشهير «البجعة السوداء». ترجع هذه الخصائص إلى جملة من الظروف والمتغيرات والتحولات مثل تفكك هرميات القوة وتفتتها، الأفول الأميركي، انتشار الإرهاب، صعود اللاعبين اللا-دولتيين، عودة سباق التسلح وبناء الجيوش، تباطؤ الاقتصاد العالمي، ظهور الأقطاب الإقليمية، النضوب في الموارد والثروات الطبيعية، الكوارث البيئية، انتشار الأوبئة، صعود دول شرق آسيا، اهتزاز مشروعية القواعد الدولية، تقلص فاعلية المؤسسات الدولية الحالية، ضمور الطبقة الوسطى في الغرب، تعاظم معضلة العدالة الاجتماعية، تراجع الثقة بالعولمة، صعود الهويات، صعوبة ممارسة الحكم في ظل ارتفاع توقعات الجماهير بالرفاه، الثورة التكنولوجية والانفجار المعلوماتي، تراجع سيادة الدولة الوطنية وفعاليتها، وتراجع الإيمان بالديموقراطية ودورها.
العالم إذاً يمر بمرحلة انتقالية، من نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية أو ما بعد الحرب الباردة (بحسب اختلاف المقاربات)، إلى نظام دولي جديد، والميزة المركزية للمرحلة الانتقالية هي «اللانظام» أو «الفوضى». في عام 2015 أطلقت مؤسسة بروكينغز مشروعاً بحثياً بعنوان «النظام من الفوضى» بهدف التعرف إلى التحديات التي تعصف بالنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وثم النقاش في السياسات اللازمة لتكييف ذلك النظام مع حقائق القرن الحادي والعشرين والدفاع عنه. المشروع ينطلق من مقدمة أن نظام ما بعد نهاية الحرب الباردة انتهى، حيث عادت الصراعات الجيوبولتيكية لتصعد بشكل واضح كدليل أن العالم يمر بطور انتقالي.
في كتابه الأخير، «النظام العالمي» (2015) يحاجج كيسينجر أن العالم يكون في أقصى درجات خطورته عندما يكون النظام الدولي ينتقل من نسق إلى آخر، «تختفي القيود ويُفتح المجال لأكثر الادعاءات كلفة ولأكثر الفاعلين عناداً»... ثم تلي ذلك الفوضى إلى حين قيام نسق جديد من النظام. بدوره يؤكد روبرت كاغان (2013) هواجس كيسينجر، إذ إن «التاريخ لا يقدم سبباً للتفاؤل، فالنظام الدولي نادراً ما يتغير عبر وسائل التحولات الملساء، بل عادة ما يكون هكذا تغير كنتيجة لاضطرابات مُحفِزة». مع الإشارة إلى أن هذه «الهواجس» رغم صحتها إلى حد بعيد، هي جزء من التنظير الأميركي لحفظ الوضع الدولي القائم عبر التهويل من آثار تحدي واشنطن وإسقاط نظامها العالمي.
نحن نختبر العالم بشكل لم نعهده في العقود الأخيرة، لدى البشرية كل الأسباب الكافية للتشاؤم والقلق، بل والهلع. في حقبة كهذه، التحسب للسيناريوهات الأسوأ هو الأصل، وسرعة الاستجابة للتحديات والمخاطر بمرونة وجرأة ضروري، وامتلاك موارد قوة ذاتية ومتنوعة أمر لا غنى عنه، والإحساس بحركة التاريخ وقوانينه وفهم الاتجاهات أفضلية وازنة، وإنتاج أفكار جريئة وإبداعية ميزة حاسمة، وقبل كل ذلك وبعده التواضع في التحليل والاستشراف.
في كتابه «التعقيد في السياسة الدولية» (2006) يشير نيل هاريسون إلى أننا لا نزال نعلم القليل عن العلاقات الدولية لدرجة أن الأحداث ما زالت تفاجئنا، وذلك لأن السياسة الدولية أكثر تعقيداً مما تقدمه لنا أغلب النظريات التي تفضل مقاربة العالم الاجتماعي أو الدولة باعتبارها نظماً بسيطة مغلقة من السهل عزلها مخبرياً وفحصها واستخلاص قوانين بشأنها. بينما في الواقع، تقوم السياسة الدولية على مبدأ الأنساق المعقدة والمفتوحة على تأثيرات داخلية وخارجية وعلى تغيرات وانبعاثات نوعية. ولذا السياسة الدولية اليوم وأكثر من أي وقت مضى «هي بدرجة ما نسق معقد ذاتي التنظيم حيث تنبثق الخصائص الكلية من التفاعلات المجهرية». وفي هذه الأنساق المفتوحة يمكن أن تكون المخرجات (أحداث أو أزمات سياسية مثلاً) نتيجة لعدة أسباب مختلفة، بل ويمكن لذات السبب أن يؤدي إلى نتائج مختلفة. وعليه، تكون الميزة الجوهرية للأنساق المفتوحة هي أنها غير قابلة للتوقع.
ولكن بالتوازي تقدم هذه المرحلة الفوضوية ذات المخاطر العالية فرصة ذهبية للقوى الصاعدة للمساهمة في تشكيل العالم الجديد ونظامه، وإمكانية للخروج من الهامش والمشاركة في رسم المستقبل. هنا يبرز دور القوى الشعبية الملتزمة مصالح شعوبها كضرورة في ظل «أشباه الدول» كمصدر رئيسي للاستقرار والأمان، ولا سيما متى اختزنت ثقافة تقوم على الاستقلال والشراكة والتنوع والمسؤولية الأخلاقية تجاه الخير العام.
الدولة والسيادة هي مفاهيم يعاد إنتاجها وبناؤها اجتماعياً طوال التاريخ وتكييفها مع متطلبات الشعوب ومصالحها. لذا، إن ابتكار وتكريس توليفة فريدة بين جيوش وطنية وقوى شعبية بعد التجارب الناجحة الأخيرة في سوريا والعراق ولبنان، بات قضية ملحة. البعض لا يجد ضيراً في أن تستباح سيادة البلاد من قوى مالية واقتصادية معولمة تنهب خيراتها وتصادر قرارها باعتبار أن ذلك من مقتضيات تحولات النظام الدولي، فلمَ لا تكون هذه التحولات علةً لخيارات تعكس المصالح العميقة لشعوب المنطقة في الأمن والاستقرار في الحد الأدنى.
في وسط كل هذه السوداوية والخراب، يأتيك من يريد إلزامك في أحد بلدان العالم الثالث المنتهَكة بتعريف ماكس فيبر (1918) للدولة واحتكارها الاستعمال المشروع للعنف على حساب المقاومة وسلاحها، في وقت تصف فيه «إسرائيل» جيشها بأنه أصبح جيشاً من «البجع الأسود». يذهب خصوم المقاومة للاحتجاج في كثير من الأحيان بأن طبيعة أو شكل دور المقاومة ووجودها وسياساتها غير مشروعة لكونها غير مألوفة، إلا أنه في الواقع قد تكون هذه ميزتها الضرورية في حقبة اللانظام والشرور والمخاطر اللامتوقعة. باختصار، علينا إنجاز «فروضنا المنزلية» على التمام، إذ ستكثر «الاختبارات المفاجئة».
* باحث لبناني