العملية البطولية التي جرت مؤخراً بين مدينتي نابلس ورام الله، وتم فيها قتل جندي صهيوني وإصابة ثلاثة، كما طعن جندية صهيونية على يدي مناضلة فلسطينية، كما كل حوادث طعن المستوطنين في كل أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك القدس، هي عمليات تندرج تحت إطار المقاومة المسلحة.

باركت كتائب «أبو علي مصطفى» التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عملية إطلاق النار على سيارة الجنود الصهاينة... لكن حماس سارعت إلى تبني العملية! لكاتب هذه السطور وجهة نظر من تبني الفصائل لعمليات المقاومة المسلحة انطلاقاً من: نتائج ما بعد الإعلان على التنظيم ذاته، وتسهيل القبض على منفذ/ منفذي العملية/ العمليات بعد حصر التنظيم المنفذ هذا أو لا. ثانياً، أن هناك اتفاقاً بين الفصائل كافة على عدم الإعلان. ثالثاً، حملة التنكيل الصهيوني بأهل المنفذ/ المنفذين: من هدم لبيته/ بيوتهم واعتقال الأهل/ الأهالي.

رابعاً، أهمية الاستفادة من تجربة حزب الله في المقاومة، إذ لم يعلن الحزب منفذي كل عملياته أثناء الكفاح لتحرير الجنوب اللبناني، إلا بعد التحرير.

علينا الأخذ بعين
الاعتبار أن العدو الصهيوني ليس شكلاً تقليدياً من الاستعمار

على صعيد آخر، من حقنا توجيه أسئلة لحماس، فحواها: لماذا لا تجري مقاومة عسكرية من حدود قطاع غزة؟ ولماذا تحاولون بحث هدنة دائمة مع العدو الصهيوني في القطاع؟ ولماذا تشددون من قبضتكم على كل من يحاول المقاومة المسلحة من غزة؟ وكم من مرة اعتقلتم مقاومين من حركة الجهاد الإسلامي ومن الجبهة الشعبية؟ لماذا تنكرون أية علاقة بـ«تنظيم أكناف بيت المقدس» الذي يقاتل في سوريا؟ ولماذا اتفاق حركة حماس مع حركة فتح (السلطة) على المقاومة الشعبية (فقط) في وجه الاحتلال؟ وذلك في اللقاء الذي جمع بين زعيميهما في القاهرة في لقائهما الأخير قبل مدة من الزمن. هذه الاسئلة تعيد إلى الأذهان مفهوم المقاومة بكل أشكالها ووسائلها، والكفاح المسلح بشكل عام. فمن الملاحظ خفت استخدام هذا المفهوم في السنوات الأخيرة، حيث أصبح من ينادي بالكفاح المسلح وكأنه من ماضٍ سحيق، وكأنه يغرّد خارج السرب! بشكل موضوعي استطاعت الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الغربية تحقيق بعض النجاحات مؤخراً، في تركيز الحملة الدعائية المكثفة لوصف المقاومة المشروعة للشعوب المحتلة أراضيها، والمغتصبة إرادتها بــ«الإرهاب»، حيث أن من يدعو للمقاومة بات من «الإرهابيين» وكأنه «خشبي اللغة»! بغض النظر عن فعل الاحتلال الصهيوني، الذي ما زال قائماً على الأرض الفلسطينية كلها، وعلى بعض من الأرض العربية، وأصبح الترويج لتسييد مفهوم «المقاومة الشعبية» بديلاً من «الكفاح المسلح» وقد أضحى في ذهن رئيس السلطة محمود عباس «إرهاباً» و«عبثاً» و«تدميراً» للشعب الفلسطيني! ليس في ذهنه فحسب بل في عقول ورؤوس الكثيرين من أعضاء سلطته وبطانته! أما بالنسبة للهدنة فاسأل سؤالاً واحداً فقط: هل تجوز الهدنة بين جلاد مغتصب للأرض وشعب يعاني قهر الاحتلال في كل لحظة؟ وبخاصة هذا العدو الذي نجابه... إنه عدو من نمط جديد. لو أن المقاومة الوطنية اللبنانية لم تقاوم بالسلاح، لبقي الاحتلال الصهيوني للجنوب اللبناني قائماً حتى اللحظة! مفهوم «المقاومة الشعبية» هو مفهوم وُجد منذ بدء ظاهرة الاستعمار والاحتلال، لكونه ارتبط منذ قيام الثورات ضد فعل الاحتلال، بــ«الكفاح الشعبي المسلح» للمقاومة. المقاومة الشعبية مبدأ عام تقتصر على انخراط المجموع الشعبي في فعل المقاومة ولكن بوسائل سلمية: كالعصيان المدني والانتفاضات والإضرابات والتظاهرات وغيرها من الأشكال. كان أبرز من مثّلت المقاومة الشعبية، تجربة الهند بقيادة غاندي ضد الاستعمار البريطاني لأراضيها، واستطاعت تحقيق منجزات ملموسة في التحرر، وتجربتا الانتفاضتين الأولى والثانية في المناطق الفلسطينية مثالان آخران. على صعيد القضية الفلسطينية نادت بــ«المقاومة الشعبية»، الأحزاب الشيوعية العربية ومنها الفلسطيني، كبديلٍ من الكفاح المسلح وبعض ما يسمى بـ«المبادرات الفلسطينية». ولا تزال بقايا هذه الأحزاب تغلّب هذا الشكل المقاوم الشعبي على كل أشكال المقاومة الأخرى (باستثناء الحزب الشيوعي اللبناني الذي خاض كفاحاً مسلحاً ضد إسرائيل). في هذه المرحلة وكما قلنا ازدادت أعداد المنادين بهذا الشكل الشعبي من المقاومة.
بدايةً، علينا الأخذ بعين الاعتبار: أن العدو الصهيوني ليس شكلاً تقليدياً من الاستعمار، هو شكل استعماري خاص وفريد من نوعه، فهو اقتلاعي للشعب الفلسطيني وإحلالي للمهاجرين، وهو شكل عنصري فوقي، جاء لضرب، ليس الفلسطينيين وحدهم وإنما مجمل المشروع الوطني العربي. الصهيونية تحمل في طياتها مشروعاً جيوسياسياً عنوانه «دولة إسرائيل الكبرى»، التي سوف تحتل أراض عربية أخرى. بفعل المستجدات السياسية أصبح عنوانه: السيطرة السياسية على المنطقة من خلال الهيمنة الاقتصادية عليها، لكن لا نستطيع القول بنهاية مشروع «دولة إسرائيل الكبرى»، ذلك في ظل التحولات اليمينية الجارية على قدمٍ وساق في الشارع الإسرائيلي. الحركة الصهيونية ومن أجل تنفيذ مشروعها لا تزال تعتمد القوة الفائقة، وصولاً إلى المجازر الكبيرة في تحقيق مشروعها، وكذلك في التهجير القسري للفلسطينيين، بالتالي فهل تؤدي المقاومة الشعبية دورها في تحرير الأرض الفلسطينية ونيل الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني؟ نشك في إمكانية ذلك رغم التقديرالكبير والعالي لهذا الشكل من المقاومة. على صعيدٍ آخر، لقد اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يحمل الرقم 3034 عام 1973، فرّقت فيه بين الأعمال الإرهابية والنضال العادل للشعوب، وأكدت الحق الراسخ للشعوب في مقاومة محتليها واتخذت قراراً يحمل الرقم 3314 عام 1974 أضافت فيه «بما فيها» حقها «في الكفاح المسلح من أجل حريتها واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها». بمعنى أنه يمكن الاستناد للقرارين المذكورين في ممارسة الكفاح المسلح ضد الاحتلال الصهيوني.
أيضاً، فإن تجربة حركات التحرر الوطني كافة على صعيد العالم أجمع، في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية أثبتت أن الكفاح المسلح هو الطريق الأبرز والأدق والأفضل والأسلم والأكثر جدوى وفاعلية لنيل الشعوب استقلالها وحريتها، وطردها المستعمر. لم يخرج محتل من أرض يحتلها، إلا عن طريق القوة وتحويل مشروعه الاستعماري الاحتلالي إلى مشروع خاسر بالمعنيين الاقتصادي والديموغرافي. إن المناداة بالكفاح المسلح لا تنجم عن عشق له فهو طريق تُجبر الثورات والشعوب على اتباعه والنضال على هديه. إنه الطريق الوحيد القادر على إيصال الشعب إلى حريته ونيل حقوقه الوطنية، وفي الحالة الفلسطينية والعربية لا حلول مع هذا الكيان الصهيوني إلا بإزالته آجلاً أو عاجلاً.
لا نود لحماس تكرار دعوات الجماعات الإسلامية العربية القائمة حالياً، وكذلك الجماعات الاصولية المتطرفة التي تتغطى بالإسلام، والتي نسيت/ تناست تماماً الجهاد في فلسطين إلا من دعوات موسمية بين الفينة والأخرى، والتي كان ممكناً تصديقها لو جرت وتجرى ترجمتها واقعا فعلياً على الأرض! لكننا «نسمع جعجعة ولا نرى طحينا». لعلنا نورد بعض الآيات القرآنية التي تحسم أولية الجهاد والقتال ضد الأعداء وفي حالتنا الراهنة ضد العدو الصهيوني. يقول الله تعالى في كتابه العزيز «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم، لا تعلمونهم، الله يعلمهم...». ويقول: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم»... «يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال». أما النبي الكريم، فيقول: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين، والمجاهدون في سبيل الله»، ويقول: «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف». وعنه رُوي بما معناه: «إن ليلة جهاد خير من ألف ليلة يصليها ويصومها صاحبها». إن الأولى بالجهاد في سبيلها هي فلسطين والأقصى، وليست أية بقعة أخرى. الأقصى يستنجد ولا من مجيب! في زمن العزة والكرامة جهّز المعتصم جيشاً لإغاثة امرأة صاحت: وامعتصماه! في زمن الهزيمة استغاثات الأقصى: تخرق آذان التنظيمات التي تتستر وراء الإسلام، وهذه لا تلتفت إليها أو تسمعها. على صعيد آخر، فإن الأحزاب الإسلامية التي تسلمت للسلطة في بلدانها، لم تغيّب تحرير فلسطين (كما نادت دائماً) من النهر إلى البحر، فحسب! بل حتى أهملته.
بالتالي نحن أمام تحول يتجاوز حدود التكتيك السياسي إلى المس بالأسس الاستراتيجية في النظرة إلى «إسرائيل». هذه التنظيمات تقاتل معاركها الإرهابية في سوريا والعراق وتونس ومصر... تذبح، وتدمّر، وتقتل، وتسبي النساء وتعلن جوائز للفائزين في مسابقاتها لرمضان... سبايا! ولا تهدد الكيان والصهاينة، بل تهدد المسيحيين للخروج من القدس قبل عيد الفطر... أهذا هو إسلامكم!؟ أنسيتم العهدة العمرية!؟ أم أن عمر في نظرتكم «مارق»؟
نريد لحركة حماس المحافظة على خصوصيتها الفلسطينية وأن لا تنجّر للحركات المصابة بـ«عمى الألوان».
* كاتب فلسطيني