كانت تونس في مخيلة عرب الجاهلية (عرب ما قبل 2011) تتلخص في فكرتين متجانستين: تونس الخضراء وتونس النساء الجميلات. فكان كل صحافي أو مثقف مشرقي يزور تونس لا بدّ أن يستعمل في كلامه مصطلح «الخضراء»، فيما يحدثك سواق التاكسي في عمان أو القاهرة عن تونس وكأنها حريم السلطان أو ستوكهولم، بناتها تغري وتنسي المسلم دينه.

تغيرت صورة تونس اليوم وأصبحت تختزل في ضدين: أيقونة الربيع العربي، وميتروبوليس داعش.
فما زال البعض، خصوصاً في الغرب وبين نخب عربية أقسمت بأن لا صوت يعلو فوق صوت الديمقراطية، يرى أن تونس منارة ناجحة على العالم الانحناء لصمودها وعلى العرب الاقتداء بمثلها.

لكن كثيرين، خصوصاً بين «مثقفي» إعلام النفط و«ممانعي» البعث و«فاشستيي» السيسي-مانيا، يعتقدون أنّ اللون الأخضر قد تحول إلى أحمر، وأن تونس على وشك أن تصبح مركز داعش المغرب، وحتى المرأة التونسية الفاتنة إذ تحولت إلى مجاهدة نكاح.
ويسري هذا التقسيم داخل تونس، ولو بتشعبات أخرى. فالرأي العام التونسي مجزأ إلى خمسة أصناف: هناك جزء كبير لا تهمه السياسة، يحاول الأربعة الباقون استمالته نحوهم.
وهناك جزء قليل يؤمن بالديمقراطية ويرى في أحداث الثورة مكسباً وجب الحفاظ عليه.

تغيّرت صورة تونس وأصبحت
تختزل في ضدين: أيقونة الربيع العربي وميتروبوليس داعش

وبين التوانسة ايضاً مجموعة تؤمن بنوع محلي من الديمقراطية صالح لفئتها فقط، وتبحث عن إقصاء معارضيها. هؤلاء هم أنصار «العربقراطية»، ويمتد وجودهم من حانة العلمانيين إلى مسجد الإسلاميين.
كما أن في تونس فئة رابعة، تعتبر نفسها من الخوارج الغرباء وهي في الأصل نابعة من أعماق الأعماق، وطنها المنشود هو داعش.
وبين أهل الخضراء المحمرة كذلك من يستهويه مثال عبد الفتاح السيسي، وغالبية هؤلاء هم ممن أرهبهم داعش، حلمهم استنساخ مثال طاغية مصر والرمي بالإسلاميين -بأنواعهم- في السجن.
ويبدو الصنف الثاني، الديمقراطي، نخبوياً منعزلاً. أما الصنف الثالث، العربقراطيون، فهم من شارك في انتخابات 2014، تنهار شعبيتهم يوماً بعد يوم. لكن الصنفين الباقيين، أي الدواعش والسيسي-فانز، فباقون ويتمددون، ولهم في الصنف الأول وفي محبطي الصنف الثالث ما يكفي من سذج يستقطبونهم ويعبئون بهم صفوفهم.
ولو تواصلت الأمور على هذا النسق، من اتهامات متبادلة بين العربقراطيين وتدمير منهجي للآخر وانعدام للأمن وانهيار للاقتصاد، فيخشى أن تجد تونس نفسها في استقطاب ثنائي جديد، بين اسلاميي الدواعش وفاشستيي السيسي.
ويستمد الدواعش «اخوتهم في الإسلام» من خزانات متعددة، ابرزها شباب الأحياء الفقيرة والأرياف المهمشة. فهؤلاء المعوزون لا أمل لهم في تونس، وحتى وإن دخلوا الجامعات فتجدهم يرددون: «اقرا ما تقراش، المستقبل ما فماش». كانو في أجيال سابقة يخوضون غمار البحر على قارب بحثاً عن فرصة عمل، لكنهم اليوم يشقون الصحارى أو مطار إسطنبول للالتحاق بداعش. داعش هو المستقبل، يقولون.
كان الاتحاد السوفياتي سابقاً يدعي أنه جنة العمال، ولكنه جنة بلا ألوان ولا أموال يعد بمستقبل أفضل أما حاضره فكان داكناً، يسيطر فيه الأمن السياسي على تحركات المواطن الزاهد فيما تسكن قياداته في منازل فخمة. داعش يقوم على خطاب مماثل، إلى حد ما. فهو حسب برافدا تويتر وفايسبوك السبيل إلى الجنة، وأقرب ما يكون إلى عهد السلف الصالح المتخيل. فيها الأموال على ما يبدو، وفيها وعد غد أفضل. من يذهب إلى داعش كان قد مل من الألوان وهو مستعد للعيش في ديكوتومية الأبيض والأسود. لكن «الدولة» هي كذلك العنف والحسبة (مرادف الشتازي أو الكا. جي. بي.)، ولا شك أن كثيرين ممن لجؤوا إليها قد تفاجؤوا بعد أيامات النشوة بأنها جنة منقوصة، تماماً كما ندم عدد ممن ترك الغرب والتحق بجنة العمال في القرن الماضي. ذلك قدر التونسيين الذين رموا بأنفسهم في نار داعش، شبيه بمن سبقهم وخاطر بحياته في البحر لينظف شوارع أوروبا، حالماً بسيارة المرسيديس والزوجة الشقراء.
ولكن من بين دواعش تونس كذلك أبناء وبنات الطبقات الوسطى: مواطنون لهم شهائد وشغل ومسكن. وهم أبرز مظاهر تعثر مشروع بناء الدولة القومية الذي بدأ مع استقلال تونس عن فرنسا في الخمسينيات. فرغم تطور تونس التدريجي وتعميم التعليم ووصول مصالح الدولة إلى أغلب أراضي الجمهورية، بقي المواطن رعيةً يخاف عصا البوليس مبايعاً رئيسه مدى الحياة. عاش تونسي -مابعد- الاستقلال في رفاهية نسبية، يشده إلى وطنه الخطاب القومي والزجر البوليسي، لكن من دون أن يكون مواطناً. ومع مجيء الجنرال زين العابدين بن علي الذي عزل الرئيس الحبيب بورقيبة في 1987، تم التخلي تدريجياً عن البروباغندا القومية، وتعزيز سطوة الشرطة، وتصحير البلاد ثقافياً. فالجيل الذي تربى تحت بن علي، وهو الذي يمثل عمود داعش الفقري اليوم، جيل في معظمه جاهل بالسياسة والتاريخ. لم يعرف جيل بن علي من انتمائه لتونس سوى السطحيات، كتشجيع المنتخب الوطني لكرة القدم أو التصويت لصالح فنان تونسي في مسابقة عربية. لكنه عايش في المقابل ظلم «الحاكم» (النظام البوليسي) وفساده. هذا الجيل المنعدم الانتماء، الناقم على دولته القومية، هو الذي صنع الثورة في 2011، وبقي ثائراً ولم يجد ضالته في الانتخابات الديمقراطية فخطفته الإيديولوجيا المدمرة للخليفة البغدادي.
وفي مقابل هؤلاء ينتصب أحباء السيسي ومشتقاته: خطابهم متطرف، كثيرو السقوط في نظرية المؤامرة، لا فرق عندهم بين داعش والإخوان المسلمين وسامي يوسف. لا يدعون السيسي ليجلس على عرش تونس ولكنهم يبحثون عن مثيل محلي له. وعلى عكس الدواعش، فقد تشبع هؤلاء بفكرة الدولة القومية، ولكن في زيها الفاشستي. لا تقوم الدولة عندهم إلا بالقمع ولا حاجة لتونس، بحسب رأيهم، بالديمقراطية. انهم أنصار الدولة البوليسية، تراهم يهللون كلما أجرم نظام السيسي في مصر، ويدعون لسياسات مماثلة في تونس كل مرة ضرب الإرهاب أو ازداد الخطر. بعضهم ارتبط شخصياً أو عائلياً بنظام بن علي، وبعضهم «ثقف» نفسه بنفسه متكئاً على ما تبثه «العربية» أو «الميادين»، وكذلك ما يسمعه في الخطاب الإعلامي المحلي. هم أيضاً أبناء جيل بن علي، ثقافةً وفكراً، لا يفهمون أن السيسي هذا ماريشال ذو أرجل من طين، لا يستمد من عبد الناصر سوى القبعة والخطاب، في حين أنه مع إسرائيل أودع من السادات، وفي الفساد أغرق من مبارك، وبين أحضان مشايخ الخليج غلام مطيع. لن تعارض هذه الفئة اعتلاء عسكرياً أو بوليس سدة الحكم. انتخب جل هؤلاء أحزاباً علمانيةً في 2011، ثم توجهوا بشغف نحو نداء تونس وزعيمه الباجي قائد السبسي في 2014. لكنهم صدموا بتحالف حزب الأخير مع النهضة في الحكومة، وبتفكك الدولة الذي لم يتوقف، وبصمود الإرهاب وتغوله، فصاروا ينادون صراحةً بإلغاء الديمقراطية واللجوء إلى الأحكام العرفية.
تجد تونس اليوم نفسها بين فكي الإرهاب والاستبداد، بين التطرف الديني والتطرف الفاشي، ولو شارك السيسي والبغدادي في الانتخابات المقبلة -إن تمت- لربما يصلان الدور النهائي. على عربقراطيي تونس أن يتمعنوا في الصورة ويتداركوا وضعهم قبل فوات الأوان.
* باحث تونسي