في العصر الحديث، حصلت منعطفات سياسية كبرى كان الرهاب من «الآخر»، عاملاً في تشكيل الموقف السياسي. حاولت كثير من القوى تصوير وتقديم ذلك الرهاب وتسويقه بوصفه هو الأساس في الموقف: حصل هذا في بريطانيا تجاه نابليون بونابرت والحرب معه (1799 ــ 1815)، وتجاه الألمان في باريس ولندن أثناء الحرب العالمية الأولى (1914 ــ 1918) لما جرى تصوير الألماني بوصفه حفيد «الهون» البرابرة الذين اجتاحوا روما ودمروها عام 476 ميلادية، وبوصف الألماني والقيصر رمزاً للشر.


جرى هذا أيضاً تجاه هتلر والنازية في الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945). وفي الحرب الباردة (1947 - 1989) اجتاحت الولايات المتحدة والعواصم الغربية الأوروبية موجة من الهيستيريا أخذت شكل فكر سياسي مع النزعة المكارثية بالخمسينيات عبر السيناتور جوزيف مكارثي ضد الشيوعية والشيوعيين وصلت إلى حالة تشبه حملة مطاردة الساحرات في العصور الوسطى، وهو ما جرى من قبل مكارثي ضد المثقفين والأكاديميين والفنانين الأميركيين، حتى في هوليوود، واليساريين والديموقراطيين وليس فقط الشيوعيين والماركسيين.

الرهاب عند صانع
القرار السياسي طلاء
رقيق للتغطية على المصالح
في عام 1993 تحدث وزير الخارجية الروسي عن خطر اسلامي يأتي من الدائرة الجغرافية الممتدة من طشقند إلى الرباط. وفي عام 1994 قال أمين عام حلف الأطلسي بأن «الخطر الأخضر قد حلّ محل الخطر الأحمر». عقب 11 سبتمبر 2001 تحدث الرئيس الأميركي عن «حملة صليبية» لاستئصال خطر «القاعدة». يتجنب أوباما ذلك تجاه «داعش» ولكنه، مثل بوش الإبن في نظرته لـ «القاعدة»، يعتبر خطر «داعش» هو التناقض الرئيسي الذي ينظر من خلاله إلى المواضيع الأخرى.
إذا تفحصنا الحالات المذكورة أعلاه نجد التالي: صراع مصالح ولّد حروباً من أجل الزعامة العالمية بين لندن وباريس. حاول نابليون محو الهزيمة الفرنسية أمام البريطانيين في حرب السنوات السبع (1756 - 1763) التي خسر فيها الفرنسيون ممتلكاتهم الأميركية والهندية، ما أثار ذعراً شديداً في الدوائر الحاكمة البريطانية، دفعهم لاستنفار تحالفات أوروبية امتدت إلى بروسيا والنمسا وروسيا لهزيمة نابليون وهو ما تمّ في «واترلو» قبل نفيه إلى جزيرة سانت هيلانة النائية جنوب الأطلسي. في الحربين العالميتين حاول الألمان منافسة البريطانيين على الزعامة العالمية ما دفع لندن للتحالف مع الفرنسيين ومن ثم توريط واشنطن وإقحامها في الحربين العالميتين، وهو ما رأى الأميركيون فيه مصلحة من أجل وراثة أميركية للبريطانيين في الزعامة العالمية، الأمر الذي تحقق غربياً عبر الحرب ضد هتلر واليابانيين عام 1945 ثم عالمياً من خلال الحرب الباردة ضد السوفيات عام 1989. ضد «الخطر الأخضر» لا نجد صراعاً ضد دول بل ضد منظمات.
في تلك الحالات كانت تتم إثارة أو خلق الخوف الرهابي من «الآخر» ليس عبر الحديث عن تهديد مصالح من قبل حامل مصالح مضادة بل عبر خلق حالة ذعر رهابية من «وحش» مقبل. في حالة نابليون كان إرهاب مقصلة الثورة الفرنسية عام 1794 تجسيداً لها رغم أن ثورة 1789 الفرنسية كان الانكليز هم ملهموها من خلال الثورة الملكية الدستورية 1688 - 1689، وهو ماكان ملموساً عند روسو وديدرو وفولتير. كان التركيز على المقصلة من أجل إثارة الخوف والرهاب في مجتمع مستقر ولكنه قبل الوصول إلى تحقيق ملكيته الدستورية كان قد قطع رأس الملك عام 1649 بعد حرب أهلية انكليزية استغرقت سبع سنوات ثم مارس البيوريتان المنتصرون بزعامة كرومويل ديكتاتورية سياسية - فكرية على المجتمع. وهو ما كان غبار السنين قد غطاه عند المواطن البريطاني الذي لم يعِ أن الفرنسي يسير على دربه، بل كان همه عدم تهديد نمط حياته المستقر ثم عدم تهديد الزعامة البريطانية العالمية التي من خلال موارد المستعمرات كان يأتي الازدهار الاقتصادي في المركز بالجزيرة البريطانية. الرهاب عند صانع القرار السياسي، وعند مراكز التفكير التي هي تحت يدي الأول، طلاء رقيق للتغطية على المصالح. هو مفيد من أجل التعبئة من دون تكلفة سياسية، ومن دون بذل جهد فكري سياسي كبير، حيث يكفي الكبس على ذر الخوف الغريزي من وحش داهم تتم صناعته صناعةً وهو يكون جزءاً رئيسياً من عدة الشغل. عانى البريطانيون كثيراً في صناعة «الشرير الألماني المتخلف البربري» في الحرب العالمية الأولى تجاه بلد أنجب غوته وهيغل وبتهوفن ولكن الأمر لم يكن صعباً عند الفرنسيين الذين كانت ما زالت نار هزيمة 1870 أمام بسمارك تكويهم، وكذلك ضم إقليمي الألزاس واللورين. لم يكن الأمر صعباً تجاه هتلر ووحشيته رغم محاولات رئيس الوزراء البريطاني تشمبرلين، وكذلك نظيره الفرنسي دالاديه، لتوجيه الوحش الهتلري ضد ستالين عبر ارضائه في مؤتمر ميونيخ (أيلول 1938) من خلال تقديم تشيكوسلافاكيا كوجبة ارضائية تهديئية، ولكن سيد الكرملين كان أذكى لمّا سارع بعد أحد عشر شهراً إلى عقد المعاهدة السوفياتية - الألمانية وهو ما جعل اشتعال الحرب العالمية الثانية في 1 أيلول 1939 بعد تسعة أيام من المعاهدة مواجهة ثلاثية ألمانية - بريطانية - فرنسية. كانت إثارة الغرائز ضد الشيوعيين تتم بشكلين: الخوف على الملكية الخاصة، والخوف من الدكتاتورية السياسية عند مواطن في مجتمع ديمقراطي. كان هذا وذاك يولد رهاباً كبيراً ويجعل اليميني المعادي للشيوعية يظهر بمظهر التجسيد للديمقراطية، ولكن عندما كان الشيوعيون واليساريون الآخرون يظهرون براعة في تسلق سلم الديموقراطية لم يكن الوسواس الديمقراطي يتملك البيت الأبيض تجاه دعم دكتاتور متوحش كما جرى في تشيلي عبر انقلاب الجنرال بينوشيه عام 1973 ضد حكومة الرئيس سلفادور أليندي المبنية على التحالف الاشتراكي - الشيوعي والآتية عبر انتخابات 1970.
هنا نجد أن إثارة رهاب الخوف تجاه «الخطر الأخضر» عند مواطن المجتمعات الغربية الأميركية - الأوروبية كان، مثل حالة هتلر، سهلة وبخاصة بعد أن وصلت كرات اللهب إلى نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر 2001، ومحطة قطارات مدريد (11 آذار 2004)، وقطارات أنفاق لندن (7/ 7/ 2005): كان هناك تاريخياً فوبيا رهابية من الاسلام بدأت منذ أن وصل المسلمون إلى وسط فرنسا عند بواتييه عام 732 ميلادية بعد مئة عام من وفاة النبي محمد. لم يكن الجنرال غورو بعد قد دخل دمشق في اليوم التالي لمعركة ميسلون (24 تموز 1920) خارج سياق التفكير الغربي، وبخاصة الفرنسي، لما وضع رجله على ضريح قاهر الصليبيين في حطين قائلاً: «ها قد عدنا يا صلاح الدين». وربما، بل على الأرجح، كان الجنرال البريطاني أللنبي مخطئاً عندما قال عند احتلاله القدس بالشهر الأخير من عام 1917: «اليوم انتهت الحروب الصليبية». الكثير من المسلمين غير المتدينين يعودون ليس فقط متدينين بل اسلاميين بعد سنوات من العيش في فرنسا، مثلاً. هذا ليس في القرن الثامن عشر بل في القرن الواحد والعشرين. ليس سبب هذا البوليس أو السلطات بل الفرنسي العادي. تستغل السلطات هذا الجو الاجتماعي المصاب بفوبيا الاسلام، والذي بيّن إدوارد سعيد في «الاستشراق» عام 1978، كيف تتحول الفوبيا الرهابية من الاسلام إلى ثقافة تكون وقوداً لأجندات سياسية للسيطرة على جغرافيا وعلى شعوب ومن أجل تسويغ هذه السيطرة. ما أوضحه إدوارد سعيد تجاه دور الاستشراق، بالنسبة إلى المعتمد البريطاني في مصر كرومر أو غورو أو حاكم الجزائر الفرنسي، لا يختلف كثيراً عما نشهده من أجندات أميركية تجاه المنطقة من خلال الممر الذي اسمه «داعش»، تماماً كما كانت «القاعدة» وابن لادن مدخلاً إلى احتلال أفغانستان والعراق عبر ومن خلال 11 سبتمبر. هنا يوجد رهاب تجاه آخر يأخذ شكلاً تمظهرياً في ثقافة هو عدة شغل لصانع القرار السياسي سواء كان هذا القرار دبلوماسياً أم عسكرياً.
كمجمل، يمكن القول إن صناعة الخصم - الوحش، سواء كان هذا حقيقة أم وهماً، تكون دائماً ضرورية من أجل أجندات سياسية تتخطاه ولا تتعلق به، بل يكون معبراً ضرورياً نحوها... لا يكون الرهاب أساساً للموقف السياسي بل يتمظهر كذلك، في ما يصدره السياسي للجمهور العادي بوصفه أساساً وهو ما يعتقده المواطن البسيط، بينما يكون الرهاب طلاء رقيقاً للمصالح والأجندات السياسية... لا ينطبق هذا على العلاقات الدولية فقط، بل يمكن أن نجده في ما بين الخصوم الداخليين... وهذا ما نراه كثيراً الآن في مجتمعات عربية عديدة تجاه تحويل «الخطر الأخضر» إلى التناقض الرئيسي، والباقي ثانوي بالقياس له، أيضاً من أجل أجندات داخلية خاصة.
* كاتب سوري