تتسارع قدرة العالم على التفلّت من المقولات الباقية من إرث سوسيولوجيا اللغة الاجتماعية التي سادت في مطلع القرن التاسع عشر. هذه المقولات التي أكملت مسار سابقاتها في قتل ممكنات الذوات الفاعلة للفعل خارج سكون النظم لمصلحة بطريركية الظواهر والمؤسسات المستقلة بذاتها عن موضوع تحققها.

أعلنت الثورة الصناعية «البراديغم» السياسي كائناً نظرياً فاقداً للأهلية واستبدلته بالبراديغم الاجتماعي والاقتصادي والذي فيه سبحت مقولات الرأسمالية والشيوعية على السواء، ومارست كلتاهما صراعهما على ضوء براديغم ما أعطى الصدارة للبنى الاجتماعية والاقتصادية ومنعها عن القشرة الهشة للبنى السياسية.

تأسيساً على تعريف المفكر الأميركي طوماس كون للبراديغم على أنه إجماع الباحثين في لحظة تاريحية محددة على طريقة خاصة لوضع المشكلات، يستأنف آلان تورين هذا القبول الواسع بين مثقفي العالم للبراديغم القديم ويعلن قصوره عن قراءة الواقع المُعاش لأن مفاهيمه أضحت بليدة وليس في متناولها الإحاطة بالراهن من دون تعنيف وقائعه ورمي مساحات شاسعة من تجلياته التي لا يمكن التغاضي عنها في دائرة الظل في مقابل المبالغة في تسليط الأضواء على حقائق اجتماعية نفاها العصر من مراكز الفاعلية التحتية إلى قشرته الخارجية، وصارت مجرد شاشة عرض لما يحدث هناك في القاع. يجزم تورين أنه فقط البراديغم الثقافي يملك أن يخبرنا بأحوال القاع وإيقاعاته.

مع انحلال الدول
القومية صار ممكناً للهويات الأكثر بدائية أن تجد لها تمثيلاً سياسياً
لا يخفى أن قتل براديغم تمتع بالشرعية في المئتي عام الماضية سيثير الكثير من الضوضاء بين مثقفي العالم، وتورين نفسه لا ينكر ذلك فهو يصرح بأننا دخلنا بالفعل في عصر ما بعد الحداثة التي أنهت عملياً الأنساق المغلقة للأفكار واستبدلتها بالأنساق المفتوحة على المواءمة بين المختلف والمتناقض. يبدو إذا أن نوايا تورين تتسق تماماً مع مندرجات عالم ما بعد الحداثة.
بالنسبة لتورين فإن إحدى تداعيات ما حصل هو ضرورة الانتقال من لغة اجتماعية حصراً الى لغة ثقافية تتناول الحياة الجماعية. اقتضت هذه الضرورة تالياً إعلاناً مضمراً لنهاية المجتمع، أو بالتحديد نهاية التصور الاجتماعي للمجتمع. من وجهة نظر الحداثة، يعتبر ذلك ردة الى منطق الجماعات بعدما كانت إحدى أهم إنجازاتها تتمثل في الانتقال من الجماعات الإثنية والدينية الى المجتمع الرحب الذي يهضم الاختلافات ويحاول تصور وحدة عابرة لمنحنيات وتضاريس الجماعات الأقلوية. بالنظر إلى سجلّه الشخصي، لا تعتبر مداخلة تورين خروجاً عن مألوفه باعتباره أول من تجاوز المدرسة السوسيولوجية التي درست الظواهر الاجتماعية باعتبارها أشياء لها وجودها المستقل عن الأفراد وهذا ما منح صوتاً فاعلاً لسائر المكونات والجماعات داخل المجتمع على حساب استفراد هذه الظواهر السابق بشرعية النطق والتعبير. يضاف إلى ذلك حقيقة أن الاقتصاد الذي عبر الحدود ولم يعد ممكناً أن يكون محلياً بسبب مقتضيات ديناميات السوق، لا بد من أن تلحق به الآن السياسة والثقافة والاجتماع. وبالتوازي مع انحلال الدول القومية صار ممكناً للهويات الأكثر بدائية وحداثة أن تجد لها تمثيلاً سياسياً وحربياً ربما على امتداد العمران البشري.
من جملة ما فعلته الحداثة أنها فصلت ما بين الزمني والغيبي، وفي سياقها الغربي تلاشى الغيبي واستفرد الزمني في إدارة الاجتماع البشري بمجمل تفاصيله. حدث هذا في الغرب الحضاري، أما الغرب الجغرافي فقد تمكنت العديد من الجاليات الإسلامية من النجاة في ضواحي مدنيته. هذه الحداثة آلت الآن الى ما بعد الحداثة وقررت التخلص من السلطات او الاشارة اليها بالبنان اشمئزازاً وتحدياً على أقل تقدير وأدخلت بالتالي الذات المعلمنة الى عصر تتغول فيه فردانيتها التي نضجت في الحواضر الغربية على نار هادئة لمئتي عام من الحداثة والعلمنة. أما الجاليات والجماعات الإثنية المتنوعة والتي عاش الكثير منها في غيتوات عملياً، فقد اقتصر تماسها مع «العالم الخارجي» على القدر الأدنى ولم يتجاوز الأمر البتة الحدود الثقافية والدينية بالغة الصلابة والعناد، يتجلى ذلك في الفشل المدوي لكثير من سياسات اندماج المهاجرين على امتداد القارة الأوروبية. عاينت هذه الجاليات قوانين وأنظمة وضعها مشرع أوروبي لمجتمع عبر مخاضات التيارات الفلسفية التي عصفت بالقارة العجوز في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية على الأقل ابتداء من وجودية جان بول سارتر وليس انتهاء بتفكيكية دريدا، في الوقت الذي لم يتوقف العديد من أفراد الجاليات الإسلامية حتى الآن عن سؤال أئمة المساجد حول جواز سرقة أموال المساعدات الاجتماعية على سبيل المثال. بنت هذه الجاليات أحياءها ومدارسها (مدارس ليلية وفي عطلة نهاية الأسبوع) ومتاجرها ومقاهيها الخاصة، وحتى عندما يفكر أبناؤها في قضاء عطلتهم السنوية فإن وجهتم، بشكل شبه حصري، هي البلاد التي غادرها آباؤهم وكأنها السفينة الأم التي لا غنى عنها. في ضواحي المدن الكبرى وعلى هامش المسار المجتمعي للكثير من المدن الغربية وجدت الجماعات الدينية والثقافية نفسها مدعوة الى «همروجة» الفردانية ولم تكن جاهزة تماماً لأجندة ما افترضها أصحاب الدعوة، وعوضاً عن ذلك انهارت أبسط مكتسبات الحضارة البشرية وطفت على السطح الغرائز الأكثر بدائية وتوحشاً.
يرى كثيرون أنه يمكن لهذه المقاربة أن تشكل مصدراً يعتد به لفهم الأسباب الكامنة وراء قطعان الذئاب والوحوش التي هبطت إلى الشام من مانشستر وباريس وستوكهولم وسائر حواضر ومعاقل العلمنة ومراكز الإشعاع الحضاري. وكأن أعلى الكوكب قرر أن يحرر تلك الأكواخ في الضواحي والتي لم تستثغ يوماً ناطحات السحاب، وفي عصر زالت فيه الحدود وارتفع منسوب السيولة في جريان البضائع والأفكار والأفراد، سالت قطعان الذئاب «بفعل الجاذبية» من أعلى الكوكب حيث تسكن إلى مربعها الأم هنا في الشام حيث سكنت ذات يوم أفكار التكفير والإبادة. وكان لافتاً مثلاً، أن الجهاديين الذين غادروا فرنسا لم تتسرب إلى خطاباتهم المنتشرة بكثافة على قنوات التواصل الاجتماعي مفردات الثورة الفرنسية وأدبيات جان جاك روسو أو حتى مقولات فولتير التنويرية. للمفارقة، وبخلاف الدعاية التي نشطت يوماً في القول بأن هؤلاء شباب متحمسون لنصرة شعب أعزل ضد مستبد مفترض، اكتفى هؤلاء بالتقانة الغربية وأعرضوا عن المكتسبات الحضارية للغرب لمصلحة خطابات ابن تيمية وسائر التراث المضمخ بالعنف والكراهية.
كأن الامر هو مركزية العقل الغربي مجدداً. يتعين علينا ان نتلقى الاعراض الجانبية لتجاربه ومخاضاته. كأننا نعيش في عالمين منفصلين تماماً إبستمولوجيا ولكننا في الوقت عينه على بعد تأشيرة شنغن من الآثار الجانبية لتجارب عقل غربي لا يهوى السكون بداعي السلامة والأمن.
* كاتب لبناني