كان يوم 23 آب 1982 يوماً حاراً، ولم تكن الطريق من المدرسة الحربية في الفياضية إلى معبر المتحف ممراً لسيارات الأجرة (أو خط كما يسميه اللبنانيون)، فما كان منه إلا أن قطع تلك الكيلومترات الخمسة مشياً. لم يعرف بنحو دقيق الوقت الذي استغرقته تلك الرحلة المزعجة، فالحدث أكبر من أن يفكر المرء في النظر إلى الساعة. انتُخب بشير الجميِّل رئيساً للتوّ، ويبدو أن حرب اللبنانيين قد شارفت على نهايتها، ربما.


حين وصل إلى معبر المتحف، استوقفه صراخ رائد في قوى الأمن الداخلي، وهو الخارج من سيّار الدرك المجاور، يترجّى عناصر الميليشيات على الحاجز أن يعيدوا له مسدّسه الأميريّ، وبعد أخذ وردّ قبلوا أن يعيدوا المسدّس، شرط أن يعطيهم الرصاصات، «لماذا؟» سأل الرائد، ليأتيه الجواب بأنّ رصاصاتهم قد نفدت حين احتفلوا، ولا بدّ من جولة إطلاق نار أخرى ابتهاجاً. على بعد مئات الأمتار على معبر البربير، وقف مقاتلو «المرابطون» على الحاجز ينظرون إلى مظاهر الابتهاج في القسم الشرقي من المدينة، وبمجرّد أن مرّ على حاجزهم، عاجلهم بسؤال واقتراح: «أمازلتم هنا؟ عودوا إلى منازلكم»، فأجابه أحد العناصر بسؤال: «لماذا علينا العودة؟» فقال لهم: «انتُخب بشير الجميّل، لقد استلموا السلطة، انتهت الحرب»، فعاجله العنصر نفسه ساخراً وبتحدٍّ: «انتهت؟! إنّها مجرّد البداية». سرعان ما توقّفت سيارة أجرة لتقلّه، وبمجرد أن دخلها أيقن أن بشير الجميّل لن يحكم طويلاً، هذا إن حكم أساساً. بشير الجميّل سيُقتل، هكذا يقول منطق هذه الحرب!
عند ذكر انتخاب بشير الجميّل رئيساً للجمهوريّة اللبنانيّة، أول ما يتبادر إلى ذهني، هذه اللمحة التي رواها أبي مراراً عن تغطيته للحدث في الفياضيّة في 23 آب 1982. ولم يكن إذ ذاك انتخاب بشير الجميّل رئيساً للجمهوريّة اللبنانيّة حدثاً عادياً، بكل مقاييس السياسة اللبنانية، حتى تلك التي تدهورت إلى حدّ الجنون منذ بداية الحرب الأهلية عام 1975. فقد كانت صورة الرجل المعقّدة التركيب تمنعه من أن يصبح رئيساً للبنان موحَّداً، فما البال بالبلد المشظّى على أثر سبع سنوات من الحرب الأهليّة الطاحنة؟! تلك الصورة جمعت صفات شخصيّة غير ملائمة للعمل السياسي، وميولاً وقراءة سياسيّة لا تتلاءم مع التركيبة المعقّدة للبنان، وتاريخاً قريباً جداً يحمل في طيّاته الكثير من الدماء المسالة على جانبي خطوط التماس.

الرجل والأسطورة والغيتو

يشرح جونَثان راندل، في كتابه «حرب الألف سنة حتى آخر مسيحيّ، أمراء الحرب المسيحيّون والمغامرة الإسرائيليّة»، صورة بشير الجميّل المركّبة. وراندل كان كبير مراسلي «واشنطن بوست» في الخارج بين عامي 1969 و1998، وغطّى ضمن عمله لبنان خلال سنوات السبعينيات ممّا قبل الحرب والثمانينيّات. ويقدّم هذا الكتاب أحداث الفترة بين عامي 1975 و1983 (الكتاب نُشر عام 1983) اعتماداً على الكاتب مصدراً أوّل، أو على مصادره الشاهدة على الأحداث وقت حصولها، دون تدخّل طرف ثالث. كذلك فإنّ الكاتب لا يلطّف لغة الخطاب السياسيّ التي سادت قبل الحرب الأهلية وخلالها كما فعل الكثير ممن كتبوا عن تلك المرحلة، فتُخرج روايته معظم الأحداث بفجاجتها كما حصلت على الأرض. ويقول راندل إنّ الذين عرفوا بشير الجميّل جيّداً في مراهقته كانوا يصفونه باللطيف، إذا ما وُضع جانباً ميله للعمليات الخياليّة التي تتميز بإراقة الدماء، بينما شرح له جان نادر أنّ الجميّل «كان يظن أن قبضته تسوّي كل الأمور، كان يتشاجر مع الشرطة ومع الدرك في الشارع، مع أيٍّ كان... ولكن مع الوقت، أدرك أنه في السياسة لا يكفي العراك دائماً للوصول إلى الغايات». ويروي راندل أنّ أحد الرهبان الموارنة وصف أمامه، بحضور بيار وأمين الجميّل، بشير الجميّل «بالجشع إلى السلطة»، بينما لاذ آل الجميّل بصمت فسره راندل على أنّه موافقة لرأي الراهب.
وبالفعل ظهرت معالم صفات بشير الجميّل هذه جليّة أمام الجميع قبل انطلاق الحرب الأهلية في نيسان عام 1975 بسنوات. ويستعيد راندل مسؤولية بشير الجميّل عن الكثير من الأحداث الدمويّة في محطات شتّى من كتابه، بداية من الاعتداء على مجموعة من الفدائيين في الكحالة عام 1969، إلى مجازر يوم السبت الأسود، مروراً بتسلّمه قيادة ميليشيا القوّات بعد مقتل وليم حاوي في حصار تلّ الزعتر (وهو ــ أي الكاتب ــ يعتبر الجميّل المؤسس الحقيقي لميليشيا القوات اللبنانيّة حتى قبل تسلّمه قيادتها)، من دون أن يستثني محاولته اغتيال ريمون إدّه عام 1977، واغتيال طوني فرنجيّة وعائلته عام 1978، ومجزرة الصفرا عام 1980. وفي ما خصّ خطاب بشير الجميّل، يشير راندل في أكثر من موضع في كتابه إلى أنّ الجميّل لم يكن زعيماً وطنيّاً، حتّى إنّه لم يكن زعيم المسيحيين في لبنان، حيث إنّه في أفضل حالاته وصل إلى أن يكون زعيم الغيتو المسيحيّ على إثر مجزرة الصفرا، هذا الغيتو الذي لم يضمّ أكثر من نصف مسيحيي لبنان. ويضيف أنّه بالرغم من أنّ خطاب الجميّل جمع خلفه أغلبية من سكّان الغيتو، إلّا أنّ هذا الخطاب والممارسات التي رافقته بدت غير واقعية لباقي الجماعات اللبنانية، ومنها المسيحيون الذين يعيشون خارج الغيتو. لكن من أكثر الأمور إثارة للجدل في شخص بشير الجميّل كانت علاقاته مع الإسرائيليين.
ومن نافل القول إن هذه العلاقات كانت علنيّة غير قابلة للإنكار حتّى قبل الاجتياح الإسرائيليّ للبنان. ويشرح راندل كم شكّلت النقاشات في الكنيست قبل انتخابات 1981، والتي قاربت علاقات إسرائيل مع الميليشيات المسيحيّة (القوات، ونمور الأحرار)، من إحراج لزعماء تلك الميليشيات في حينه. ولكن علاقات بشير الجميّل كانت الأقوى، ويروي راندل كيف كان داني شمعون يشتكي من المعاملة الخاصّة التي يحظى بها بشير عند الإسرائيليين.
ويضيف راندل أنّ تماسك بشير الجميّل وضباطه وقضيته، كان بالدعم الإسرائيلي المباشر. حتى إنّه يذهب إلى اتهام الموساد بقيادة وتسيير الجمعية الأميركية اللبنانية في واشنطن، المؤيدة للجميّل برئاسة ألفرد ماضي، في المسالك السياسيّة في المدينة، حتى أصبحت أكثر تأثيراً من السفارة اللبنانيّة هناك. ويشرح أن الإسرائيليين ساعدوا في رسم صورة بشير الجميّل وتمجيدها في الإعلام الغربي، ويذكر العديد من الأمثلة، منها فقرة على ABC (جيرالدو ريفيرا 20/20) ومقال في «نيويورك تايمز». ويزيد راندل في ترسيخ صورة التزام الجميّل مرجعية إسرائيليّة، حين يعدّد المعارك التي خاضها الأخير بدفع إسرائيليّ، من فتحه المعركة مع الجيش السوري عام 1978، إلى استجراره معركة وحصاراً على مدينة زحلة في 1981، حيث يوصّف راندل نتائج هذه المعارك بالكارثيّة على المسيحيين. ولا يكشف سراً حين يروي كيف أعلن الجميّل ترشّحه للانتخابات الرئاسيّة بعد الاجتياح الإسرائيليّ مباشرة، ولكنّه يضيف أن وصول شارون إلى بعبدا كان، برأيه، لدفع الجميّل إلى الانقلاب على الرئيس الياس سركيس وتولّي الرئاسة قبل الانتخابات الرئاسيّة، في ما يبدو أنّه كان سباقاً بين الإسرائيليين والأميركيين على كيفيّة إيصال الجميّل إلى الموقع. وربّما يمكن اختصار تشخيص راندل للعلاقة بين الإسرائيليين وبشير الجميّل بتوصيفه الأخير بأهم استثمار إسرائيليّ في لبنان حتى حينه. وحتى عند مقاربته للتغيير الذي حصل في لغة الجميّل السياسيّة بعد انتخابه رئيساً، لا نرى أنّ راندل قد غيّر رأيه فيه. فيروي أنّ الجميّل لم يغير لغته، إلى خطاب عن «الوحدة الوطنيّة وطي صفحة الماضي والشهداء»، لتغيّر في آرائه، بل بدفع أمريكيّ واضح، فيسرد في كتابه مسار تبنّي الولايات المتّحدة بشير الجميّل كخيار رئاسيّ، فقد بدأت علاقاته بالأميركيين تتوطد بعد لقائه فيليب حبيب على إثر هزيمة القوات في معركة زحلة، بعد أن كانت العلاقة باردة جداً. ويفصّل راندل أن التواصل مع الأميركيّين ازداد مع بداية عام 1982 حيث حثّ فيليب حبيب، الجميّل، خلال زيارة في شباط، على رفع التنسيق مع الإسرائيليين، فنُذُر الحرب كانت قد بدأت تظهر. ويوضّح أن التوتّر الذي ساد علاقة الجميّل بالإسرائيليين لم يكن إلّا بسبب حثّ الأميركيّين له على رفض اتفاق السلام ــ وهو كان هدفاً رئيسيّاً لبيغن ــ والاكتفاء باتفاقيّة عدم اعتداء. ويوضّح راندل أن الإسرائيليين رأوا أن هذا الموقف الأميركيّ يصبّ في اتجاه الدفع إلى خطّة ريغان للسلام الشامل في حينه. من ثمّ يروي عرض بشير الجميّل على وزير الدفاع الأميركي كاسبار واينبرغر، أثناء زيارته لبيروت في بداية أيلول 1982، إنشاء قواعد عسكرية أميركيّة ومنشآت رادار لمراقبة الداخل العربي والحوض الشرقي للمتوسط «وكل ما تريدونه»؛ كل ذلك في مقابل أن يخلّصوه من أي التزام مسبق نحو إسرائيل، وذلك بعد أن وجد نفسه وسط اشتباك أميركيّ إسرائيليّ. ولا يرى راندل في مواقف بشير الجميّل بعد انتخابه رئيساً إلا صدىً لتعليمات أميركيّة كانت ستمهّد لفرض خطّة ريغان للسلام، وفي المقابل يشرح أنّ التوتّر في العلاقة مع الإسرائيليين لم ينفِ عن الجميّل صفة أهمّ استثمار لهم في لبنان.

تفكيك السرديّة

يذهب الكثير من اللبنانيين، في سبيل تبرير العلاقة بين الإسرائيليين وبشير الجميّل وميليشياته، إلى ذريعة الاضطرار. فالجميّل، بحسب سردية هؤلاء، لم يجد أمامه سوى إسرائيل للتسلّح في وجه «الخطر الفلسطيني» الذي كان يتهدّد تركيبة الكيان اللبناني. ولكن راندل يفكّك هذه السرديّة تتالياً في أقسام مختلفة من كتابه، فالواضح أنّه يحمّل أغلب كبار الساسة الموارنة المسؤولية الأساسية لاشتعال الحرب، علماً بأنّه لا يرفع المسؤولية عن منظمة التحرير والأحزاب الوطنيّة اللبنانيّة، بالأخص الأخيرة التي يتّهمها بالسذاجة في التعامل مع حزب الكتائب وتحويله إلى لاعب أساسيّ عبر محاولة عزله، والفشل في فهم الطائفة ككيان قائم بحدّ ذاته في لبنان. ويبني راندل قناعته بتوزيع المسؤوليات هذا على الدور المباشر الذي لعبته ميليشيا الكتائب في إشعال فتيل الحرب، بالإضافة إلى السرديّة التاريخيّة التي تبنّتها معظم الأحزاب الانعزاليّة عن لبنان، والتي يصفها بالمغلوطة والمصنّعة. فيسرد راندل أنّه خلال عكوفه على دراسة تاريخ الموارنة خلال عامي 1975 و1976 على أثر انفجار حرب السنتين، وجد أنّ هذه السرديّة التاريخيّة، التي تفصل جبل لبنان عن محيطه العربيّ، سهّلت خيار الحرب. هذه السرديّة ترسم صورة وطن صُنع للحفاظ على خصوصية سكّان هذا الجبل بأغلبيتهم المارونيّة، ولا يكون له أي معنى دون حكم هذه الأغلبيّة له. وبينما يُرجع راندل الأسباب غير المباشرة لاندلاع الحرب إلى التغييرات السياسيّة والاجتماعيّة التي أصابت الكيان، يرى أنّ عناد كبار الساسة الموارنة ورفضهم أخذ التغييرات بالاعتبار، ابتداءً من عام 1958، أدّى إلى الانفجار. ويلمّح راندل إلى أنّه بالنسبة إلى هؤلاء الساسة لم يكن يهمّ الحقوق والمساواة، فالمسألة كانت مسألة حاكم ومحكوم.
وانطلاقاً من هذا، يعبّر راندل عن قناعته بأنّ تورّط الميليشيات المسيحيّة في الحرب وفي علاقات مع الإسرائيليين لم يكن الخيار الوحيد أو الأخير، بل كان بإيعاز أميركيّ. فيشرح أنّ الكثير من المتابعين ممن يعرفون الشرق الأوسط كانوا مقتنعين بأنه كان للمخابرات الأميركية سياسة ما دون موافقة حكومة فورد عليها وعلمها بها، وهي على الأرجح دعم الميليشيات المسيحية في وجه منظمة التحرير وإسداء خدمة للموساد. ويسرد كيف أكّد داني شمعون له تلقي الكتائب الدعم من السي أي إيه عبر الجيش اللبناني منذ ما قبل بداية الحرب. ويضيف أنّ دين براون، مبعوث كيسينجر إلى لبنان بداية عام 1976، أسرّ إلى قادة الموارنة أن المارينز لن ينزلوا في لبنان، وأن عليهم أن يكونوا أقوياء ليتفاوضوا، وعندما حاول أمراء حربهم استيضاحه فهموا أنه يريدهم أن يستعينوا بإسرائيل. ويبدو الكاتب مقتنعاً بأن سياسة التجاهل الأميركية للحرب اللبنانية كانت ضمن مخطط اتفاقية فصل القوات في سيناء ومباحثات كامب دايفيد 1978، وأن الاهتمام الرئيسي للأميركيين لم يكن وقف الحرب، بل منع امتدادها إلى الدول المحيطة. هذه الصورة التي يركّبها راندل على امتداد الكتاب، تضعنا أمام دفع أميركيّ خفيّ وتجاهل علني للحرب، بينما تظهر إدارة إسرائيليّة مباشرة للمفاصل الأساسيّة عبر علاقة متينة مع بشير الجميّل وميليشياته، وسرديّة ضعيفة عن ضرورة إشعال حرب ونسج علاقات مع العدوّ لا ضرورة لهما على أرض الواقع.

الانتحار والمراجعة

من نافل القول إنّ من المجحف محاكمة جماعات بأسرها وبمفعول رجعيّ. ولكن في المقابل، ومع مرور المنطقة بأحداث مفصلية ستشكّل مستقبل الأجيال القادمة لعقود، من الضروري قراءة المسارات السياسيّة لزعماء الجماعات المشاركة في الحرب الأهليّة اللبنانيّة والحكم على صوابيّتها، إن كنّا نريد أن نتجنب أخطاء الماضي. ويجب التركيز، ضمن المراجعة، على أمراء حرب هذه الجماعات اللبنانيّة، وبالأخص على بشير الجميّل. فبشير الجميّل الذي اندفع أبعد من كلّ المحيطين به من الساسة وأمراء الحرب في تلبية مسارات أميركيّة أدخلت البلد في أتون حرب طاحنة، والذي حوّل نفسه إلى أهم استثمار إسرائيليّ في لبنان، يجب أن يمرّ تحت مجهر التدقيق والمراجعة، لأن تكرار أخطائه ليس ترفاً سياسيّاً يمكن أيّ جماعة احتمال عواقبه السياسيّة والاجتماعيّة في أتون صراعات المنطقة اليوم. وأفضل ما عبّر فيه راندل عن فداحة أخطاء الجميّل هو حين قال: «لكن لا شيء في ماضي لبنان يسمح بالافتراض أن بشير كان سينجح، ورغم كل ما كان يعد به، فإنّه هو ومناصريه ساهموا في أغرب أمثلة الانتحار الجماعي في التاريخ المعاصر».
* كاتب لبناني