الدور العسكري الروسي في سوريا تحوَّل من مجرّد دور حصري محدود في المكان لإنقاذ آخر ما تبقى من نفوذ لبلاد القياصرة خارج حدودها، إلى نظام مَرْجعي على مستوى الشرق الأوسط يؤثِّر في دولة الموازنة من إيران إلى السعودية فتركيا وإسرائيل.

مصر فقط، آثرت الحفاظ على علاقتها بالخليج بسبب حاجاتها إلى مساعدات وقروض تسُدُّ بها أزماتها الاقتصادية الخانقة، لكنها حافظت على علاقات مع روسيا تستبقيها للأيام الحالكة.

أما أسباب التدخّل فموجودة في تطور الأزمة السورية التي تحوّلت فور اندلاعها غزواً خارجياً متنكراً بلبوس إسلام أممي تستثمر في إرهاب السياسة الأميركية وتحالفاتها في السعودية وقطر وتركيا وإسرائيل. وتمكّن هؤلاء من فتح حدود سوريا مع كامل جوارها بمدى آلاف الكيلومترات لدخول عشرات آلاف التكفيريين الذين التحقوا بنظرائهم السوريين والعرب، مدعومين بالمال والسلاح والتدريب ومساندة الأقمار الاصطناعية ووسائل الإعلام وآلاف المستشارين الغربيين. كان المطلوب إسقاط النظام السوري في بضعة أشهر، لذلك كانت تصريحات السياسيين الأميركيين والسعوديين والأتراك والإسرائيليين متشابهة: «لا حلّ إلا برحيل الأسد. والمطلوب إسقاط النظام فوراً».
لتمرير خطتها وإضفاء طابع شرعي عليها، أسست واشنطن منذ نصف عقد تقريباً تحالفاً دولياً من نحو 70 دولة تحت عنوان محاربة الإرهاب... لكن هذا الإرهاب تمدَّد مستفيداً من مرونة هذا التحالف الدولي تجاهه، مطوّقاً الدولة السورية في إطار يزيد قليلاً عن 20 ألف كيلومتر مربع.
وجاء التدخّل الأول لصالح الأسد من إيران وحلفائها في منظمات إقليمية متنوعة.. لكن ما أضفى على هذا التدخل شرعية عربية هو حزب الله بصفته: التنظيم العربي اللبناني الجذر، والذي انتصر على إسرائيل مرتين في 2000 و2006.
للتذكير فقط فإن اللقاء الذي جمع نائب وزير خارجية روسيا ميخائيل بوغدانوف بأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله قبل ساعات فقط من إعلان الحزب عن تدخّله في سوريا ليس أمراً عارضاً بقدر ما عنى في ذلك الوقت بدء التحالف الروسي ــ الإيراني في وجه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط... وهو حلف بين بلدين تستهدفهما السياسة الأميركية، منذ عقد بالنسبة لروسيا غير السوفياتية وأربعة عقود لجهة إيران الإسلامية.
لا بدّ هنا من التأكيد على أن التنسيق السوري ـ الإيراني وحزب الله مع المنظمات الإقليمية، نجح في وقف التراجع مسجّلاً تقدّماً في كثير من المواقع.. لكنه استجلب مزيداً من الضغوط الأميركية والتركية والإسرائيلية عسكرياً وعلى شكل مدد وغارات وتمويل وتسليح ووسائل إعلام أدخلت المنطقة في أتون فتنة سنية ـ شيعية للزوم إسقاط سوريا وبقية الدول تباعاً.
فبدا المشهد على الأرض السورية في 2015 كالآتي: حدود تركية وأردنية وعراقية وسورية محتلة من قِبل إسرائيل مشرعة لقوى الإرهاب والتكفير والتحالف الدولي مقابل الدولة السورية وإيران وحزب الله وتنظيمات إقليمية شعبية. بمعنى أن التكافؤ العسكري كان لمصلحة الفريق الأميركي ــ السعودي ــ الإرهابي من دون تجاهل الجهود الجبارة التي يبذلها حزب الله حتى الآن وأدت إلى هذا الصمود. واستجلبت غارات إسرائيلية بالعشرات أصابت الحزب والجيش السوري. عند هذا الحد، شعرت السياسة الروسية أن الظروف الموضوعية لتدخّلها العسكري أصبح ناضجاً وهي التي تمتلك قاعدة عسكرية بحرية في طرطوس موجودة قبل وقت طويل من اندلاع الأزمة... وكانت تبدو كأداة للتذكير بنفوذ الاتحاد السوفياتي المنقرض وليس روسيا الوريثة والباحثة عن دور جديد. وكان المطلوب تثمير هذا الدور عسكرياً للوصول إلى الحصاد السياسي.


تحوّلت روسيا
عبر تدخلها العسكري
إلى نظام مرجعي

لذلك تعمّد التدخل الروسي محاكاة برنامج عمل التدخل الأميركي وهو محاربة الإرهاب، محذراً الإشراف التركي على حركة الإرهاب العسكرية في معظم سوريا، وفارضاً تقليص الغارات الإسرائيلية على قوافل حزب الله والجيش السوري، مستهدفاً تجمع الإرهابيين على مدى الجغرافيا السياسية السورية بأعنف غارات جوية فاقت حتى الآن السبعين ألف غارة نفذتها طائرات عسكرية من جيل القرن الواحد والعشرين، ومنظماً حركة جوية محددة مع طيران التحالف الدولي.
هذا ما أتاح للجيش العربي السوري وحلفائه في حزب الله والمنظمات الإقليمية من شنّ حروب واسعة أدت إلى ربط حلب بالحدود الأردنية والعراقية عبر البادية ودير الزور وتدمر وتوسيع مساحة الدولة السورية إلى مئة ألف كيلومتر مربع تقريباً.
إن البراعة العسكرية السورية مع جهود حزب الله وحلفائه، استفادت من التغطية الجوية الروسية والسورية... لكن من استفاد أكثر هي الجهود الدبلوماسية والسياسية الروسية التي استثمرتها في فتح دورها السياسي على كامل الشرق الأوسط وعبر الدول المتورطة في الأزمة السورية مباشرة أو بالإشراف والتمويل.
وبعد حلفها مع إيران، تمكنت موسكو من إقناع إسرائيل بمحدودية حركتها نحو جهات تعتقد أنها ترسل أسلحة إلى لبنان أو إلى الجولان السوري المحتلة. ونظمت قواعد اشتباك دقيقة ومناطق حظر للطيران، تمنع سلاح جو العدو الإسرائيلي من اختراق الأراضي السورية. فأخذت إسرائيل تتعمد قصف حزب الله أو الجيش السوري من الجولان المحتل تارة ومن لبنان تارة أخرى... وهكذا تحول الكرملين إلى محجة يقصدها السياسيون الإسرائيليون لإثارة مطالبهم ضد حزب الله وخصوصاً دوره عند مشارف الجولان المحتل.
... وهذه وضعية لم تكن موجودة قبل بدء الغارات الروسية في سوريا، التي كان تخترق الأجواء كاملة، هذا لا يعني عدم استمرار إسرائيل في دعم «النصرة» و«داعش» عند حدود الجولان.
لكن النتيجة لهذا التنسيق الإسرائيلي ــ الروسي ترجمه تصريح لوزير الأمن الإسرائيلي منذ أيام عدة اعترف وهو يكاد يبكي بأن «الأسد قد انتصر».
وهكذا تمكّن الدور العسكري الروسي من فرض تفاهمات مع الأميركيين على قاعدة وجود نفوذ روسي في إطار الدولة السورية الحالية، مع السعي إلى تحقيق تفاهمات في المناطق الأخرى وهي ثلاث: واحدة تخضع للنفوذ التركي وأخرى عند خطوط الحدود مع الأردن والعراق فيها قواعد أميركية، وثالثة تسيطر عليها «حركات كردية» تحرّكها السياسة الأميركية على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاستراتيجية. واعتبرت واشنطن أن مناطق سيطرة «داعش» في وسط سوريا مباحة للطيران الروسي. إلا أن الأميركيين لم يغُوصُوا في عمق التفاهمات وأبقوها سطحية. وفوجئوا بانهيار المنظمات الإرهابية بأسرع ما كانوا يعتقدون فأسرعوا لتحريك الكرد محاولين تأخير انهيار «داعش» و«النصرة» بأساليب شتى منها إعاقة تحرك الجيش السوري وحزب الله في البادية ودير الزور ومناطق الحدود.
وبالنتيجة فإن روسيا أصبحت مرجعاً بالنسبة للإسرائيليين والأميركيين. وبالتحالف مع إيران وحزب الله الذي امتد مؤدياً دوراً إقليمياً واسعاً على المستويين العسكري والإيديولوجي.
لجهة تركيا، فقد استخدم الروس أساليب عسكرية واقتصادية لجذبها مستفيدين من إحباط الأميركيين لمحاولاتها إعادة إحياء عثمانيتها القديمة، وتقليص نفوذ حلفائها من الأخوان المسلمين وعدم دعمها للانتساب للاتحاد الأوروبي. والأخطر أن تركيا تتهم واشنطن بدعم محاولة انقلابية استهدفت رئيسها أردوغان بواسطة الداعية غولن.
فيتبين أن مرحلة الاحتراب الروسية ـ التركية التي كادت أن تصل إلى حالة حرب انتهت إلى تفاهمات روسية ـ إيرانية ـ تركية جمعت بين القليل من السياسة المشتركة والكثير من الاقتصاد، القائم على تمرير أنابيب غاز روسية وإيرانية إلى العالم عبر تركيا. وهذا لا يعني قطع علاقات أنقرة مع الحلف الأطلسي، لكن تركيا دولة وازنة في كبريات الدول العشرين في العالم، ووجدت نفسها مضطرة إلى تبني دور محدود في سوريا نتيجة للدخول الروسي الذي أسهم إلى جانب حلفائه بتدمير الإرهاب المدعوم منها وتأكدها من تراجع الدور الأميركي الذي أصبح يعتمد على الكرد الذين يشكلون أكبر خطر على سلامة الدولة التركية منذ عشرينات القرن الماضي.
لذلك عقد تركيا وإسرائيل روابط قوية مع روسيا الشرق أوسطية من دون كبير ممانعة من الأميركيين، على مستوى السعودية، التي كان دورها متركزاً على الدعم المالي والإسناد الفقهي، لمصلحة التنظيمات التكفيرية، فقد وجدت أنها لم تعد موجودة سياسياً في العراق وسوريا على الرغم من استمرار وزير خارجيتها الجبير بالصراخ وإطلاق تصريحات مكررة، تصيب الناس بالقرف والإعياء. ولاحظت أن هزيمة أنصارها في هذين البلدين استبقت تمرداً خليجياً عليها، كاد يُسقِطها من مستوى قيادة الخليج والتأثير في العالم الإسلامي لمصلحة قطر وتركيا... إلى مستوى دولة من الدول النفطية العاشرة.
وإزاء تراجع الدور الأميركي الذي تقلّص في المحيط الإقليمي مكتفياً بالحياد في الأزمة الخليجية والمتقاطع أيضاً مع رفض واشنطن لأي تدخل عسكري كبير يقلب التوازنات في سوريا والعراق... لذلك ارتأت السعودية من خلال موقعها الأميركي «التاريخي» اللجوء إلى الدور الروسي لحماية المملكة من ما تسميه الخطر الإيراني. فذهب سلمان ليشتري روسيا اقتصادياً بهدف منع حليفتها إيران من التأثير على الدور السعودي في الداخل والخارج... وهكذا تأمل السعودية أن يؤدي التنسيق في مجال الطاقة إلى إجازة آل سعود دعمين عالمين كبيرين أي الأميركيين والروس. وبذلك تكون السعودية حافظة على ولائها للأميركيين، في الإطار الكبير وأسست لعلاقات جديدة موضعية في الشرق الأوسط والخليج مع الروس.
وهكذا يتضح أن التدخل العسكري الروسي في سوريا توسّع بسرعة، من مستوى طلعات جوية قوية أصابت الإرهاب في كبده، لتتحوّل روسيا إلى نظام مرجعي تعود إليه الدول الأساسية في الشرق الأوسط. وها هم الروس يعرضون وساطتهم في أفغانستان وباكستان وفنزويلا وكوريا الشمالية وبحر الصين والبحرين واليمن وكردستان. وبصدد التحضير لتحويل العداء الإيراني ـ السعودي إلى مفاوضات يمكن استكشاف ملامحها من ارتفاع معدل التصرحيات العدائية المتبادلة بين الرياض وطهران والتي ملأت وسائل الإعلام في اليومين الفائتين وذلك في محاولة لرفع الأسعار في عالم التسويات كما يجري دائماً.
روسيا إذاً مرجعية شرق أوسطية بامتياز لا تعادلها إلا المرجعية الأميركية. لكن هذا الإقرار الأميركي من جهة ومن جانب الدول الشرق أوسطية الأساسية من جهة ثانية لا يعني توقف الصدام بينهما على حلبة الشرق الأوسط. فواشنطن تحضر لجولات جديدة بأوراق غير مستهلكة لإعادة الاستئثار بالمنطقة كما أن موسكو التي أصبحت وازنة فيها، تتأهب للانتقال إلى مناطق جديدة تدريجياً خشية توسع المطلوب على حساب تواضع الإمكانات. لكن عودة القياصرة إلى العالم لن تتأخر في ظل إصرار سيد الكرملين بوتين على العودة إلى القرار الدولي مقابل سمسار أميركي هو الرئيس دونالد ترامب الذي يتعامل مع موازين القوى بعقلية «بائع المفرق» رافعاً أسعاره التي سرعان ما تهوي أمام منافسات جديدة بدأت تنقر في جسد أعظم إمبراطورية في التاريخ لم تجد إلا مهرج لقيادتها.
* أستاذ جامعي