قبل ذهابي في بعثة مع «منظمة أطباء بلا حدود»، تكرّرت على مسامعي الأسئلة ذاتها: «لماذا يعمل مهندس في منظمة طبية كأطباء بلا حدود؟ كيف يعمل مواطن لبناني ضمن كادر المنظّمة الأجنبي؟ هل أنت طبيب؟ لماذا تقطع مسافات بعيدة لتذهب بقدميك إلى مكان خطر؟ أين تقع هاييتي هذه؟».


انضممتُ إلى «منظمة أطباء بلا حدود»، في كانون الثاني/ يناير الماضي، وكان أكثر ما شدّني لذلك قراءة تلك السطور القصيرة بالخط المائل في أسفل إعلان الوظيفة على الإنترنت: «منظمة أطباء بلا حدود منظمة طبيّة إنسانية دولية مستقلة تقدّم الإغاثة الطارئة إلى السكّان المتضرّرين جراء النزاعات المسلّحة والأوبئة والكوارث الطبيعية، وإلى أولئك المحرومين الرعاية الصحية. وتوفّر المنظمة المساعدات للأفراد وفقاً لاحتياجاتهم بغضّ النظر عن العرق أو الدين أو الجنس أو الانتماء السياسي». وبعد اطّلاعي على صفحة المنظّمة الرسمية على الإنترنت، اكتشفتُ أنّ فرقها لا تقتصر على الأطبّاء والممرّضين، بل تجمع الصحفيين والفنيين والإداريين والمختصّين في الشؤون اللوجستية. فكيف يمكن الطبيب أن يعمل من دون كهرباء؟ وكيف يمكن نقل المرضى وإحالتهم من دون وجود بناء مشيَّد وآمن؟ كيف للطاقم التمريضيّ الاعتناء بالمرضى إذا لم تجرِ صيانة الأدوات دورياً؟ نقوم جميعنا، على اختلاف مهننا، بتسيير عمل الفريق بهدف تقديم الخدمات الطبية، وإحداث فرق في حياة المرضى في البلد الذي يحتاج استجابة المنظّمة.

الخطوة الأولى في المسار الإنساني

كانت هاييتي محطتي الأولى في مسيرة العمل الإنساني، وقد تملّكتني الحماسة عند إعلامي بأنه قد جرى انتدابي إلى بورت أو برانس في أيار/ مايو. وعلى الفور، بدأت بتوضيب أغراضي باكراً كطفل صغير يوضّب حقيبته المدرسية مترقباً أول يوم دراسي له. علمت أن هاييتي قد شهدت ظروفاً صعبة في السنوات الماضية، بين التغييرات السياسية والمناخية والكوارث الطبيعية كالهزات الأرضية والعواصف، وانتشار عدوى الكوليرا. وتعاني المستشفيات العامة في هاييتي من محدوديةَ الموارد، وكثيراً ما يتعرقل تقديم الخدمات فيها نظراً إلى الإضرابات التي يقودها العاملون في المجال الصحّي المستاؤون من تقاضيهم أجوراً منخفضة.


هذه التجربة لا يمكنك اختبارها إلا من خلال
العمل مع «منظّمة
أطباء بلا حدود»
بعد مرور ستة أسابيع على عملي بصفة مسؤول الشؤون اللوجستية في مستشفى طباريه، وجدت نفسي مسؤولاً في أحد أضخم مشاريع «أطباء بلا حدود» في العالم، حيث هناك أكثر من 600 عضو من الكادر يعملون في هذا المستشفى، الذي تُجرى فيه نحو 600 عملية جراحية في الشهر. ويُعَدّ مستشفى طباريه من أكبر المستشفيات المجانية العاملة في بورت أو برانس وأكثرها نشاطاً، حيث يحتوي على 121 سريراً، ويختصّ بنحو رئيسي في علاج الإصابات البالغة. وتُجرى العمليات الجراحية في المستشفى وفق معايير أوروبية عالية الجودة، في بلد يشكل فيه الحصول على الرعاية الصحية الجيدة أحد التحديات الرئيسية.
عملي مسؤولاً للشؤون اللوجستية مع «أطباء بلا حدود» يختلف عن أي منصب شغلته في لبنان، إذ يتألف فريقي من فنيّي كهرباء وفرق صيانة وقسم الطب البيولوجي. وكان من ضمن مسؤولياتي إدارة المعدات الموجودة في المستشفى، وضمان تركيبها وصيانتها في الوقت المناسب، وضمان عمل الفريق في شروط آمنة وإيجاد المقاولين لتنفيذ المشاريع الصغيرة في المستشفى. وكانت الفرق اللوجستية تعمل مع الفرق الطبية في المشروع لتحديد استراتيجية العمل المستقبلية، وتتأكد من وجود التنسيق والتواصل مع الفريق الطبي لفهم احتياجاته ومساعدته في تقديم الخدمات الطبية للمرضى بصورة أفضل. إنّ هذه التجربة هي من أحد الأمور التي لا يمكنك اختبارها إلا من خلال العمل مع «منظّمة أطباء بلا حدود».

خارج العمل اللوجستي

بعد انتهاء العمل، أو خلال عطلة نهاية الأسبوع، يمكننا استكشاف هاييتي بشواطئها وأريافها حيث تتوارى المناظر الخلّابة. ولا بد من التعرّف إلى المأكولات اللذيذة بأنواعها في «بتيون فيل»، إذ تتنوّع خيارات الأطعمة ولا تنحصر في مطبخ الكريول (المأكولات التقليدية الخاصة بهاييتي)، حتى إنني تناولت الكبة النيئة هناك! لقد كان الهاييتيون يعاملونني في غاية اللطف، منذ أن وطئت قدمي هذا البلد، فبدأت محاولاتي للاندماج في المجتمع، واشتركت في دورات لتعلُّم اللغة الكريولية لأتمكّن من مخاطبة الناس بصورة مقربة أكثر لهم. وفي الآونة الأخيرة، بدأنا بعقد اجتماعاتنا باللغة الكريولية للسّماح للناس بالحديث والتعبير عن أنفسهم وأفكارهم بنحو أفضل. يقدِّر الناس هنا عمل «أطباء بلا حدود» للغاية، فتراهم يبتسمون لنا ويلوحون بأيديهم كلما مررنا بجانبهم في سياراتنا. ولا يوجد أروع من الشعور الذي يعتريك عندما يبتسم لك طفل هاييتيّ فقط لأنك لوحت له بيدك. لقد اعتاد الهايتيون الشعار الأبيض والأحمر، يلمحونه على سترات الموظفين الأجانب، بل أيضاً على قمصان أقربائهم ومعارفهم، فلم تكن مساهمة المنظمة مقتصرة على مجال الرعاية الطبية فقط، بل امتدت لتشمل أيضاً الموارد البشرية من خلال توظيف الأيدي العاملة الوطنية وإعطاء بعض الناس فرصاً جديدة.
أن تكون في الميدان مع «أطباء بلا حدود» هو بمثابة تجربة مغيِّرة للحياة. فلا أجد نفسي أنظر إلى الأمور كما كنت في السابق. فقد تعلمت الآن أكثر من أي وقت مضى أن أقدِّر الأمور وأثمّنها في بلدي وموطني، بعدما كنت لا أعرف قيمتها الفعلية من قبل. كذلك منحتني «أطباء بلا حدود» الفرصة لتكوين صداقات من مختلف أنحاء العالم، وأن أكون محاطاً بثقافات متعددة في مكان واحد. لقد مرّ على وجودي في هاييتي أربعة أشهر، شهدتُ خلالها بعض الصعوبات في بادئ الأمر، ومرّت عليّ لحظات من التوتر والغضب بالطبع، شعرت فيها أحياناً بأنني لا أتفق مع الناس من حولي، سواء في العمل أو في المنزل. إلا أن عملي في المستشفى طوال هذه الأشهر، وفي هذا البلد بالتحديد، قد علمني الصبر وتوسيع من مداركي. إن الاستقلالية والمرونة التي أشعر بها في العمل مع «أطباء بلا حدود» لا يمكن أن تجدها في مجالات الحياة الأخرى، أو القطاعات الخاصة. لقد اكتسبت مهارات وخبرات جديدة نتيجة وجودي في هذا المكان، بحيث أعتقد أنها زادت من نضجي على الصعيدين المهني والشخصي؛ فأنا لست الشخص ذاته الذي وصل إلى هاييتي قبل عدة أشهر، وأعتقد أنني لو لم اتخذ خطوة السفر هذه لكنتُ بالتأكيد ضيّعت تجربة بمثل هذه الروعة.
(مهندس من طرابلس، شمال لبنان)