ربما قلة منا يتذكرون أياماً في تواريخنا المعاصرة والحديثة عندما كان كل طامع في سلطة في بلادنا، أو متطلع لتسلم قيادة أو مستوزر... إلخ، يسوغ أفعاله وأقواله بأنها من أجل قضية العرب الأولى، قضية فلسطين. فلسطين كانت قميص عثمان والمنبر الذي استخدمه كثر من السياسيين، من أجل «الصعود» والوصول إلى المنصب. وكما كان تحرير فلسطين وتحريرها تتقدم شعاراتهم قبل الوصول إلى مواقعهم، فقد فقدت موقعها، حتى في خطاباتهم، بعدما وصلوا إلى ما يطمحون إليه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، يختزل آخرون تبنيهم فلسطين، قضيتنا الأولى والأخيرة لأنها تلخص كل نضالاتنا على الصعد كافة، الوطنية والاقتصادية والفكرية والعَقِدِيَّة وغيرها، بشعار هنا أو بحركات بهلوانية هناك وتحرك استعراضي في مناسبة ثالثة، وهكذا.

من منظورنا، فلسطين قضية انتماء وطني/ قومي، أيّاً كان تأويل الأخير وتطبيقاته العملية، وليست قضية تضامن. أن تكون وطنياً/ قومياً يعني أن فلسطين قضيتك الحياتية وحتى الشخصية. وعندما تكون فلسطين هي القضية، فإن كل ما قد يتناقض مع هذا المفهوم وجب نبذه.
أما مسألة التضامن مع فلسطين، من نمط «متضامنون» على سبيل المثال، فهو أمر معيب حقاً. التضامن يكون، في ظني، مع الآخر. وبذلك فإن القول بالتضامن مع هذه القضية أو تلك، والمعني هنا فلسطين، يعني أمراً واحداً هو أن هذه القضية تعني قائلها من باب الدعم وليس من منظور التبني. هذه العقلية غير السوية هي التي تقود إلى خيارات اختصار قضية فلسطين والنضال من أجلها إلى شعارات ومقولات وما إلى ذلك من الاستعراضات الفارغة. هذه النظرة العرجاء هي التي تختزل النضال من أجل فلسطين في مجموعة منتقاة من الطقوس التي تتكرر في الأعياد والمناسبات، الوطنية وغيرها!
وفي أحدث تجلٍّ لهذه النظرة غير السوية لقضية فلسطين، بوصفها تعبير مكثف عن نضالات شعوب أمتنا من أجل التحرر الوطني والقومي والفكري والاقتصادي... إلخ، (انظر إلى مشاركة السيد المنصف المرزوقي، رئيس الجمهورية التونسية الأسبق الذي أعفاه الناخب التونسي أخيراً هو ومن وراءه، من منصبه، في سفينة ماريان الإغاثية التي توجهت في شهر حزيران الماضي إلى الأراضي الفلسطينية المحررة، المسماة مجازاً «قطاع غزة»).
لا ندري كيف نصفُ تصرف رئيس الجمهورية التونسية الأسبق! هل هو عمل تضامني؟
لنعد قليلاً إلى سنوات حكم السيد المنصف المرزوقي ونسأله مستنكرين: عندما كنتَ في موقع الرئاسة في تونس، ماذا قدمت لفلسطين؟ وإذا ما قدمت من شيء مادي، لم نسمع به، فهل تناسب ذلك مع ما بمقدورك عمله وأنت في أعلى منصب سياسي في تونس؟!
السيد رئيس الجمهورية الأسبق! هل طالبت بحظر أي تواصل مع العدو الصهيوني وعد أي عمل تطبيعي معه على أنه تصرف يقع تحت خانة الخيانة العظمى! هل طالبت بوضع تحرير فلسطين ضمن مواد دستور البلاد التي ترأستها! هذا بعض مما كان بإمكانك عمله، وهو أضعف الإيمان، لو كنتَ تعد فلسطين قضيتك الوطنية والشخصية حقاً. وهل اعترضت على حلفائك، الذين جاؤوا بك إلى السلطة، واستخدامهم منبر «الآيباك» الصهيوني للترويج لحكمهم ولحسن نواياهم تجاه أعداء فلسطين!
لو أنك فعلت ذلك لكان بإمكان المرء النظر إلى مشاركة السيد المنصف المرزوقي في سفينة الإغاثة على أنها تجديد لمواقف سابقة. لكن تذكرك فلسطين عندما نحّاك الناخب التونسي عن موقعك يجعل المرء يقول: هذا التضامن الاستعراضي، مهما كان مصدره، فاسد وبضاعة كاسدة، وتمثيلية لا تنطلي على أحد.