لا يزال لبنان أسير دوامة الفساد الذي «لم يعتب عليه» قطاع، والذي يؤدي المواطن، للأسف، دوراً أساسياً في استفحاله. فهو الداعم الأول والمانح، وهو دعم في غير مكانه وفعل جائر وثقة عمياء. فلمَ الإصرار على عدم تغيير استراتيجيات الفكر وتطويرها كي تقف سدّاً في طريق السيل الجارف لسبل الحياة ومقوماتها؟ وليس جديداً على الأسماع أن نطرق باب التلوّث بالفساد البشري الذي ينتج أزمة خانقة، أما الشعب ففي مهب الريح يتمايل مع العاصفة، والفائز هو الانحراف وتنامي آثاره المدمرة.


جمود الإنتاجية الفكرية على المستويات كافة، الصناعية والزراعية والتعليمية وغيرها... فلا من يهيئ، ولا من يدعم، ولا من يساعد، وعلى العكس هناك من يمنع.
ساسة البلد مشغولون بإغراق الفضاء العام بالخطابات الفارغة وبالمهازل، يتنافسون على إصدار البيانات التحريضية... صورة تُضحك الثكلى! وإن ذكروا الموضوعات المهمة، فإنما يفعلون ذلك فحسب لتنميق أحاديثهم وتزيين خطاباتهم، لكن الفعل مغيّب عن السياسات المصمّمة للتنفيذ والعمل الجاد.
إن المغيَّب بصورة كلية هو البحث عن الحل وإقامة نظم تحفّز لبقاء المواطن في أرضه. الحكومة ليست معنيّة بهذا الجانب، بل بالجوانب كافة، فلا تسعى إلى إقامة المشاريع التطويرية، ولا توافق على إقامة المشاريع من القطاع الخاص أيضاً.
من بين صورة المعاناة التي يعيشها اللبناني اليوم، تأتي الهجرة كأخطر نزف يصيب المجتمع بالشلل، ووتيرة الهجرة في تزايد مستمر. هناك من يحارب الشباب بإفراغ العقول، وعدم تطويرها. وعليه، يجب وضع حلول لحماية الإنتاج البشري لعدم إفراغ المجتمع من القوة الناشطة وخسارتها التي تؤدي إلى الهلاك، وهذا ما هو حاصل.


الطبقة السياسية
فاشلة وتتحمل
وزر الأزمات المستفحلة

هل فكرتم يوماً لماذا مطار بيروت الدولي يزدحم بالشباب الذين يغادرون تراب الوطن ربما بلا عودة؟
الجواب الأولي والمباشر يكمن في انعدام القدرة على استيعاب الكفاءات، وغياب المجالات الحاضنة للقدرات. فلا مردود مادياً، ولا توازن تعليمياً في ربط أنظمة التعليم بسوق العمل ومشاريع التنمية، ولا دراسة للحاجات المترتبة، ولا استقرار على أي صعيد. ويشعر المواطن بالغربة في وطنه، لا ترى إلا تبديداً للموارد البشرية والماليه والبلد بأمسِّ الحاجة إلى هذه الطاقات.
المشكلة الوحيدة الواضحة هي التركيبة السياسية التي تقف عقبة في وجه التقدم والنهوض والخطوات الفاعلة، بلد اللاديموقراطية، بلد الاستبداد والقمع. قوم يقدسون المال لا الفكر والعقل، وتُوزَّع السلطة بين الأثرياء لا على أساس الكفاءة، في غياب الإدارة الرشيدة، والسياسات المحاربة للفساد والضعف، وجدل سياسي عقيم، وأفعال تترجم مصالح شخصية بحتة، حتى بات كل موظف رهينة آفة الفساد، كبيراً كان أو صغيراً.
الصلاحية الوحيدة القائمة هي التي تكافح التقدم ودعم المصالح الشخصية، وفقدان الصدقية تماماً، وإشغال المراكز من قمة الهرم إلى القاعدة على أساس المحسوبيات والمحاصصة. القانون ضائع بين المصالح والخسارة على الجميع.
الطبقة السياسية فاشلة وتتحمل وزر الأزمات المستفحلة على امتداد الوطن الصغير... فهل يوجد قطاع غير مأزوم؟
الحكومة لا تسعى إلى تطبيق القانون، الهرج والمرج يسودان، السيد هو صاحب المال، الوظائف الإنسانية (بما في ذلك الطب) تسير بالرشى، التاجر الثري محترم، ولو كان تاجر ضمير (مخدرات). تقديس للمال ولا احترام للفكر!
فالقطاع الزراعي يعاني من جهل مميت، وآخر همّ الحكومة التفكير بهذا القطاع، وإن حصلت مشكلة ما يتوسل المزارع وزير الزراعة ولا من مجيب، لا حماية للزراعة الوطنية والمزارع يئنّ، كل شيء مستورد، الحبوب تستورد، الفاكهة تستورد، الخضار كذلك، وبنظرائها منافسة، لا مشكلة للاستيراد في نظام ديموقراطي، المشكلة في غياب اتفاقيات تحمي الإنتاج المحلي.
هذه الإعاقات تجعل المزارع يغادر أرضه مستسلماً أمام هذا الإهمال الفظيع.
والمؤسسات التعليمية، التي يجب أن تكون أكبر هم للحكومة بهدف النّهوض والاستمرار والازدهار، واقعها يصرخ ألماً. لمَ المركزية في التعليم العالي؟ ألزيادة المصاريف المالية؟ أم لوضع صعوبات لا تطاق أمام الطلبة؟ هذه الحكومة لا تريد شعباً متعلماً، بل تريده خالي الوفاض من كل معونة (في أوستراليا هناك مدرسة في كل حي ويأتي التلاميذ مشياً على الأقدام).
اصنعوا أي ملهى، ولا تقتربوا من الصناعة، ولا تبنوا معملاً، ولا تشغلوا عقولكم، لماذا؟ لأنّ عدوكم إسرائيل، وهي لا تريد لكم الإنماء، وأنتم مقتنعون مطيعون.
يحمل أبناء المؤسسة العسكرية روح الإقدام والتضحية والوفاء والالتزام، لكنهم مجردون من السلاح والأمن الذي تنعم به منطقة الجنوب بفضل المقاومة والبيئة الحاضنة، على الرغم من أنها النقطة الأقرب للاعتداءات الصهيونية.
في بلدي شعب يحب الحياة، لكنه مسلوب الحق، تمارس فيه وعليه ثقافة الخضوع، والخوف من إعلاء راية التغيير... فالوضع بحاجة إلى معالجة فورية.
المغتربون كنز لبنان، فلماذا يتم تهميشهم، وعدم الاهتمام ببلاد الاغتراب والتقرّب من حكامها لمصلحة المغتربين الذين لولاهم لكانت البلاد في ضيق خانق وفقر مدقع.
حمى الله لبنان من تجار السياسة واللاعبين ضد كيانه تقرّباً إلى دول غربية أو واقعين تحت سلطان المال المعبود.
* نائب سابق