عجز المخرج الإيراني محسن مخملباف في فيلمه عن حياة مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية السيد علي الخامنئي عن العبور من المهمة الفنية إلى الحقيقة. بدا العمل الوثائقي، الذي خصصت له بعض القنوات الفضائية مكانة مميزة، أخلاطاً هجينة من التحجّرات الفكرية، وأسطوريات تخفّض العقل الفني والنقدي إلى مستوى الردود الانفعالية والهذيانية. الوئاثقي الجديد ملصق فوق واقع مصنوع ومتوهم، والمعلومات الواردة فيه لا يمكن وصفها إلا باعتبارها انعكاساً لخيلة وهمية لا تمكن مطابقتها مع الحقائق والوقوعات الاجتماعية. كان الواقع الذي أوحى له في فيلمه، دائماً في مكان آخر. ممارسات افترضها مخملباف وأنزلها على الإمام الخامنئي، ليس لها حيثية وجودية.


مبالغات جوفاء صالحة فقط لتبرير الكراهية. تفسيرات سطحية تتحرك بعيداً من المدارات العلمية والمنطقية. باختصار الفيلم عمل أداتي. ومن ينفذ آلياً كل أعماله يجعل قلبه آلة. والذي يحمل قلب آلة في صدره يفقد براءته وحسه الإنساني ويجعل همه الأكبر منحصراً في الانتاج والتسويق والربح وفي سبيل المزيد من الشهرة والعلو.
لا شك أنّ هناك خلافات وفوارق وتباينات واتجاهات داخل المجتمع الإيراني. بعض من يعيش داخله يحاول اكتشاف ثقافته بالعقلانية والأصالة والاستقلالية ومن خلال الاضطلاع بدور في التاريخ الحاضر، والبعض يتخلى عن انتسابه العلني إلى القيم الأصيلة ويبالغ بالانحناء والإذعان أمام النماذج الغربية، فيهرب من واقعه إلى ما يتوهمه أنّه الحق. هذا البعض يسعى بقوة لإيجاد وسيلة تعبيرية تمكنه من ممارسة ديكتاتورية في الذوق وصولاً إلى إعادة قولبة ونمذجة المفاهيم والعادات بطريقة تخدم غاياته ليحتل هو ومن يلحق به مقدمة المسرح الثقافي والمشهد الاجتماعي.

من يشاهد فيلم
مخملباف يلزمه عقل آخر وعين أخرى ليصدق ما فيه

والفيلم يقع في قلب الهموم الساخنة التي يعيشها المجتمع الإيراني ثقافياً، وإن كان له معنى ما في هذه المرحلة، فهو مواجهة الحضور الكلي للنظام الإسلامي الإيراني. والمواجهة الثقافية سمحت لمخملباف وغيره من المشوهين يطلون برؤوسهم مع أي خلاف سياسي. وهذا لا يعني قط أنّه غير مسيس وليس له أفضليات سياسية شخصية، بل يعني فقط أنّ خصوصية وظيفته تعفيه من موقف أخلاقي ومهني وإبداعي.
وهكذا عندما تصبح الثقافة تجهيلاً ومذهباً عدائياً، لا يعود العقل عقلاً، ولا المهنة رسالة، ولا التباين في الآراء غنى. وهذه نتيجة طبيعية إذا حلّت المذهبيات الذهنية والعصبيات الثقافية على مناخ هو بالأصل فاسد وموبوء بالأفكار التي تقيّد العقل بموازين ومقاييس يظن صاحبها يقينية. بعبارة أخرى تصبح الثقافة انعكاساً لأيديولوجيا وثوقية من أجل المزيد من التسويغ، لا معرفة علمية من أجل المزيد من الهداية والكشف والتطلعات الفكرية.
قطعاً إنّ الأحداث التي وقعت بعد انتخاب الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد طرحت بإلحاح استثنائي مجموعة من التناقضات في المجالين الثقافي والسياسي تحديداً، وتُرجمت عند البعض أعراض قلق عميق، ولكن كان واضحاً أنّ استهداف الجمهورية الإسلامية وشخص السيد الخامنئي لم يكن مرتبطاً بأي اختلالات أو تطورات داخلية، وإنما كان ممتداً بكل كثافة منذ البواكير الأولى للثورة حتى اللحظة الراهنة، وهذه حقيقة ماثلة يعرفها عامة الناس وخاصتهم.
وبفعل العداء المفرط وقع مثقفون إيرانيون بارزون في فخ المستعمر. يعيشون معه (وهم الطلعية) ويضعون أنفسهم موضع من يحق له تقديم الصورة التي يجب أن يكون عليها الشعب الإيراني. ويروجون كالفضائيات تماماً لأفكار سريعة الجري، يرتفع معها هياج واضطراب الجماهير. الكذب أمر باطل ولكنّه ضروري عندما يريد المثقف أن يصل إلى غرضه. والخداع كذلك، ولكن لا بأس به للتشكيك بإيمان وتوجهات وخيارات شعب يقاتل من أجل الحرية والاستقلال والتقدم. والخيانة شيء مشين، ولكنها مقبولة لتعميم الثقافة السطحية والتجهيلية التي تجذب الحواس وترفع من مستوى المشاهدين.
وإذا كان المجال لا يسمح بنقد العمل من الناحية الفنية بكل أبعاده، ولكنّه يسمح بالإشارة إلى إشكالية وقوع المثقف في الوهم والإسقاطات بحيث لا تعود المعرفة وسيلة كشف بل وسيلة انحياز وتمذهب وتمويه وتشويه. النقد يرسم، في مضمارنا، حدوداً أولى حين يفصل ميدان العقل عن الأحكام الجاهزة، ولكنه يرسم بالذات حدوداً ثانية تفصل بين الوظيفية والإبداع، وأي مخرج لا يراعي هذه الحدود سيخلط حتماً بين الخيلة والواقع.
لقد كان واضحاً أنّ الفيلم يدور في مدار خاص وله وظيفة محددة هي مجابهة الخصوم بالكذب. ومهمة مخملباف كانت تصنيع الكذب وتقديمه كأفكار وثوقية قطعية تدور في وعي الجماهير لزعزعة الاعتقاد بشخصية السيد الخامنئي القيادية والسلوكية والسياسية، وتحويله إلى زعيم مترف وديكتاتور مستبد، وشخص غارق في الأنانية والشخصانية. قطعاً الحرب التي تدور رحاها اليوم في جزء كبير منها هي حرب أفكار وتصورات للسيطرة والتحكم في الجماهير وإخضاعها للآلة الثقافية والإعلامية والسياسية والعسكرية الغربية. الإخضاع هنا شامل. أي خضوع فكري وفيزيائي شامل. ولذلك تم اختيار مخملباف للمهمة الفكرية لإحداث مزيد من التمزق الذهني في وعي وقيم وثقافة الشعب الإيراني. أي قتل الأفكار الإسلامية وذبح الرموز الإيمانية التي من خلالها يستهدي الشعب وينتصر.
في الحياة هناك دائماً الأسود والأبيض. المحروم في مواجهة الاستغلالي. المستضعف في مقابل المستكبر. هكذا ترسم دروب الحياة على ضوء هذه الثنائيات. ثنائيات يدرك الحصيف أبعادها في صراعات اليوم.
من يشاهد فيلم مخملباف يلزمه عقل آخر وعين أخرى ليصدق ما فيه. لو كان يتحدث عن شخص آخر مبهم عنّا لكنّا ربما شعرنا برغبة في التصديق. أما وأننا نعرفه حق المعرفة فالأفضل الخلود إلى النوم باكراً من تضييع الوقت على خرافات وثرثرات فارغة. الوقائع حتمية تاريخية والحماقة حتمية نفسية وشتان بين الاثنين.
* كاتب وأستاذ جامعي