من ضمن الاستراتيجيات التي تتبعها الإدارات الأميركية المتعاقبة لاحتواء الصين عسكرياً واقتصادياً، ثمّة توجُّه واضح لتعزيز التحالف مع الهند على خلفية التناقضات الناشئة بين القوَّتين الآسيويتين الكبيرتين في أكثر من ملفّ، وأهمّها على الإطلاق الملفّ الحدودي. فالخلاف بين الدولتين على الحدود في أعالي جبال الهمالايا يمتدّ لعقد من الزمن، وقد تصاعد مؤخراً ليصل إلى حدود التوتُّر العسكري ولكن من دون اشتباك يذكر.


وبالإضافة إلى ذلك ثمّة توتُّر في العلاقة على خلفية التقارب المتزايد بين الصين وباكستان في العديد من القضايا، وهو ما يضيف إلى الحساسية القائمة بعداً جديداً كون الأمر يتعلّق بالأمن القومي الهندي الذي تُعتبر قضية كشمير العالقة بين نيودلهي وإسلام أباد مصدرَ تهديدٍ دائم له. كلُّ ذلك يجعل في نظر الولايات المتحدة من الهند شريكاً أساسياً في مواجهة النفوذ الصيني المتزايد في آسيا، وخصوصاً في هذه المرحلة التي تفقد فيها واشنطن أهمّ مرتكزاتها هناك لمصلحة بكين.

التقارب الصيني ــ الباكستاني

الخلاف المتصاعد بين الولايات المتحدة وباكستان بشأن إدارة ملفّ أفغانستان انعكس سلباً على مجمل التحالف الاستراتيجي بينهما، وأدّى في بعض الأحيان إلى حدوث تقارب مع الصين على خلفية الحساسية المشتركة تجاه الهند، الحليفة الجديدة لواشنطن. وتُرجِم هذا التقارب إلى مشاريع اقتصادية عبّرت الهند عن انزعاجها منها، ولاقى هذا الأمر صدىً في الولايات المتحدة، حيث تلقّفت الأخيرة الاحتجاج الهندي ودعمته في مواجهة الممرّ الاقتصادي المُزمع إنشاؤه بين الصين والمحيط الهندي عبر كشمير، التي تعتبرها الهند أرضاً تابعة لها، وليست حتى منطقةً متنازعاً عليها مع باكستان. الردّ جاء سريعاً من واشنطن عبر تفعيل مناورات «مالابار» بمشاركة قوّات بحرية من اليابان والهند بالإضافة إليها، وهي مناورات كانت تجري دورياً في خليج البنغال، ولكن حجم المساهمة العسكرية فيها ازداد نظراً للتحدّيات التي تواجه الولايات المتحدة هناك في ظلّ التهديد الذي تمثّله الصين على مصالحها ومصالح حلفائها.

مساعي روسيا لاستعادة نيودلهي

هذا سيخلق تحدّياً فعلياً أمام الصين كون التحالف الناشئ في مواجهتها يضمّ قوّة إقليمية لم تكن تاريخياً في عداد القوى المناهضة لها، ولكن ثمّة في الجانب الآخر دور تقوم به روسيا للتقريب بين الجارتين اللدودتين، بغرض منع الولايات المتحدة من إيجاد موطئ قدم جديد لها في آسيا. وهو جهد لا ينحصر في إطار تحالف «البريكس» بل يتعدّاه إلى إنشاء مشاريع تجارية تعيد ربط الهند بالقارّة اقتصادياً، عبر ضمّها إلى شبكة أنابيب الغاز التي تعمل موسكو على إنشائها بالشراكة مع إيران وباكستان. «المشروع ضخم واستراتيجي ويتطلّب تمويلاً كبيراً» كما قال وزير الطاقة الروسي الكسندر نوفاك، وقد جرى بحثه أثناء الزيارة الأخيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إيران. التنفيذ سيكون لائتلاف شركات من بينها «غاز بروم» الروسية التي كانت قد أجرت دراسة في آذار الماضي لطرق نقل الغاز إلى الهند، وتبيّن لها ولشركائها التجاريين هناك أنّ ثمة مسارين لذلك، وأنّ كلفتهما ستتراوح بين 5,7 و16,5 مليار دولار.

تحييد الهند

عبر هذا المشروع سيزداد التكامل الاقتصادي بين دول آسيا الوسطى التي تضمّ إلى روسيا أذربيجان وإيران وباكستان، وستكون الهند بوصفها عقدة هذا المشروع الأساسية هي المستفيدة الأكبر من حصول التكامل، نظراً لحجمها الاقتصادي الكبير وحاجتها إلى موارد للطاقة تحفظ لها قدرتها التنافسية وتزيد من استقلاليتها اقتصادياً. سيخفّف ذلك على الأرجح من حدّة الاستقطاب السياسي الناشئ على خلفية الصراع الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، وسيدفع بالهند إلى اتخاذ موقف حيادي في الصراع بينهما بدل الاصطفاف مع واشنطن ضدّ بكين كما هو حاصل الآن. لكن في المدى المنظور سيظلّ هنالك مناورات مشتركة بينهما وعلاقات تعاون عسكرية لأنّ ثمّة مخاوف متجذّرة لدى الهند من النفوذ الصيني، وخصوصاً بعد التقارب مع باكستان، ومن هنا أتت المبادرة الروسية لمعاودة استقطابها اقتصادياً عبر إشراكها في مشاريع الغاز والنقل. ثمّة إرادة واضحة هنا لجعل الشراكة التجارية بين دول القارة الآسيوية محوراً لصياغة تحالفات جديدة، بحيث تصبح الاستفادة المشتركة من موارد الغاز هي البديل عن العلاقات السابقة التي لم تصل يوماً إلى حدود التحالف الاستراتيجي، وكانت دوماً مشوبة بخلافات تسمح للولايات المتحدة باستقطاب هذه الدولة أو تلك إلى صراعها مع الصين. هذا لن يمنع الولايات المتحدة من الدفع بالمنطقة مجدّداً إلى الصدام العسكري، ولكنه سيضع التصعيد إذا ما حصل في وضع متغيّر كونه سيصبح من الآن وصاعداً محكوماً بمصالح اقتصادية لا يمكن التفريط فيها بسهولة. أيّ صدام من هذا النوع سيكون على حساب المكاسب التجارية الهائلة التي ستجنيها الهند من مشاريع الطاقة الجديدة، وهذا سيدفعها على الأرجح للمفاضلة بين شراكتها الاستراتيجية مع دول الإقليم وتحالفها الظرفي مع واشنطن. هي لن تخسر من استمرار العلاقة مع الطرفين، وربما تسعى إلى الاستفادة منهما معاً لإحداث توازن في علاقتها مع الصين، وهذا أفضل طبعاً من انزلاقها المتدحرج إلى تحالف هجين وغير متكافئ مع واشنطن.
* كاتب سوري