توافرت هذا الشهر موضوعات، مهمة، عديدة يمكن الكتابة عنها. فمن جهة ثمة الهزيمة الاستراتيجية التي مني بها مشروع تأسيس «مسعودستان»، وإذلال صاحبها الذي ربط مستقبل شعبه بكيان العدو الصهيوني، مكمّلاً سياسة والده مصطفى. مسعود لم يتعلم من دروس تاريخ المنطقة وفي مقدمتها أن الفلسطينيين الشرفاء المناضلين، ومعهم كل عرب المقاومة لن يقبلوا بهذا الكيان العنصري.


وكان من الممكن الكتابة عن الأثر الكبير الذي أحدثته ثورة الجزائر في ذاكرة العرب الحديثة ودورها في إلحاق الهزيمة بالمعسكر الاستعماري الإمبريالي، فكانت ملهمة لحركات التحرر الوطني ليس في القارة الإفريقية فقط، مع أن حلف «شمالي الأطلسي» وقف إلى جانب فرنسا المستعمِرة ومدها بكل ما تحتاج إليه لهزيمة الثورة التحررية؛ برغم أنف طويل العمر بحر العلوم القابع في إحدى محميات الخليج الفارسي.
وثمة مادة مهمة أخرى كنا أشرنا إليها قبل فترة وهي ردود فعل حكومات الغرب على جرائم القاعدة وبناتها الإرهابية في الدول الأوروبية. فقد كان ثمة اجتهاد بأن تلك الجرائم ستجبر تلك الحكومات على إعادة النظر في سياساتها. لكن رأينا كان أن تلك الحكومات ستنتهز الفرصة لتشديد قبضتها على مجتمعاتـ(ـها)، وهو ما يؤكده قرار الحكومة البريطانية الأخير القاضي بسنّ تشريع لسجن من يقرأ بعض المواد على الإنترنت لفترة خمسة عشر عاماً، ثم تتحدث لندن، بوقاحة، عن الرقابة في دول الشرق!
سلام من جورج أرويل، الذي كان يشكو من مجتمع الرقابة ليتبيّن أنه هو نفسه كان عميل الاستخبارات البريطانية الداخلية، على ما أوردته الأنباء.
كما ظهرت مادة جديدة في ألمانيا، بعد الصعود المدوي لليمين في الانتخابات النيابية الألمانية الأخيرة، وبروز شرقي ألمانيا (أو ألمانيا الشرقية) كحالة منفردة تصوت على نحو مخالف لسكان ولايات غربي البلاد ما يعكس حالة الانقسام الاجتماعي على نحو جلي وخطير. المادة الجديدة هي أن آخر استطلاع للرأي أظهر أن أكثر من نصف الألمان لا يرون أن الشعب يحكم البلاد (افتتاح البرلمان والأحكام الصادرة في ألمانيا تتم دوماً باسم الشعب). هذا يعني بالضرورة أن الشعب الألماني لم يعد يثق بالنظام القائم، ما سيقود، إن استمر الحال، إلى هزة جديدة في أوروبا وفي قلب الاتحاد الأوروبي المتفكك.
لكنني اخترت الحديث في موضوع الحرية الأكاديمية في الغرب، وفي الولايات المتحدة تحديداً، حيث يعد ذلك أحد أهم محركات التطور. هذا يعني أن المؤسسات الأكاديمية يجب ألا تخضع لأي ضغوط سياسية، بل وأن تكون مستقلة مادياً على الأقل، على نحو يمكنها من المقاومة. وقد بيّنا من قبل في منبر «كلمات» أن مؤسسات علمية أميركية راكمت ثرواتها عبر تجارة الرقيق. تلك الثروات هي التي منحتها إمكانية توظيف أفضل الأساتذة، كما يُقال، وتوفير أفضل الأبنية وأكبر المكتبات، وما إلى ذلك من معايير الجودة القياسية، ما مكنها من الاستحالة إلى إحدى «أفضل الجامعات» في العالم والحصول على تبرّعات سخية.
لكن العدوان «الناتوي»/الخليجي على ليبيا وتدميرها أنتج، من ضمن أمور أخرى حقائق ذات صلة بموضوعنا، وهو «التبرعات» بقيمة مئات الآلاف من الدولارات التي منحها نظام المغدور معمر القذافي لجامعات بريطانية عريقة لقبول رسالة ابنه سيف الإسلام ومن ثم نشرها كتاباً. كما علمنا بتدخل رئيس وزراء بريطانيا مجرم الحرب طوني بلير لدى الجامعة لصالح مستقبل الطالب (كذا) سيف الأكاديمي المزعوم!
بعد هذه المداخلة الاعتراضية، نعود إلى جامعة هارفرد وفضيحتها الحديثة.
لعلنا نتذكر فيلم الفيديو الذي نشره موقع «وكيليكس» عن قيام حوامات تابعة لسلاح الجو الأميركي بتاريخ الثامن من شباط 2008 بحصد أرواح عشرات المدنيين. شكّل ذلك الفيلم فضيحة، لكن لم يهتز ولا رمش في عيون أميركا أو أتباعها من أعراب محميات الخليج الفارسي. بعد فترة، تبين أن الجندي الأميركي/ المسرِّب، برادلي مانينغ، الذي استحال بعد سنين إلى الجندية تشلسي مانينغ، هو من سرّب الشريط ووثائق أخرى لموقع «وكيليكس» لأن ضميره لم يسمح له بالسكوت عن جرائم حرب تنفذها أيدي التجمع الصناعي العسكري الأميركي، باسم الشعب الأميركي.
تمكنت السلطات من معرفة المسرب فألقي القبض عليه وحكم عليه بالسجن لمدة تتجاوز خمسة وثلاثين عاماً.
المهم في الأمر أن باراك أوباما عفا عن تشلسي، وغيرها كثيرين، قبل نهاية عهده ما أدى إلى إطلاق سراحها على الفور. أي أن قيام الرئيس بتخفيض فترة الحكم من 35 عامًا إلى سبع سنين يعني أن أعلى سلطة تنفيذية في الدولة لم تعترف بأن ما ارتكبته تشلسي أمر يستحق حكم المحكمة العسكرية الهمجي. أمر باراك أوباما عنى إعادة الاعتبار لتشلسي وتسويغ لما أقدمت عليه.
لنتذكر أمراً مماثلاً يخصّ إدوارد سنودن الذي لم يتحمل حملة وكالات الأمن القومي لفرض رقابة شاملة على المواطنين الأميركيين وعلى الإنترنت، فسرب مئات آلاف الوثائق ذات العلاقة، ما اضطره في نهاية المطاف إلى الفرار من بلاده بعدما رفضت السلطات الأميركية الاعتراف به مسرباً، وهو حق مُشَرَّع. وعندما طُلب من أوباما العفو عن سنودن، لم يرفض الطلب لكنه سوغ تجنبه ذلك بعدم قانونية العفو عن شخص لم يحاكم بعد. طبعاً هذه كذبة كبيرة لأن السيد الرئيس الأسبق، المتخصص في القانون الدستوري الأميركي، يعلم تماماً أن الرئيس جيرالد فورد عفا عن بطل فضيحة «ووترغايت»، الرئيس نيكسون، قبل أن يمثل للمحاكمة.
واضح أن جهات في المؤسسات الحاكمة في واشنطن منعته من إصدار العفو المنشود، وهو ما لم يتجرأ على البوح به.
الرئيس أوباما تخرّج في جامعة هارفرد، وهو ما يوصلنا إلى نهاية هذا المقال.
بعد إطلاق سراح تشيلسي مانينغ، بفترة قصيرة عينتها إدارة جامعة هارفرد أستاذة زائرة فيها، حيث صدر القرار بتاريخ 13 أيلول من العام الجاري. ذلك أثار بعض اللغط، واستقال أحد المحاضرين من غير المتفرغين احتجاجاً، وكان من قبل نائب مدير وكالة الاستخبارات الأميركية، «السي آي إيه».
إدارة الجامعة قررت التمسّك بدعواتها حتى صدور احتجاج من مدير «السي آي إيه» الحالي الذي اتهم تشلسي بالخيانة وحذر الجامعة من أنه سيلغي محاضراته المقررة فيها، وهذا سيؤدي بكل تأكيد إلى حجب كثير من التبرعات إليها التي عادةً ما تكون من مصادر اليمين الأميركي الجديد، أي اليمين البديل. النتيجة أن رئيس جامعة هارفرد أعلن سحب الدعوة لتشلسي ومنحها فرصة زيارة معهد كندي التابع للجامعة لمدة يوم واحد وهو ما رفضته تشلسي. فور صدور قرار الجامعة أصدرت السلطات الكندية، ذيل واشنطن الشمالي، أمراً بمنعها من دخول البلاد!
هذه الحادثة، التي تكرّرت أخيراً في الجامعة نفسها، تظهر مدى سطوة أجهزة الاستخبارات في المؤسسات الأكاديمية الأميركية، وأن السياسة هي التي تقرر توجهاتها، وهو أمر أثار انتباه المتابعين حيث يتبين أن هذه الجامعة وغيرها غيرت مناهجها منذ عقود عديدة لتتحول نتاجات خريجيها الفكرية وإبداعاتهم إلى داعم للمؤسسات الحاكمة وفي مقدمها التجمع الصناعي العسكري، وخادم لها ولسياساتها.