إنْ أُريدَ للنقاش في قراءةِ العام الأول من عهد الرئيس ميشال عون أنْ يكون مجدياً، فلا بد أن ينطلق من ثابتة رئيسية هي اعتبار عون فرصةً نادرة للبدء في مسار استعادة الدولة، بعدما تمت إعادة رئاسة الجمهورية إلى بعدِها الشعبي والوطني التمثيلي، للمرة الأولى بعد تطبيق الطائف. واستطراداً، يجب استغلال هذا الرجل ــ الفرصة، وليس المطلوب أنْ يكون ميشال عون الرئيس ساحراً يقدم حلولاً جاهزة لحاملي آفة مرضية تتصاعد في المجتمع اللبناني، تتمثل في الندب والنق فوق الخرائب، وهي الآفة التي عُرفَ بكرهها أساساً حتى عندما كان تحت القصف.


ميشال عون المرجو عقلانياً، هو ذلكَ الرئيس الذي يعملُ بنفسٍ إيجابي واستشرافي، من ضمن واقعين يثقلان على لبنان: الأول داخلي يتمثل في تضخم القوى السياسية الممثِّلة للمذاهب والطوائف على حساب المساحة المشتركة للبنانيين والدولة، والثاني إقليمي هو تفجّر المشرق وتفكك العالم العربي، واشتداد حدّة الأتون الذي يعطي صدارة القيادة لقوى إقليمية غير عربية.
في الجانب الإقليمي، استفاد الرئيس من لحظة تراجع صراع المحاور وتداعياته على الميدان السوري، ليعملَ على تثبيتِ ركائز للاستقرار الوطني من خلال جملة تفاهمات ثابتة حتى اليوم، وتقدم الاستفادة اللازمة للأفرقاء لعدم الخروج منها، تحت طائلة إضاعة ما تمَّ اكتسابه. ولم يكن غيره ليشكّل هذا الحل، لما للبعدِ التمثيلي الميثاقي من قدرة على صناعة الاستقرار أو ضربه.


إرساء جوٍّ تفاهمي
هو المكسب الرئيسي
الأول في بلد النزاعات
للتذكير، لم يأتِ الرئيس عون إلا بعدَ تهديدٍ مسيحيٍّ صريح بأنَّ استمرار انتهاك الميثاقية سيؤدي إلى خروج المسيحيين من تسوية الطائف وإسقاط الهيكل على من فيه.
إذاً، إرساء جوٍّ تفاهمي هو المكسب الرئيسي الأول في بلد النزاعات الأهلية الدائمة.
في المعطى الداخلي، الأساس في تكبير حجم التوقعات ــ وهذا طبيعي في الإسقاط على زعيم حمل لواء التغيير والإصلاح ومواجهة الفساد ــ يعمَل عون على توسيع هامش الدولة المنكوبة ووضع أسسها بطريقةِ القضم، وليس بالضربة القاضية التي يحلم العديد بها. إسقاط «الدولة العميقة» للفساد بضربةٍ قاضية تتطلب شروطاً أولها تعددية نيابية في داخل كل المذاهب وبخاصة لدى السُنة والشيعة والدروز، ليس لامتيازٍ مسيحي على حساب المكونات الأخرى بل لأنَّ التعددية المسيحية قائمة نيابياً وسياسياً، ما يمكن أن يسمح بتكوين تشكيل سياسي مواجه للفساد يحظى بالشرعية الميثاقية المطلوبة.
كما أنَّ «الضربة القاضية» التي ينشدها البعض، تتطلب أولاً مساهمة مجتمع مسؤول هو الآخر عن التواطؤ مع القوى السياسية لنهب الدولة وتجويفها. وفي حال تنفيذ هذه الضربة من دون تكوين الكتلة الاجتماعية الداعمة لها، كما أفصحت عن بعضٍ من هذا المشهد المأمول التجربة اللحودية العسكريتارية في السنتين الأولين، من المرُجح أن يهوي لبنان في نزاعاتٍ فوضوية، ستستخدم حكماً في الصراع الإقليمي وشهية بعض الدول الموتورة لتحقيق أهدافها.
من هذا المنظار، يمكن مقاربة العام العوني الأول في الرئاسة، ودعوة القوى السياسية، والشرائح الاجتماعية المختلفة، إلى الشدّ على يديَ رئيس الجمهورية والسعي لتحقيق الكثير الكثير مما يرجوه اللبنانيون، بحق.
* صحافي وباحث سياسي