ها قد وصلت ذيول الاشتباك العالمي إلى لبنان مجدداً. كيف ولماذا؟ لفهم ما يجري يجب أن يصل سقف رؤيتنا إلى أصل الصراع وأطرافه. يقوم أصحاب النفوذ العالمي، خلال وضعهم أو مراجعتهم للاستراتيجيات العالمية بما يحفظ مصالحهم ونفوذهم، باختزال الدول وأسمائها ومجتمعاتها وهوياتها ببضعة مربعات تلخُص ما قد يهمهم أو يؤثر بمصالحهم.


يختزل هؤلاء لبنان بثلاثة مربعات، أولها مربع الغاز، وليس لقيمته بل لموقعه، ثانيها حزب الله وموقعه في الإقليم وصراعاته، ولا علاقة لذلك بما يجري في الداخل اللبناني، وثالثها اللاجئين وخطر انتقالهم إلى بلدان أخرى. ولكل من هذه المربعات أهمية كبيرة في دينامية الصراع الحاضر.
تبدأ جذور الصراع الحالي في داخل الولايات المتحدة الأميركية. حتى عام 2008، كان المجتمع الاقتصادي الاستراتيجي الأميركي ينقسم بين تيارين. يتألف التيار الأول من جماعة العولمة الداعية لنقل الثقل الاقتصادي العالمي إلى خارج البلاد واستبدال الدولار بعملة بديلة، بعدما أصبح الاقتصاد الأميركي عبئاً عليها. فهيكلية الاقتصاد الأميركي قائمة على مبدأ الدين. ويتمثل الدائنون ببعض الدول الأوروبية والخليجية والصين واليابان، كما يتمثلون بالعائلات اليهودية المالية المالكة للاحتياط الفدرالي الأميركي، جماعة «العولمة». وكانت تلك العائلات، من خلال مصارفها ومؤسساتها المالية، تموّل أميركا التي طالما باستطاعتها استعمالها واستعمال جيشها في الغزوات والسيطرة على مقدرات الشعوب الأخرى. أصيب الجيش الأميركي بوهن شديد بعد مغامرتي أفغانستان والعراق وبعد الفساد الشديد الذي عانى منه، وعجز بعدها أصحاب المصالح من استعمال الجيش في التعدي والسرقة من الآخرين. كما امتنعت الصين عن الاستثمار أكثر في الدين الأميركي، بسبب التضخم المالي الناتج عن عمليات الطبع التي تضرب قيمة الدولار. وفيما تحوّلت أميركا إلى مجتمع غير منتج وغير قادر على إعالة نفسه وغير مفيد لهذه المصارف، قرّرت جماعة العولمة تحصيل دينها منه من خلال ضرائب يفرضها شخص مموه كبيرني ساندرز، لو كتب له أن يفوز، إلى أن يعيد الأميركيون قيمتهم لنفسهم بقوتهم وتضحياتهم الذاتية.
انتفض التيار الثاني، «أميركا أولاً»، على خطة جماعة العولمة، على اعتبار أنها بنت أميركا، ومصالحها فيها، وضحت بجيشها لعقود في خدمة هؤلاء. فرفضت التضحية بالاقتصاد والمجتمع الأميركيَين، وقررت هذه الجماعة أن تمسك بالحكم. ويتألف هذا التيار من الشركات الأميركية، الجيش (باستثناء المخابرات ــ جماعة العولمة)، والقوميين الذين يشكلون البيئة الحاضنة للجيش، ومعهم كما يبدو الـ«أف بي اي». أتى ترامب كواجهة لهذا الائتلاف فتم تعيين ستيفن بانون، زعيم القوميين، ككبير استراتيجيي البيت الأبيض، وريكس تيلرسون، ممثل الشركات الأميركية، كوزير للخارجية، وجيمس ماتيس، ممثل الجيش، وزيراً للدفاع، وصهره جارد كوشنير، الصهيوني، كمستشار لرئيس الجمهورية. أتى هؤلاء بخطة ائتلافية تقضي بعزل أميركا عن العالم لتقويتها من خلال إعادة سيناريو «بريتون وودز» جديد، يستوجب افتعال حروب خارجية لتدمير بلدان وإعادة بنائها عبر الاقتصاد الأميركي. تضم الخطة عناوين عدّة أهمها: هيكلة للجيش للأميركي تكلفتها الأولية 600 مليار دولار، بناء سور مع المكسيك ووضع حد للهجرة، سلخ السعودية وإسرائيل عن جماعة العولمة وضمهما للحلف الجديد، تقويض جماعة العولمة في الداخل الأميركي، ووراثة إمبراطوريتهم العالمية التي تسيطر على أكثر من نصف الاقتصاد العالمي، تهديد الصين عسكرياً بعد فشلهم بالمواجهة الاقتصادية معها، ومنع أي اتفاق بين محور العولمة ومحور الصين ــ روسيا ــ إيران، «الممانع»، قد يستبدل الدولار باليوان الصيني كعملة عالمية، ويكسر البترودولار ببيع الغاز بعملات بديلة، ويرث الإمبراطورية الأميركية.
بعد انتخاب ترامب، وقع خلاف في النظرة الاستراتيجية بين القوميين والجيش في تيار «أميركا أولاً». رأى الجيش والصهاينة أن لا مصلحة لعزل أميركا ولتكبّد الخسارة المصاحبة. فلتيار «أميركا أولاً» عدوان منافسان على مستوى العالم، وسينتج عن تمددهما أو اتفاقهما ضربة، وربما تفكيك، للولايات المتحدة الأميركية. أولهما، جماعة العولمة ويختصر وضعها واستراتيجيتها بالتالي: ألف ــ في ضعفها، خسرت ذراعيها العسكريين، الجيش الأميركي و«داعش»، أي قدرتها على التحرّك والتهديد. باء ــ خسرت جزءاً من سيطرتها على أميركا. في قوتها، تسيطر على: ألف ــ المصارف وحركة الأموال عالمياً. باء ــ المنظومة الإعلامية العالمية. جيم ــ مطبعة الدولار (وهي القوة الأهم)، أوروبا واليورو، كما تسيطر على مصالح وشركات عالمية ضخمة في الطاقة والدواء والسلاح... وينقصها إيجاد جيش بديل عن الجيش الأميركي، لحمايتها أو لتحقيق أهدافها، أو إعادة السيطرة على الجيش الأميركي. أما خيارها الاستراتيجي، فالتفاوض مع الممانعين وتقاسم المصالح والسيطرة معهم، حتى على أميركا ذاتها.
ثانياً، العدو الممانع ويختصر وضعه الاستراتيجي وخياراته بما يلي: ألف ــ في ضعفه، التأثير الإعلامي العالمي. باء ــ الهيكلية المصرفية والمالية العالمية. جيم ــ سمعته الاقتصادية والاجتماعية (كعلامة تجارية مؤثرة). دال ــ ارتباطاته بمنظومتي أميركا والعولمة في أمور الاقتصاد والأسواق ومصادر الطاقة. ألف ــ في قوته، تشكيل منظومة عسكرية وأمنية ضخمة. باء ــ سيطرته على مصادر الغاز ونقله. جيم ــ مشاريعه في البنى التحتية والاقتصادية التي ستربط العالم ببعضه لتحقيق مصالح كل دولة في النمو. وتكمن خياراته في الاتفاق مع جماعة العولمة بشروط الممانعة، أو بناء هيكلية بديلة لهيكليتهم المالية والإعلامية والمؤسساتية، أو الاتفاق مع جماعة «أميركا أولاً»، بما يخدم الممانعين.


أصبح العالم حالياً أمام أربعة محاور متصارعة

انقسم تيار «أميركا أولاً» إلى جماعتين: الجيش والقوميون، أقصي على أثرها بانون وجماعته من البيت الأبيض، فسقطت بعض خياراته في عزل أميركا، كسور المكسيك مثلاً. وبقي قرار البيت الأبيض مع الجيش والشركات ممثلين بالرئيس ترامب. وتتمثّل استراتيجيتهم بإعادة قوة أميركا وقرارها إليها، وبخلق قيمة لأميركا تمكنها من المفاوضة مع الممانعين وجماعة العولمة. وبدأ صراع للسيطرة على المجتمع الأميركي، فرأينا آثار ذلك في مفاعيل الحرب الأهلية الباردة، والمؤقتة حتى الآن، من خلال عمليات القتل الجماعي واستعراض السلاح التي يقوم فيها كل فريق ضد الآخرين. فعملية تكساس الأخيرة، مثلاً، تبدو من الجيش ضد القوميين. أما العمليات التي سبقتها فيمكن تحليلها من خلال مكانها، وهوية منفذها، ومصدر السلاح المستعمل، وردة فعل الإعلام...
ويواجه هذا الفريق تحديات عدّة تنقلنا بتحليلها إلى ما يجري في العالم، والمنطقة. فقوة فريق القوميين داخلية اميركية، ويبقى تأثيرهم الخارجي محدوداً بالجغرفيا ومحصوراً بمدى تأثيرهم على الجيش أو الشركات أو الاتفاقات الخارجية. أما فريق الجيش فتحدياته: أولاً، الضغط الاجتماعي والأمني الداخلي؛ ثانياً، خلق قيمة خارجية له عبر قوة الجيش وحلفائه في الخارج، كإسرائيل؛ ثالثاً، مواجهة الضغط المالي على الدولار من جماعة العولمة ومنظوماتها المالية والمصرفية، ومن جماعة الممانعة المسيطرة على الغاز، الباحثة عن بديل عن الدولار، والرافضة لأن تستثمر مجدداً في الدين الأميركي؛ رابعاً، القوة العسكرية الممانعة المهددة لأي تمدّد أميركي خارجي.
إذاً، أصبح العالم حالياً أمام أربع محاور متصارعة قسّمناها إلى الجيش الأميركي والشركات، القوميون الأميركيون، جماعة العولمة ومؤسساتهم وجماعة الممانعة. تجسّد الصراع الأميركي مع جماعة العولمة في المنطقة في الصراع على إسرائيل والسعودية. لنفهم دينامية هذا الصراع، يجب العودة قليلاً إلى سنوات صراع محور أميركا ــ العولمة، «عولميركا»، مع محور الممانعة الذي تجسد بصراع على مصادر الغاز وأسواقها. عندما قرر محور «عولميركا» التصدي لمحاولة محور الممانعة احتكار سوق الغاز، ورفض اعتماد الدولار كعملة تبادل حصرية له، انتشر صراع كبير، بواسطة «داعش» وقوى أخرى، انتهى بهزيمة «عولميركا». فكانت الخيارات المنافسة لخط الشمال الروسي إلى أوروبا، مثلاً، خطوط قطر إلى المتوسط (فشل في سوريا والعراق)، تركمانستان ــ أذربيجان ــ تركيا (أفشل في ناغورني خاراباخ)، غاز شمال أفريقيا ــ أوروبا (أفشلته الجزائر)، خط شرق المتوسط ــ أوروبا (مصرــ إسرائيل ــ لبنان ــ سوريا ــ قبرص ــ أوروبا) تمت السيطرة الروسية عليه. وتقاسمت إيران وروسيا أسواق الغاز في منظومة تكامل واتفق، مثلاً، على إرسال غاز أذربيجان إلى شمال إيران ثم إلى باكستان والهند. أما توريد الغاز إلى أوروبا، فهو من حصة روسيا التي سيطرت على خط شرق المتوسط وهنا يأتي دور لبنان وإسرائيل والصراع عليهما. وترى أميركا أن أحد أسباب سعيها للسيطرة على إسرائيل الليكودية، عبر نتنياهو، يعطيها كلمة في هذا الخط، أي باب مفاوضة مع قوى الممانعة. أما السعودية، فتقسم استراتيجياً إلى أربعة مربعات: نفطها ومالها، نفوذها العسكري الوهابي، مركزها الديني، أما الأهم، فدورها كداعم أساسي للبترودولار. ففي عام 1974، اتفق الرئيس ريتشارد نيكسون والملك فيصل على أن تبيع السعودية نفطها بالدولار حصراً، وأن تستثمر أرباحها في الدين الأميركي. وكان نيكسون قد فك ارتباط الدولار بالذهب في عام 1971، وربط قيمة الدولار بالطلب العالمي عليه. فخلقت أميركا طلباً على الدولار من خلال جعله عملة حصرية للطاقة. وعندما قررت قوى الممانعة كسر احتكار البترودولار، استعملت «عولميركا» قوة السعودية الاستراتيجية الثانية، أي الجيش الوهابي لحمايته ولتأمين ممرات ومصادر غاز، في موازاة الغاز الروسي. وبعد بدء هزيمة «داعش»، ظهر الخلاف الخفي الأميركي ــ العولمة إلى العلن واستفحل. فسعت أميركا، بعد انتخاب الرئيس دونالد ترامب، للسيطرة على السعودية، حيث طرحت جماعة العولمة موضوع تخليها عن الدولار كعملة عالمية أساسية، أضف إلى ذلك الحرب الضروس لجماعة الممانعة ضد الدولار، يفقد السعودية دورها المالي المحوري ويقلص نفوذها في العالم. فهرولت السعودية إلى الدخول في استراتيجية ترامب وحلفه وقدمت له مئات مليارات الدولارات، في ما يبدو، لإعادة هيكلة الجيش الأميركي. ويضم الحلف، أيضاً، إسرائيل بقيادة الليكود. فالعلاقات الحميمة وربط المصالح السعودية ــ الإسرائيلية تعود لعقود مضت، إلا أن شكل الحلف الجديد يستوجب نقلها إلى السطح.
رأى الأميركيون والسعوديون والإسرائيليون، في حلفهم، عوامل قوة وعوامل ضعف في محيط أخطاره أكثر من فرصه. فلتمتين مفاعيل الحلف سيحتاج إلى المال، العقل والإدارة، العضل أو الجيش، قوة التأثير أو العلامة التجارية، وكل ذلك في وقت ضاغط جداً. أما المال، فتتكفل به حالياً السعودية، وما ملكت أو ممكن أن تملك يداها، إلى أن يصار إلى إعادة تأهيل الجيش الأميركي، وقدرته على التحرك. هذا قد يفسر النهم السعودي للمال واستعدادها للانقضاض على دول أخرى للسيطرة على مقدراتها. أما العقل، فعند الإسرائيلي المهزوم والمهدد من حزب الله بالدرجة الأولى. هنا سعت أميركا ومعها السعودية، من خلال «داعش»، إلى تحقيق إسرائيل الكبرى باستقلال كردستان ووصلها بالتنف، فالأردن، فإسرائيل، فالبحر المتوسط، من خلال البادية السورية. وكانت تتضمن هذه الخطة تقسيم تركيا لجمع 40 مليون كردي في دولة كردستان، العمق الاستراتيجي الجديد لإسرائيل وحاميتها، فاختلف التركي والأميركي، حالما اكتشف التركي الخطة التي أفشلتها قوى الممانعة، وخصوصاً حزب الله وإيران.
أما في المستقبل القريب، فيحتاج الحلف إلى البحث عن كتل بشرية يستطيع تحريكها بسرعة. وهنا تأتي أهمية مصر وشرق أفريقيا، خصوصاً أثيوبيا. وأقرب نقطة لوصل شرق أفريقيا بالخليج عبر البحر الأحمر، تمر من جيبوتي إلى اليمن. فموقع اليمن على مدخل البحر الأحمر مقابل شرق أفريقيا، هو أهم مربع استراتيجي يمني يجري القتال حوله. لكن السماح بانتقال كتل بشرية وازنة بين الدول ستستوجب إضعاف الدول المصدرة لها، وافتعال حروب ومجازر فيها. إفشال هذه الخطة من جهة اليمن، تقع أيضاً على عاتق حزب الله وإيران. أما قوة التأثير أو العلامة التجارية فتبقى أميركية. وتمثل الصين التهديد الحقيقي لهذه الهيبة أولاً، وجماعة العولمة ثانياً. من هنا نستطيع أن نفهم التهديد الأميركي لكوريا الشمالية ومشكلة الروهينغا وميانمار، المراد بهما التصدي للصين ولتمددها الاقتصادي، كما في شرق أفريقا، خصوصاً في جنوب السودان، أثيوبيا وشمال السودان.
رأى العقل وصاحب العلامة التجارية، أي الإسرائيلي والأميركي، أن شكل السعودية وصيتها لا يتناسبان مع دورها في الحلف الجديد. فللسعودية صيتها الوهابي المقترن بـ«داعش» وجرائمه، وقوانينها الاجتماعية البعيدة عن أي منطق، ونظرة العالم إليها كمصدر للإرهاب الدولي. فقررا إعادة نفضها بالاتفاق مع حاكمها الجديد، وبتخطيط تفصيلي من شركات استراتيجية وأمنية مختصة إسرائيلية وأميركية. وقام الحكم السعودي بضرب المؤسسة الدينية، وسجن خصوم العهد، وصادر أموالهم. وتجدر الإشارة إلى استحالة الإحاطة بكل الجوانب والمصالح الاستراتيجية في مقال واحد، لذلك تم اختيار الأفكار الضرورية في سياق إظهار الفكرة المبتغاة.
ويفسر الدور السلبي لحزب الله على مشروع الحلف الأميركي ــ الإسرائيلي ــ السعودي، الحملة الشعواء عليه. وتتفاقم المشكلة مع الدور الكبير المنوي تسليمه للحزب في الإقليم، وربما أوسع من الإقليم، بعد جمع حزب الله بين ساحات قتال إلى جانب جيوش دول سيكون ممنوع عليها حتى الخصومة في ما بينها في المراحل المقبلة. المشترك بين كل هذه الساحات، أي حزب الله، قد يتولى إدارة منظومة أمنية مركزية للإقليم في ظل حرية سياسية وسيادية للبلدان المعنية، مما سيشكل عائقاً كبيراً لأي تحرك سعودي في المنطقة. والأهم، استطاع حزب الله تشكيل هيكلية دينامية متنقلة وسريعة تستطيع نقل خبراتها وفتح جبهات، حيث يجب أن تفتح، في وقت قياسي قصير. فيجري، مثلاً، بحث موضوع ذي أهمية استراتيجية كبرى يتمثل في نقل خبرات الحرب على الإرهاب إلى باكستان. أضف إليه الدور الذي سيضطلع به حزب الله في حماية أنبوب غاز شرق المتوسط إلى أوروبا، وتقليص الفائدة التي ممكن أن تعود للحلف الأميركي ــ السعودي ــ الإسرائيلي فيه. لكل ذلك، لا مهرب من اصطدام السعودية ومن خلفها مع حزب االله لفرض بعض الشروط عليه، إن استطاعت.
ويتم ابتزاز لبنان حالياً، والضغط عليه بقضية رئيس وزرائه. فيمنع لبنان مجدداً من الاستفادة من وضعه الممتاز في مرحلة تثبيت انتصار الممانعة في المنطقة، وعوائدها الاقتصادية. مع العلم أن عملية ابتزاز لبنان بهذه الطريقة، تمثل خطأ إجرائياً وتكتيكاً فادحاً يمتد تأثيره إلى المفاعيل الاستراتيجية للتحرك السعودي. فبدل أن تحيد السعودية نفسها إلى حين الانتهاء من ترتيب بيتها الداخلي، وإعادة مراجعة استراتيجيتها وتعديلها بما يخدم المرحلة المقبلة، قامت باستيراد ضغط محور الممانعة، مما يفتح الباب أمام عدة احتمالات، كحرب لن تجلب على السعودية، المطوقة أصلاً، إلا الهزيمة، أو حرباً أهلية تنتهي بتقسيمها، أو حتى بتحويلها إلى دولة فاشلة والسيطرة على مقدراتها.
فأي حرب على لبنان لجلبه وحزب الله إلى طاولة المفاوضات، ستأتي حتماً بمفعول سلبي جداً على كامل المحور السعودي ــ الإسرائيلي ــ الأميركي، قد يفضي إلى فشله في مهده. اليوم لبنان في أقوى أيامه، ربما عبر تاريخه، ويجب عليه الاستفادة من قوته واستثمارها فيما يضمن مصالحه كالتخلص من الهيمنة السعودية عليه، في ظل رئيس قوي وشجاع، بما يسمح له بمعالجة العديد من مشاكله، كإعادة اللاجئين، وتسليح الجيش، واستخراج الغاز.
* أستاذ جامعي