تصويت الأخير للبرلمان اليوناني على الصفقة الجديدة التي «تمّ التوصل إليها» في قمة اليورو يوم الأحد الماضي لا يعني أن الأزمة قد انتهت. فما حصل في البرلمان ترك الحكومة من دون شرعية فعلية، ورفع الغطاء عنها في أوساط اليسار الراديكالي الذي أتى بها إلى السلطة. وتجلّى ذلك من خلال تصويت 38 عضواً برلمانياً من سيريزا بالرفض، ومن لم يرفض منهم امتنع عن التصويت أملاً في الحفاظ على «تماسك الحزب»، حيث بدا أنّ الخطة التي وضعها تسيبراس للموافقة على العرض الجديد ستسير ولكن بأصوات المعارضة اليمينية و«اليسارية» (حزبا الديمقراطية الجديدة وباسوك)، وهذا يعني أن الرجل لم يعد يحكم بأدوات اليسار التي أتت به إلى السلطة.


في التصويت السابق على الخطّة التي اقترحها هو لم يُواجِه معارضة من أعضاء حزبه ولكن الأمور تغيّرت عندما ذهب لمناقشة خطّته في قمة دول اليورو، حيث تضاعفت الإملاءات عليه، وتغيّرت مجمل البنود التي كان قد اقترحها لنيل قرض بقيمة 53،5 مليار يورو على مدى ثلاث سنوات. أُجبر في ضوء ذلك على التنازل عن جزء من سيادة البلاد، سواء من خلال رهنه أصولاً تصل قيمتها إلى 50 مليار يورو تُوضع في صندوق خاصّ تشرف عليه آلية رقابية تابعة لمنطقة اليورو أو عبر إقراره تخفيضات كبيرة على نفقات وزارة الدفاع، والأمران يمسّان بشكل مباشر بسيادة الدولة على ممتلكاتها العامة، ويعدّ التخلّي عنهما بمثابة تنازل من الحكومة عن جزء من سيادتها وقرارها «المستقلّ» لمصلحة منطقة اليورو التي لا تعبّر قراراتها عن خيارات أيّ من شعوب المنطقة. دفعت هذه التنازلات ببعض أعضاء حزبه إلى المجاهرة العلنية برفض الخطّة حتى قبل أن تُطرح للمناقشة في البرلمان، ومن هؤلاء وزير المالية المستقيل يانيس فاروفاكيس الذي اعتبر ما حصل في قمّة اليورو انقلاباً على مطالب الشعب اليوناني المُعبّر عنها في استفتاء الخامس من تموز، مشبهاً الاتفاقية التي «تم التوصل إليها» باتفاقية فرساي التي انتهت إلى إخضاع ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.

مأزق تسيبراس

المسألة لا تتعلّق بفاروفاكيس وحده، وإنما بمجمل الصيغة التي يعبّر عنها حزب سيريزا، فهذا الحزب أتى إلى السلطة بموجب برنامج متكامل لرفض سياسات التقشّف والتخلّص من الديون، وعلى أساس هذا الرفض انتُخب في كانون الثاني الماضي، ثم أعيد تفويضه لمتابعة المواجهة مجدداً في استفتاء الخامس من تموز. واستمرّ تعبيره عن هذه الكتلة الاجتماعية حتى ذهاب تسيبراس إلى قمة منطقة اليورو لعرض خطّته الجديدة. ما فُرض على الرجل حينها أثار غضب القواعد التي كانت تتوقّع حصول تنازلات ولكن ليس بهذا الشكل، على الأقلّ لجهة عدم بيع المزيد من المؤسّسات الحكومية ورهن قرار الدولة بسياسات منطقة اليورو. عاد تسيبراس بعدها ليواجه اعتراضات مناصريه محاولاً إقناعهم «باستكمال المسيرة» ولكن من خلال تغيير الأدوات بعض الشيء، فمهمّته الآن لم تعد تنفيذ رغبتهم برفض سياسات التقشف بقدر ما أصبحت إقناعهم بجدوى «الامتثال» للصفقة الجديدة التي قد تنقذ الاقتصاد اليوناني وتمنع النظام المصرفي الخاصّ به من الانهيار. هذه هي الحجّة التي واجه بها اعتراضات نواب سيريزا في البرلمان، حيث قال في معرض تبريره لقبول الصفقة: «كانوا يرفضون منحنا قروضاً، أما الآن فقبلوا بمنحنا قرضاً بقيمة 82 مليار يورو، وإعادة هيكلة الديون من جديد، والأهم أنه لن يكون هنالك انقطاع في رواتب الموظفين والمتقاعدين».

يعاني الحزب جرّاء إدارة أزمة الديون فقداناً لهويته الاجتماعية
ولم ينسَ طبعاً في مواجهة الاعتراضات المتزايدة من داخل حزبه التذكير بأفضلية هذا العرض على سواه قائلاً إن الاتفاق «يحوي إجراءات تقشّفية صعبة، لكنها لا تقارن بالعروض السابقة». كلّ ذلك لم يكن مقنعاً لأعضاء الحزب الذين صوّتوا «جميعاً» برفض الخطّة، تاركين رئيسهم يتخبّط في أزمته محاولاً نيل الثقة عن طريق «تغيير التحالفات» والاستعاضة عن كتلة الرفض داخل حزبه بأخرى من أحزاب المعارضة. هذا الأمر أصاب الحزب بالشلل، وتركه من دون خطّة عمل واضحة للأيام المقبلة، فتسيبراس عبر هذا الاختيار سيصبح أسيراً لأحزاب اليمين ويسار الوسط التي هزمها في الانتخابات الأخيرة، ولن يعود بمقدوره الحكم بالاعتماد على القاعدة الشعبية التي كوّنها أثناء قيادته لسيريزا. هو نفسه اعترف بالأمر ودعا أعضاء حزبه لمراجعة موقفهم قبل التصويت، لأنه لا يستطيع الحكم من دونهم، وهذا يُظهِر عمق المأزق الذي يتعرّض له حالياً، حيث يتعيّن عليه المضي قدماً بخطّته التي وافق عليها البرلمان ولكن من دون أدوات تعينه على تنفيذها. أجهزة الدولة ستكون معه طبعاً، وكذا الأمر الاستابلشمنت الذي لم يتغيّر كثيراً وبقي موجوداً في أوساط المال والإعلام والشرطة والجيش و... الخ، ولكن الكتلة الاجتماعية التي أتت به الى السلطة لن تكون حاضرة لمساعدته بالقدر نفسه. قد لا تعبّر عن اعتراضها كما يجب بفعل الإنهاك الحاصل لها ولكنها بالقطع ليست مسرورة من الإجراءات التي ينوي الرجل تنفيذها. هو يعوّل على احتوائها عبر الفائض الذي سيبقى من الكتلة المالية التي سيضخّها المصرف المركزي الأوروبي اعتباراً من الأيام المقبلة لتمويل خدمة الدين وإعادة رسملة المصارف، حيث يُقال إن المبلغ المرصود للاستثمارات وتنشيط الاقتصاد من ضمن الخطّة يضاهي 12 مليار دولار. المشكلة أنّ هذا المبلغ لا يساوي شيئاً بالقياس إلى الأموال التي ستذهب لتسديد الديون، ولذلك يبدو تعويل تسيبراس على القاعدة الاجتماعية التي ستستفيد من أموال المساعدات في غير مكانه. ببساطة، الرجل سيتحوّل في هذه المرحلة إلى رئيس لحكومة لا تملك غالبية متماسكة، ولا تقدر إذا استطاعت امتلاكها (بالحيلة والمناورات السياسية) على إقناع ناخبيها بتنفيذ ما يتعارض مع مصالحهم الحياتية المباشرة. ومن هنا فإنّ بقاء الحزب نفسه قد أصبح على المحكّ.

«مصير سيريزا»

حالياً يعاني الحزب جرّاء إدارة تسيبراس لأزمة الديون من فقدان لهويته الاجتماعية، إذ لم يعد بالإمكان بعد إقرار العرض الجديد في البرلمان أن تظلّ العلاقة بين سيريزا وناخبيه كما هي، فهو الآن لا ينفّذ سياسات تتعارض مع مصالحهم فحسب، بل أيضاً يفقد صلته بالواقع الذي قاده إلى تزعّم الحركة الاحتجاجية ضد سياسات التقشف وإغراق اليونان في مستنقع الديون. هذا الواقع لم يعد موجوداً الآن، على الأقلّ كما عرفناه أثناء وجود سيريزا في المعارضة، إذ أصبح الحزب في السلطة، وبدأ بالتنازل عن الأهداف التي وضعها لنفسه حين كان في الشارع. معركته مع الدائنين بهذا المعنى لم تكن على قدر التوقّعات، وانتهت إلى انتكاسة كبيرة للحزب الذي كان يعوّل عليه الناس (تحديداً المهمّشون والمتقاعدون والعاطلون من العمل) لإخراج البلاد من سياسة الاستدانة. صحيح انه ربح بعد إقرار «الاتفاقية» فئات اجتماعية جديدة من اليمين ويسار الوسط إلا انه خسر قاعدته الشعبية الأساسية، ولم يعد قادراً على التعبير عن مصالحها كما كان يفعل من قبل. هكذا، أصبح متصالحاً أكثر مع وجوده في السلطة، وتكوّنت لديه خلال هذه الفترة «ارتباطات» بفئات اقتصادية يهمّها الإبقاء على وضع اليونان كما هو، وهذه الفئات هي التي اعتمد على ممثليها في التصويتين الأخيرين للتعويض عن «امتناع أعضاء حزبه عن التصويت». وهذا يعني أن ارتباطه بهؤلاء سيزداد مع الوقت على حساب الهوية الطبقية التي يعبر عنها أعضاء الحزب والناخبون اليساريون المتضرّرون من امتثال حزبهم لسياسات الترويكا. وقد عبّرت عن الأمر بشكل واضح نائب وزير المالية ناديا فالوفاني التي استقالت على إثر الاتفاق مع الدائنين، موضحة موقفها لتسيبراس بالقول: «اليكسيس تسيبراس، في وقت التحدي، أنا مستعدة للعمل في أي مكان وحتى النهاية، ولكن عندما عاد وفدنا بالتزامات ولدت ميتة، في كل تقدير، ستكون هناك معضلة، التراجع أو grexit»» (خروج اليونان من منطقة اليورو)، من غير الممكن بالنسبة لي أن أظل عضواً في الحكومة». ثم أردفت بعد شكر رئيس الوزراء على الثقة: «الكفاح، أريد أن أصدق أنه مستمر». هذا الخروج المدوّي بالإضافة إلى استقالة فاروفاكيس وامتناع وزير الطاقة ومعه 38 عضواً من الحزب عن التصويت يدلّ على حجم التغيّر الذي طرأ على سياسات الحزب بعد قرار تسيبراس بالامتثال للدائنين. بالنسبة إلى هؤلاء جميعاً فإنّ سيريزا لم يعد المكان الملائم لتكوين كتلة اجتماعية مناهضة للمديونية الوظيفية وسياسات التقشّف، وعليه يصبح البحث عن إطار جديد للكفاح ضدّ املاءات منطقة اليورو هو الخيار المناسب. أمّا سيريزا فقد أضحى «جزءاً من الماضي» الذي «يتعيّن دفنه». حالياً هو على الضفّة التي اختارت الولاء المطلق لمنطقة اليورو، وهذا يجعل منه في أفضل الأحوال نسخةً منقّحة عن «باسوك» وباقي أحزاب الاشتراكية الديمقراطية.
* كاتب سوري