تبدو المسافة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، بعيدة بمنطق الجغرافيا وقريبة بمنطق اقتراب الرجلين من معترك السياسة وحيازة السلطة.

طفا محمد بن سلمان على المشهد السياسي في المملكة العربية السعودية، من خلال اعتلاء والده الملك سلمان الحكم، وذلك في كانون الثاني/ يناير 2015.

فشغل آنذاك منصب رئيس الديوان الملكي السعودي، حتى نيسان/ إبريل من العام نفسه، كما تولى منصب وزير الدفاع السعودي، وبزغ نجم الملك الآتي عبر عملية عسكرية في اليمن، أُطلق عليها «عاصفة الحزم»؛ بدأت بضربات جوية شنتها عشر دول، فيما أوضح عادل الجبير الذي كان في حينها سفيراً للرياض في واشنطن، أن السعودية تشاورت مع الولايات المتحدة الأميركية في العملية العسكرية التي بدأت ضد جماعة «أنصار الله» (الحوثيين)، وجاءت تحت مبرر أنها «استجابة للرئيس اليمني لردع العدوان الحوثي وانقاذ حكومته الشرعية».
زلزل «الربيع العربي» بلداناً عديدة في المنطقة، وأزاح أنظمة استقرت منذ عقود، حدث ذلك في تونس، وانتقلت العدوى لعواصم عربية أخرى، في القاهرة ودمشق وطرابلس وصنعاء، بينما كانت بغداد من ذي قبل، ما تزال تعاني جراء حرب الخليج الاولى والثانية، وتعيش تحت وطأة نزاع طائفي عنيف أخلّ بتوازنات المنطقة.
سقوط حكم حسني مبارك في القاهرة سمح بحالة من السيولة السياسية، مكنت «الإخوان المسلمين» من اعتلاء الحكم، ومدّت الجماعة خطوط التواصل مع قطر وتركيا، وعملوا معاً إبان حكم «الولاية الأخيرة» لأوباما، على فتح الحدود للمقاتلين المرتزقة في سوريا وأضحت ساحة حرب عنيفة لجنسيات عديدة، استوطنها «داعش» وتنظيمات مسلحة أخرى وجماعة دينية متشددة.
كان الصراع في سوريا يعكس السيناريو الأميركي للمنطقة، بعد اعتلاء «الإخوان» سدة الحكم في مصر، ورأى العالم الرئيس المعزول محمد مرسي وهو في استاد القاهرة، في ذكرى السادس من تشرين الأول/ أكتوبر 1973، يحرض على «الجهاد في سوريا» ويردد: «لبيك سوريا»، ويرفع «علم المعارضة».
كان فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة إيذاناً بنهاية سيناريوهات في المنطقة، واستدعاء خطط جديدة في العديد من الدول، خصوصاً سوريا، التي شهدت متغيرات منذ تلك اللحظة ويبدو الأمر جلياً عندما نطالع نص البيان المشترك، بين موسكو وواشنطن في اجتماع «أوبك» في الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر وفيه جاء: «أكد الرئيسان بوتين وترامب بعد لقائهما على هامش مؤتمر أعضاء ايبك في فيتنام عزمهما على هزيمة تنظيم داعش في سوريا».
كما اتفق الرئيسان وقتها على أن الصراع في سوريا، ليس له حكم عسكري، وأكدا أن التوصل إلى تسوية سياسية نهائية للصراع، يجب أن تكون في إطار عملية جنيف، ووفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254، وأكد كل من بوتين وترامب التزامهما بسيادة واستقلال وعلمانية سوريا، وضرورة خفض التصعيد للحد من العنف فيها، وتهيئة الظروف للتوصل إلى حل سياسي ونهائي للصراع والنزاع هناك.


الملك القادم يحرث
الأرض لنفسه ويمهدها
عبر كل الخيوط

استطاع محمد بن سلمان أن ينفرد بالمشهد السياسي في الرياض، عبر إزاحة محمد بن نايف، من استحقاق خلافته الملك سلمان، وشرع في طرح وجهة نظره في أعمال الحكم عبر مشروعات اقتصادية وحريات اجتماعية، غير مسبوقة، كقرار تمكين المرأة من قيادة السيارة والشروع في عرض حفلات فنية بالرياض، ومهاجمة التنظيمات الدينية المتشددة ومواجهتها.
استطاعت طهران أن تبرم في عهد أوباما اتفاقاً حول برنامجها النووي، إلا أن ترامب وضع رؤيته ورؤية الأجهزة الأميركية في الأمر ووصف الاتفاق مع إيران بأنه الأسوأ، على الإطلاق في تاريخ الولايات المتحدة، وصرّح في أكثر من مناسبة، أن كل الخيارات مطروحة للتعامل مع طهران ومتهماً إياها بنشر الدمار في الشرق الأوسط وتهديد إسرائيل.
أدركت الرياض وبن سلمان أن طموح ابنه لن يتم إلا عبر واشنطن والاتفاق معها، وهنا، كان التحرك الأول لمحمد بن سلمان للحرب في اليمن، فرفعت شعار «الحرب على إيران» في اليمن عبر الحرب على حركة الحوثيين المسلحة، وصرح بن سلمان أن الرياض لن تسمح للحوثيين أن يكونوا «حزب الله جديد» على الحدود الجنوبية للمملكة.
تل أبيب التي استطاعت أن تجهض القاهرة من معادلة الصراع المسلح، عبر اتفاقية «كامب ديفيد»، الأمر الذي جعل من القضية الفلسطينية من دون حاضنة عربية رسمية، ومجرد أمر هامشي على جدول الأعمال العربية، تحتاج أن تدخل المنطقة في صراع عقائدي ومذهبي أقلّوي، يضمن لها أن تقبع في بئر عميق لعقود طويلة، داخله دوامات، غير منتهية، من الحرب والحرب المضادة، بينما تتفرغ إسرائيل للتنمية والاستقرار، عبر الصراع بين السعودية وإيران في مناطق عديدة. بينما يمنح ترامب الضوء الأخضر لذلك كل حين.
أفاقت الرياض قبل أكثر من أسبوع على صاروخ باليستي بالقرب من مطار الملك خالد، وأعلنت على الفور أن هوية الصاروخ إيراني، واعتبرت ذلك بمثابة إعلان حرب من طهران ضد الرياض، وأنها تحتفظ لنفسها بحق الرد بالشكل الذي تراه مناسباً.
تتمتع إيران بنفوذ كبير داخل العديد من الدول المتاخمة للسعودية، هناك في اليمن والعراق وسوريا ولبنان. وعلى الحدود السعودية في البحرين والكويت عدد كبير من ينتمون للمذهب الشيعي، الأمر الذي يقلق الرياض كثيراً وتعتبر من الضروري تصفية نفوذ طهران وتمدده، فضلاً عن خطورة تشكل تنظيمات مماثلة لحزب الله في المناطقة المتاخمة لحدودها.
اغتيل رفيق الحريري في عام 2005، وجاء من بعده ابنه، سعد الحريري، ليرأس الحكومة اللبنانية، مع رئاسة الدولة لميشال عون، فيما دأبت الرياض على دعم كل الحركات السياسية المناوئة لحزب الله.
في الشريط المتلفز عبر قناة العربية، المحسوبة على الرياض، بُثت استقالة الحريري من الرياض من رئاسة الحكومة اللبنانية، ويهاجم في نص الاستقالة إيران على غير مضمون أحاديثة الرسمية في ذلك الشأن ويرد أسباب استقالته بهذه الطريقة للدور المتنامي لها في لبنان وتهديد حياته. وأشار الحريري في اتصال هاتفي مع الرئيس اللبناني، ميشال عون، أنه لن يستطيع الاستمرار في منصبه وأنه سيعود إلى بيروت، في غضون أيام قليلة.
هنا نستطيع أن نلتقط ذلك الخيط الذي يرتبط بين الحرب في اليمن وبين محاولة إرباك المشهد السياسي في لبنان، ورضوخ واشنطن لتحركات روسيا نحو استقرار الأمور في سوريا، وأن يضحي لبنان ساحة الانفجار البديلة في الشرق الأوسط.
الملك القادم محمد بن سلمان يحرث الأرض لنفسه ويمهدها عبر كل الخيوط؛ داخلياً، أوقف عدد كبير من الأمراء والمسؤولين السعوديين للمرة الأولى، في تاريخ المملكة، ضمن حملة لمكافحة الفساد كما أسماها وتأتي تلك الخطوة كما أعلنت الرياض، في إطار خطة الأمير الشاب ليتبنى برنامجاً طموحاً للإصلاح الاقتصادي، يستهدف جذب المزيد من الاستثمارات إلى المملكة، وأن ذلك لن يتم إلا عبر اقتلاع الفساد ومحاسبة المفسدين ومن تطاول على المال العام.
أيدت واشنطن تلك الخطوة وقال ترامب على منصة التواصل الاجتماعي «تويتر»، إن لديه ثقة كبيرة في الملك سلمان وولي العهد السعودي، وأنهما يعلمان جيداً ما يفعلانه.
ثمة موضع آخر تحرك فيه محمد بن سلمان وحظي بدعم وموافقة أميركا، وهو الموقف من الدوحة، التي مضت فيه بمعزل عن رؤى الرياض بعدما انتهى الدور المرسوم والممنوح لها من قبل واشنطن والسعودية في سوريا، وأعلنت الأخيرة أن الدوحة تتحرك بسياسات ضدها، ومن ثم، تم فرض عقوبات اقتصادية وحصار عليها.
هكذا اكتمل السيناريو في الشرق الأوسط، وأمسى العداء مع إسرائيل والصراع معها، درباً من ضروب الخيال، وحل الصراع مع إيران بديلاً استراتيجياً، تدفع به الرياض عبر الساحة اللبنانية، التي تعاني من الفراغ السياسي، حسب التصور السعودي، وإن بدا لبنان حتى اللحظة متماسكاً ويطالب بعودة الحريري، وأن يعلن استقالته عبر القنوات الشرعية والدستورية.
ترامب الذي ظهر عبر شاشات التلفزيون وهو يصافح الرئيس الروسي بوتين، ويعلنان معاً لحظة النهاية في مشهد التوتر السعودي ويدعم الرياض في صراعها مع طهران، تحيطه مؤسسات وأجهزة لصنع القرار واختباره مرات عدة؛ تلك المؤسسات والأجهزة التي تحول بين قرارات ترامب والتعجل وتخرجها في صورة مؤسساتية، تعفيها من التهور، لكن في المقابل على ما يبدو ليس ثمة أطراف وعناصر مماثلة بمقدورها أن تكبح جماح الملك القادم محمد بن سلمان.
* كاتب وإعلامي مصري