كنّا قد شرحنا، في مقالات سابقة، أن اليونان سيصعب عليها «تحدي» الاتحاد الأوروبي و»الرأسمالية العالمية» بالشكل الذي افترضه بعض اليساريين المتحمسين. هذا لا يعود فقط لأسباب بنيوية تتعلق بارتباط البلد بعملة لا يتحكم بها، وصعوبة شقّ طريق اقتصادي مستقلّ يسمح بالتخلي عن الدائنين والدعم الأوروبي؛ بل ايضاً لأنّ حزب «سيريزا»، في ظل نظام المنافسة الانتخابية، لن يتمكّن من قيادة ملايين المواطنين على هذا الطريق ــــ الصعب والشائك والطويل ــــ وأداء هذه المهمة «الثورية» والمكلفة، وهو الذي تم انتخابه بأغلبية بسيطة.


يبدو أنّ وزير المالية المستقيل، يانيس فاروفاكيس، كان يرى هذه المعضلة، وكانت لديه «خطة» أدى رفضها من قبل حكومته، في ليلة الاستفتاء الشعبي منذ اسبوعين، الى استقالته. تقول التقارير الصحافية ان فاروفاكيس قد حذّر الحكومة من أن الأوروبيين سيخنقون المصارف اليونانية (وهو ما حصل)، وأنّ الحلّ الوحيد أمام «سيريزا» هو في التصرّف كأنّ اليونان قد خرجت من اليورو، مع المراهنة على عدم امكان طردها. نظرية فاروفاكيس هي أنّ «اخراج اليونان» من اليورو ليس أكثر من تهويلٍ يسوقه المفاوضون، وأن عملية طرد بلد من نظام العملة أو الاتحاد الأوروبي نفسه هي مسألة سياسية وبيروقراطية معقّدة جداً، لا سبيل واضحاً اليها في قوانين الاتحاد. وأن اليونان، مهما فعلت، فإن الأوروبيين لن يجدوا نصاً أو عملية قانونية، أو اجماعاً سياسياً اوروبياً، تسمح بـ «طرد» اليونان بهذه البساطة.
من هنا، كانت خطة فاروفاكيس تقوم على التحدي المباشر: اصدار الحكومة لأوراق دينٍ مسعّرة باليورو (أي ما يوازي اصدار عملة محلية)، واتخاذ قرار سيادي من جانب واحد بخفض ديون البلد تجاه المصرف الأوروبي، واستلام قياد «بنك اليونان» من سلطة الاتحاد وتحويله الى ما يشبه المصرف المركزي. بمعنى آخر، يفعل البلد ما يناسبه، كأنه قد خرج من اليورو، ولكن من دون اعلان ذلك؛ وحين يفهم الدائنون أنّ اليونان لن تطرد نفسها طوعاً من الاتحاد، فانهم سيضطرون للتفاوض مجدداً، ووفق شروط أفضل، بعد أن قامت الحكومة اليونانية بفرض وقائع جديدة «على الأرض».
هي خطة اذاً؛ ولكنها شديدة الخطر، كثيرة المحاذير، وغير مأمونة العواقب. بدلاً من اتخاذ قرار وطني بالاستقلال الاقتصادي، وتحمّل كلفة مقاطعة الأسواق المالية، اقترح فاروفاكيس، في وجه منطق القوّة والفرض، منطق «المحتال»، الذي يستعمل أي ثغرة في اللوائح والقوانين لحماية نفسه وانتزاع ما يعتبرها حقوقاً له. رفضت الحكومة اليونانية، في ليلة التصويت على الاستفتاء، خطة فاروفاكيس، واستقال الرجل بعدها مباشرة ــــ في أذكى خطوة سياسية يتخذها قيادي في «سيريزا» منذ وصل الحزب الى الحكم.
حين اضطرّ رئيس الوزراء تسيبراس وحكومته الى عقد «استسلام غير مشروط» مع الدائنين، والقبول بالحزمة الانقاذية الثالثة، فهم لم يكتبوا نهاية تجربة «سيريزا» فحسب، بل اظهروا هشاشة فكرة أن «اليسار» في اوروبا، بشكله وأحزابه الحالية، قادر على بناء بديل ــــ أو تهديد ــــ للسلطة المالية\السياسية القائمة في القارة.
بعد الاصلاحات التي فرضها الأوروبيون، لا يجب أن نقارن اليونان بحال المكسيك والبرازيل في الثمانينيات، حين وقعت هذه الدول في فخ الدين؛ بل بحال مصر الخديوية، أو بلاد فارس في نهاية العهد القاجاري، حين أسّس الدين لنظام وصاية خارجية، ولبيع الدولة لمواردها وثرواتها الوطنية الى أجانب يستثمرونها (بدأت شركات عالمية، كـ «ميرسك» الدانماركية وغيرها، بالتعبير عن رغبتها بالاستحواذ على أهم هذه الأصول، كالمرافىء الناجحة والبنى التحتية والعقارات).
المشكلة في المطالب الأوروبية انها لا تقتصر على «اصلاحات نيوليبرالية» وضرائب جديدة وتخفيض للانفاق الاجتماعي، كما يشتكي الكثيرون؛ بل في انّها ترمي الى تغيير كامل بنية المجتمع السياسي في اليونان. حين تُحجز «الأصول اليونانية الرابحة»، وتوضع في صندوقٍ خاص لدفع الديون، ويتمّ تصغير حجم الدولة، وخصخصة ما تبقى من شركات وطنية، فإن هذه السياسات تؤدي الى تقليص الطبقة الاجتماعية التي ترتبط بالدولة، ولها مصلحة في الابقاء على السياسات الاشتراكية، والحفاظ على الثروات العامة، وصون السيادة الوطنية. بدلاً من أن يكون مديرو شركات الكهرباء والاتصالات والنقل، مثلاً، «خداماً عامين»، يستمدون شرعيتهم من الشعب اليوناني، وتُدفع رواتبهم من ضرائبه، يصيرون موظفين تكنوقراطيين في شركات عالمية، مركزها في لندن أو برلين، مصالحهم وترقياتهم ــــ بل وثقافتهم ــــ لا تتصل بحاجات البلد وارادة شعبه (بل قد تتعارض معها).
حين يصير أكثر الشعب اليوناني موظفاً لدى شركات خاصة، وأصوله تملكها صناديق أجنبية، والدولة «صغيرة» وضحلة، يصعب أن نتخيّل قيام كتلة اجتماعية كتلك التي تدعم «سيريزا» و»بوديموس»، وغيرها من الأحزاب التي تتكىء على تراث الدولة الاجتماعية الأوروبية.
من المفارقة أن يكون حزب «يساري»، كسيريزا، هو الذي ــــ سيسجل التاريخ ــــ أدخل البلد عصراً رأسمالياً قاسياً. ولكن، وهنا العبرة، لم يعد تعبير «يساري» يعني شيئاً مهماً هذه الأيام؛ كما قال سلافوي جيجك في مقال اخير له، ماذا يعني أن تكون «اشتراكياً» اليوم؟ لم يعد للكلمة محتوى واضح. بامكان أي ملياردير أو يميني يتعاطف مع فكرة ما عن اغاثة الفقراء أو الحنو على المحرومين أن يصير «اشتراكياً» ضمن هذا المفهوم، الهيولي، الرائج اليوم. يسار لا يتحدى الامبريالية بوضوح لا هوية له، ويسار لا يحافظ على ثروات المجتمع ليس اشتراكيا؛ وفي حالة اليونان، فإن يساراً «يريد أن يكون اوروبياً» لن يصل الّا لما وصل اليه «سيريزا».